القواعد والأصول الجامعة 8

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 8، الدرس الثامن : فيه من قوله ( ومن فروع هذا الأصل قول العلماء ... من أذان وإقامة وإمامة صغرى وكبرى وولاية قضاء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب طلب العلم والعلوم النافعة

يشرح الشيخ وجوب طلب ما لا يتم الواجب إلا به، مثل الماء للوضوء والعلوم النافعة. يوضح أن هذه الواجبات قد تكون فرض عين أو كفاية حسب الحال والعرف.

تفاصيل فرض الكفاية ومسؤولياته

يتناول المقطع تفاصيل فرض الكفاية في طلب العلم والمهن، موضحًا أنه إذا لم يقم به أحد أثم كل قادر عليه، مثل إمام المسجد الذي لم يصلي بالناس.

مفهوم الأمانة ومسؤولياتها في الإسلام

يفسر المقطع مفهوم الأمانة في الإسلام، مشيرًا إلى شمولها للعلوم الدينية والدنيوية والمسؤوليات المهنية، ويحذر من إهمالها.

تحذير من مخاطر المجتمعات الفاسدة

يحذر المقطع من الدخول أو الاستمرار في مجتمعات فاسدة التي قد تعرض دين الفرد للفتنة بسبب الضغوطات والتهديدات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال ومن فروعها للأصل قول العلماء إذا دخل الوقت على عادم الماء لزمه طلبه في المواضع التي يرجو حصوله فيها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويلزم أيضا شراؤه وشراء الستر الواجب بثمن مثل أو زيادة لا تضر. هذا هو الضابط، لأنه قد يقول قائل: ما هو الحد الأقصى للبحث عن الماء وطلب الماء؟ يقال: ما يعلم بالعرف أن مثل هذا يطلب. والعرف يختلف، فعرف أهل الحضر غير عرف أهل البدو، والعرف في السفر ليس كالعرف في الحضر. فمثلا الرجل في الحضر -والمراد بالحضر ما ضد السفر، سواء أكان في مدينة أو كان في بادية- يطلب الماء يختلف في المدينة وفي البادية. لكن لا شك بما لا يضيع وقت الصلاة الأخرى، يعني لا يخرج وقت الصلاة، لا يأتي وقت الصلاة الثانية. ولا يخرج وقت الصلاة نفسها كذلك، إذا كان ليس بعده وقت صلاة، مثل صلاة الفجر بينه وبين الضحى فارق، ومثل صلاة العشاء بينه وبين الفجر فارق وفاصل، فإنه يطلب الماء لما لا يخرج فيه وقت الصلاة، هذا أقصى شيء. ثم كم حد المسافة الواجبة، وكم حد المسافة المستحبة؟ بالعرف، العرف يختلف في المدن وفي البادية. في البادية ربما تكون مسافات طويلة لأنهم هم متعودون أن يجلبوا الماء لبهائمهم ويجلبوا الماء لشربهم وطعامهم، فكذلك يجلبون معه ماء الوضوء، لأن الوضوء من الضرورات الدينية كما أن هذا من الضرورات الدنيوية. وإذا كانوا يشترونه فكذلك يجب أن يشتروا ماء للوضوء. وليس الغصب يجب أن يشتروا بماذا؟ بأجرة المثل ولو زاد، كذلك ولو زاد زيادة لا تضر، لأنهم في الغالب لو زاد حتى في الطعام والشراب وفي استخدام البهائم فإنهم يشترونه، فكذلك يشترونه ما دام أن ذلك يستطيعونه. والمراد من هذا التفريق، ففي السفر مثلا يختلف الحكم، ففي السفر لو فات وقت الصلاة الأولى لماذا؟ لأنه رخص للمسافر لأنه يجمع بين الصلاتين. مثلا ما وجد الماء الآن، ويمشي المسافر، ما وجد الماء ويريد التوضأ، ما وجد الماء عنده وقت العصر ما زال موجود، إذن ينتظر، لا يصلي الظهر بالتيمم وهو يستطيع أن يؤخر الظهر إلى العصر ويجد الماء في المنطقة الثانية، بل يؤخرها إلى صلاة العصر. لو كان بالحضر هل يجوز له أن يفعل ذلك؟ الجواب: لا، ما يجوز له أن يؤخر الظهر إلى العصر، لأن الظهر يجب أن يصليها بوقتها، فإذا وجد الماء وإذا لم يجد الماء فإنه يتيمم. فهكذا. طيب، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، قاله من فروع هذا الأصل. ومعنى من فروع كما مر معنا أي من مسائل هذا الأصل. قال: وجوب تعلم الصناعات التي يحتاج الناس إليها في أمر دينهم ودنياهم صغيرة وكبيرة، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا كذلك ما لا يسقط به الفرد، فلابد من القيام به، سواء كان فرض عين أو فرض كفاية، فلابد أن يقوم به البعض. المجتمع مثل مثلا في الدين العلماء وطلبة العلم والخطباء والأئمة، فالناس يحتاجون إلى ذلك، فإذن يجب تعلم هذه الأشياء. تعلم ناس ليكونوا خطباء وآخرون أئمة وآخرون طلبة علم وعلماء. وهكذا كذلك في الدنيا يحتاج المجتمع إلى حداد وإلى نجار وإلى خياط وإلى بناء، فهذا كذلك مما يأمر الشرع لوجوده في المجتمع، فهو من فروض الكفايات. قال: ومن فروع هذا الأصل وجوب تعلم العلوم النافعة، وهي قسمان. وهذا الواجب كما قلنا أنه قد يكون واجب عيني وقد يكون واجب كفائي، واجب عيني أو واجب كفائي أي هذه المهن والصناعات والعلوم. قال: ومن فروع هذا الأصل وجوب تعلم العلوم النافعة، وهي قسمان: علوم تعلمها فرض عين، وهي ما يضطر إليه العبد في دينه وعباداته ومعاملاته، كل أحد بحسب حاله. مثاله في دينه: أن يوجد في المجتمع علماء يعلمون الناس العلم الشرعي، فتعلم العلم الشرعي بالنسبة للمجتمع أن يوجد عالم أهل مرجع، فهذا فرض عين يتعين على من عنده كفاءة هذا العلم أو من عنده استطاعة لهذا العلم. وقد يكون كذلك شيء يتفرق على الناس، مثل أحكام الصلاة، أحكام الطهارة، فهذه فرض عين على كل فرد في المجتمع، كل مسلم بالغ عاقل، فإنه يجب عليه أن يتعلم أحكام عباداته التي يتعبد الله جل وعلا بها. وهكذا ويشمل من يدخل بذلك العقيدة. وقال: وعباداته، يعني مما قد تختلف عن الدين العام الذي يشمل الناس، فالعقيدة تشمل الجميع، والصلاة تشمل الجميع، وأشياء تختص لبعض الناس، مثل أحكام الزكاة لمن عنده مال، أحكام الحج لمن تيسر له الحج واستطاع إليه سبيلا، ونحو ذلك. ومعاملاته كذلك، بيع وشراء يتعلم الأحكام الشرعية في ذلك، أو نكاح يتعلم أحكام النكاح ما يجوز وما لا يجوز، ونحو ذلك. قال: كل أحد بحسب حاله. قال: والثاني فرض كفاية، وهو ما زاد على ذلك بحيث يحتاجه العموم. كما قلنا أنه قد يكون شيء ديني وقد يكون شيء دنيوي. قال: وفرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن غيره، وإذا لم يقم به أحد أثم كل قادر عليه. مثلا فرض كفاية بالشيء الديني يوجد ناس علم أهلية لتعلم العلم الشرعي يقرؤون ويكتبون وفهموا وأدركوا أهمية تعلم العلم الشرعي، فكلهم يشملهم فرض الكفاية، فإذا فرطوا أثموا. قرية من القرى، مدينة من المدن، فيها مجموعة من طلبة العلم، ويعلمون أنه ليس في هذا البلد مرجعية، والناس غير مبالون بهذا الباب، يأثم كل من علم بأهمية هذا الواجب وفرط فيه. تركوا لأن الدنيا عندهم أهم مما تركوا لشيء عرض لهم، فإن الإنسان لا يكلف إلا ما يطيق. وأما ما لا يطيقه الإنسان فإنه معذور فيه. قد يصرف الإنسان لسبب أو لآخر عن طريق العلم، لكن إذا تركه طلبا في شيء من الدنيا وعلم أنه وإخوانه الذين علموا بأهمية هذا الباب أول من يتعين عليهم هذا الفرض الكفائي، فإنه إذا سقط هذا الواجب الكفائي في المجتمع ولم يوجد يأثموا جميعا. وبه نعرف أن طلب العلم لا يكون دائما مستحبا فقط، أي طلب العلم الزائد لا، بل قد يكون واجبا كفائيا قد يكون واجبا كفائيا على مجموعة، إذا لم يقوموا به أثموا جميعا. بل قد يكون واجبا كما قال العلماء عينيا متى؟ إذا لم يوجد إلا واحد يستطيع أن يطلب العلم، أعطاه الله عز وجل أسباب وأهلية طلب العلم، ولم يمنعه من طلب العلم مانع، وهو يعرف أنه ليس أحد سواه في هذه القضية إلا هو، وهنا يتعين عليه أن يطلب هذا العلم يتعين عليه. ومثله كذلك في المهن الأخرى، مهن الدنيا. ونقرب المعنى مثلا لو أنه ناس في حارة عندهم مسجد ليس في هذا المسجد إمام يحسن القراءة وأحكام الصلاة إلا واحد، وهو يستطيع أن يتفرغ لهذا المسجد، ومع ذلك لا يبالي، لا يحضر، تقام الصلاة وهو غير موجود، والناس يتساءلون: من يصلي بنا؟ يتقدم بهم من يصلي، ويكسر الفاتحة فضلا عن غيرها، ويخطئ في أحكام الصلاة وغيرها. هل يأثم هذا الإنسان بتفريطه؟ لا شك أنه يأثم، لماذا؟ لأنه فرط في شيء يستطيعه ولا يشك عليه. بخلاف لو كان عنده عذر، إنه عذر يجتهد، يحرص على أن يأتي يوم، ينام معذور، ليس في النوم تفريط، يوم يشغله الأبناء والشغل، هو عنده عمل يحتاج أن يعمل لأولاده، فيعمل ويحاول أن يوفق بين العمل والمسجد، فتفوته بعض الصلوات مع حرصه واجتهاده، مثل هذا معذور مع حرصه واجتهاده. لكن الرجل ليس عنده ما يمنعه أبدا، ومع ذلك يفرط، هذا يأثم. ومثله كذلك في طلب العلم، مثله كذلك تماما في طلب العلم، لا يجوز لمن أوتي أسباب طلب العلم أن يفرط فيه، خصوصا إذا تعين الحكم عليه. وهكذا قلنا في المهنة الأخرى، المهنة الدنيوية. لو علم أن إنسانا من الناس حداد يتضرر الناس بعدم وجود حداد، ومع ذلك يأبى أن يعمل للناس، ليس لشيء ضرر، فكل ضرر يلحق بالناس يلحقه في ذلك، إذن قد يقول قائل: كيف إذن متأكد أنه إذن؟ أو المسألة فيها شكل، لا، متأكد أنه إذن. وهذه فتوى أهل العلم وكلام في كتب أهل العلم أن الأمور الدنيوية والصناعات هي من فروض الكفايات. وإذا تعينت على إنسان بعينه، لا يوجد من يحسنها إلا هو، ففرط فيها ولحق بهذا التفريط ضرر على أناس، فإنه يأثم. سرق بيت بسبب تفريط هذا الإنسان، اعمل له بابا طيب، إن شاء الله، ويترك، إن شاء الله، وليس له عذر، وليس عنده ما يمنعه، والرجل سيعطيه المال حتى سرق ماله، يلحقه نصيب من هذا الإثم، ولا يلحقه نصيب. وهكذا وهكذا، كذلك من عنده مهنة الطب ويفرط فيها، فإنه كل ما أصاب المسلمين من ضرر يلحق إثم هذا الضرر. وبه نعرف أن كل المسؤوليات وكل العلوم حتى العلوم الدنيوية أمانات، أمانات تتعلق بعنق حاملها. إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملناها وأشفقنا منها وحملها الإنسان. ليس فقط الأمانة الدينية الشرعية، بل حتى كذلك فيما يتعلق بالأمور الكونية العلوم الدنيوية، إذا تحمل الإنسان فهو تحمل أمانة يجب عليه أن يؤديها، لأنه تعلمها، يجب عليه أن يؤديها في الموضع الذي يحتاج إليها فيها. فقد يكون ذلك فرض كفاية إذا كانوا كثيرا، إذا قام به البعض سقط عن الكل. وقد يكون فرض عين إذا لم يوجد إلا هو، إذا لم يوجد إلا هو، فإنه يكون فرض عين. أو كذلك يكون فرض عين إذا احتيج إلى الجميع في أيام الحروب، ما يكفي طبيب واحد، لا يقول طبيب: أنا سأنام، خلاص عندنا عشرة أطباء وأنا واحد من أحد عشر، ماذا عساني أن أزيل؟ لا، أنت تأثم بتأخرك، وما عدم اشتغالك، وما يمنعك من إقامة هذا الواجب، فأنت تأثم، كل مريض يلحقه ضرر، وميت يموت بسبب تأخر طبيب، يلحقك نصيب من هذا الإثم. لأنه لم يمنعك مانع، وأنت لا تعذر، لو منعك مانع، عندك عذر فيه عند الله، فإنك تعذر. وأما إذا لم يكن لك عذر، فهي في الحقيقة صارت من فروض الأعيان، ليس من فروض الكفايات. وهكذا قال رحمه الله: ومن فروع هذه القاعدة جميع فروض كفايات، من أذان وإقامة وإمامة صغرى وكبرى، وولاية قضاء. وهذه أشياء مهمة، لو أننا عرفنا الأحكام الشرعية فيها ما ضاعت في المجتمع. بعض المساجد تمر عليها بعض الصلوات ليست فيها أذان، بل وليس فيها صلاة. بعض القرى تأتي ما يصلون الفجر، ما تجد في المسجد أحد، وهذا إثم يلحق أهل القرية جميعا. مسجد جامع لا يصلون فيه صلاة الفجر، وهكذا. الإمامة الصغرى والإمامة الكبرى، إمام الصلاة أو الجمعة أو نحو ذلك، أو الكبرى كالولاية والإمارة وما كان بمعنى، وولاية القضاء، ذلك القاضي. الأصل أن الإنسان يفر من القضاء، وقد جاءت الأحاديث والآثار الكثيرة في التحذير من القضاء، لأنها أمانة عظيمة وفتنة ومحنة، خصوصا إذا كان الحكام حكام سوء والأمراء أمراء سوء. ومع ذلك إذا لم يقم به أحد تعين، ورد فرد كفاية على من عنده الأهلية أن يقوم بهذا الواجب. فإن تخفيف الشر مما طلب شرعا، وهذا هو القول الصحيح بمسألة القضاء. فإن قيل: كيف؟ بعض الأئمة كان يلوم في القضاء، وابن المبارك لام بعض أهل الحديث على تولي القضاء، لام منهم إسماعيل بن علية. قيل: إنه لما بلغته الأبيات ترك القضاء رحمه الله تعالى. وكان ابن المبارك رجلا مباركا جمع بين العلم والعمل، حتى قيل: لم يختلف عن الصحابة إلا في الزمان، زمانه غير زمان الصحابة، وإلا جمع عملا كثيرا شابه أن يكون عمله كعمل الصحابة رضي الله عنهم. وكان ينفق على جماعة من أهل الحديث، ينفق عليهم نفق شهرية لأجل أن يتفرغوا لتعلم العلم والحديث، منهم إسماعيل بن علية. فلما علموا أنه تولى القضاء قطع عنه النفقة، فتألم إسماعيل ليس لأجل النفقة، ولكن لأجل غضب ابن المبارك. فمثل هذه القصص ليس معناها إضاعة هذه الحقوق، ولكن معناها أنه يوجد من يقوم بها، فلا ننافس الناس في الدنيا، من وفقه الله للدين لا ينافس الناس في الدنيا. إذا يوجد من يقوم بهذا الواجب، إذا نتركهم يقومون بهذا، لا نعرض أنفسنا للفتنة، هذا أمر. إذا علمت أن هذا الواجب يقوم به أناس، فأنت انشغل بما أنت فيه، ولو كنت أقل في الدنيا، فاصبر على ما أنت فيه. هذا فهم وتوجيه لهذا النهي والتحذير من السلف عن تولي القضاء. والفهم الثاني: أنه إذا كان القضاء إذا كان القضاء لا ينفع فيه وجود المصلح لفساد الأمراء، ومن يقوم على هذا القضاء، فمن العبث ومن الإضاعة للدين تولي القاضي. بعض المجتمعات ما ينفع أن يدخل فيها الرجل الصالح، لأنه إذا أمر بالشرع جاءت الأوامر من فوقه لا تأمر بالشرع. جاءت ورقة صغيرة: اعط الباطل ولا تعط المظلوم، ولا بد أن ينفذ ما في الورقة الصغيرة، وإلا فمعنى أنك تعزل، إذا لماذا؟ ما الفائدة؟ إذا كان الأمر مثل هذا لا يعرض الإنسان نفسه ودينه للفتنة. طيب، نقف هنا ونكمل إن شاء الله.