الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 14، الدرس الرابع عشر : من : ( 4- التدرج في التشريع ... ثم مرنت على المتع منه في بعض الأوقات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
نزول القرآن مفرقًا كان يهدف إلى التدرج في التشريع، مراعاة لأحوال الناس وتسهيلًا لتطبيق الأحكام الشرعية. هذا التدرج ساعد في تهيئة النفوس لقبول الأحكام الجديدة.
تحريم الخمر نزل مفرقًا في ثلاث آيات، بدأ ببيان ضرر الخمر ثم النهي عن الصلاة في حال الخمر، وانتهى بتحريمه بشكل كامل. هذا التدرج ساعد في تقبل الناس للتحريم.
التدرج في تعليم العلم ضروري لمراعاة القدرة الاستيعابية للناس. استخدم الصحابة هذا الأسلوب في تعليمهم، حيث كانوا يتعلمون عشر آيات ولا يتجاوزونها حتى يعملوا بما فيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «وصول بالتفسير»: قال رابعًا -يعني من حكم نزول القرآن مفرقًا-: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع -يعني يواجهوا أن يجابهوا أن يواجهوا بالمنع بالمنع منه منعا باتا-. فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، فكان بهذه الآية تهيئًا للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي ألا يمارس شيء إثمه أكبر من نفعه. قال: ثم نزل ثانيًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات. ثم نزل ثالثًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. قال: فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منعًا باتًا في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات -يعني اتعودت وصار فيها تهيئة-. ذكر رحمه الله تعالى هذا الوجه الرابع الذي به يعرف بعض حكم نزول القرآن مفرقًا، فمن حكمه كما قال رحمه الله: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال. وكما أبان رحمه الله بهذا المثال معنى هذا التدرج في التشريع، فإن الناس لو منعوا من أول مرة لكان هذا شاقًا عليهم، خصوصًا من كان مبتدئًا في الإيمان، فإنه ربما يضعف في هذا الباب. وتضمن هذا الوجه أربعة أمور: الأمر الأول ما ذكره رحمه الله تعالى، ومما مثل به رحمه الله: أن فيه مراعاة أحوال الناس، والتدرج في التشريع. وتضمن ذلك كذلك وجهًا خامسًا إن قلنا بالتفصيل، وهو أن في هذا كذلك مسايرة الحوادث من حكم نزول القرآن مفرقًا، مسايرة الحوادث، فإن لكل مقام مقال، فأنزل بأول الأمر في الخمر ما لم ينزل بعد ذلك. وهكذا كذلك الأحكام الشرعية كانت الصلاة في مكة ليست كما كانت في المدينة، وكانت كذلك الأحكام في مكة ليست كما كانت في المدينة، ثم تدرجت الأحكام في المدينة حتى صارت على هذا الشيء الذي عليه أهل الإسلام، وهذا كذلك من حكم نزول القرآن مفرقًا. وثالثًا: أن فيه كذلك -أي في نزول القرآن مفرقًا- مراعاة أحوال الناس، فإن القرآن لم ينزل بالأحكام الشرعية جملة واحدة، كذلك لم ينزل بالتحليل والتحريم جملة واحدة، وإنما تدرج في ذلك. فإن قيل: هل نستفيد من هذا أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؟ ومعناه: أننا كذلك ندرج الحكم على حديث العهد بالإسلام. الجواب: نعم، إن كان هذا سيكون فتنة لمعظم الناس، فإنه يدرج عليه الحكم بحسب ما يكون من حال هذا الإنسان، ولا يعني ذلك أنه إن سئل عن شيء من أحكام الشرع فإنه تغير الأحكام، ما تغير الأحكام، لكن قد يكون من فقه الدين تأخير بعض العلم، كما وقع ذلك في أدلة كثيرة. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب من كتم العلم عن قوم خشية أن لا يفقهوا أو لا يعلموا»، ثم ذكر حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، أنه -أي أن النبي صلى الله عليه وسلم- أخبره: «فإن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أنه يدخل الجنة»، فقال معاذ: «أفلا أبشر الناس؟»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذن يتكلوا»، فهو بلغ معاذ عليه الصلاة والسلام، ولم يأذن لمعاذ أن يبلغ سائر الناس، فكتم ذلك معاذ رضي الله عنه حتى لما كان في مرض موته حدث بهذا الحديث خشية التأثم -يعني أن يتأثم بكتم شيء من العلم-. ثم ذكر البخاري رحمه الله في ذلك الباب -أو معناه- ذكر أثر علي رضي الله تعالى عنه، وبمعنى أثر عبد الله بن مسعود: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»، فأنت إذا جئت إلى قوم هم بكفر وفي شرك وفي الحاد وزندقة، فلا تناقشهم فيما هم مبتلون فيه من شهوات ومن محرمات، ناقشهم بأصل الكفر، ناقشهم بأصل التوحيد حتى يؤمنوا بالله عز وجل، فإذا آمنوا بالله علمهم الفرائض، فإذا تعلموا الفرائض نهاهم عن الكبائر، ثم هكذا يعرف أحكام الإسلام شيئًا فشيئًا. وهكذا كذلك من حكمه: أنه يستفاد من هذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى أن في نزول القرآن مفرقًا تنمية وتربية لأهل الإسلام، وهكذا كذلك ينبغي أن يكون الدعاة والعلماء وطلبة العلم مع من يعلمونهم الخير، فإنه ينبغي أن يكون نزول هذا العلم عليهم على وجه التربية والتنمية. ولهذا لما سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنه عن العالم الرباني، قال: «هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره» -يعني يعلمهم الصغير ثم الكبير- يتدرج بتعليم العلم للناس حتى يتربى الناس على العلم والإيمان. ولهذا كان من حكمة هذا الشرع النازل مفرقًا، وسلك معنا هذه الحكمة الصحابة رضي الله عنهم، كما في حديث عبد الله بن مسعود المشهور الصحيح: «أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات لا يتجاوزون هذه الآيات حتى يأخذوا ما فيها من العلم والعمل»، فإذا أخذوا ما فيها من العلم والعمل انتقلوا إلى غيرها من الآيات الأخرى. فهذا كذلك مما يستفاد من نزول القرآن مفرقًا. والله تعالى أعلم.