الدرس في وقفات مع سورة العصر 26 ذو الحجة 1428هـ، وقفات مع سورة العصر 26 ذو الحجة 1428هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ بشرح سورة العصر مبينا عظم فضلها ودلالة ألفاظها على معاني عظيمة. يشير إلى أهمية تدبرها والعمل بما فيها للفوز في الدنيا والآخرة.
يشرح المقطع قسم الله تعالى بالعصر في سورة العصر، ويبين دلالته على أهمية الوقت والعمل الصالح. يحذر من الخسارة التي يقع فيها الإنسان إذا لم يستثمر عمره في الطاعات.
يتناول المقطع صفات الطائفة الناجية والفرقة المنصورة، ويشير إلى أهمية العلم النافع والفقه في الدين. يفصل في معنى الإيمان وأصوله الستة، ويبين أهمية توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
يتحدث عن الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتفاصيل كل ركن من هذه الأركان. يؤكد على ضرورة العمل بالعلم لانتفاع الإنسان به ونجاته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ﴿وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعم لا تعد ولا تحصى. وإن من عظيم ما أنعم به علينا ما أنعم علينا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إننا نحمد الله جل وعلا الذي وفقنا للاجتماع في هذا المسجد المبارك، نجتمع في بيت من بيوت الله، نتذاكر قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في وقت غفل فيه الكثيرون عن مثل هذا الخير، وحرم فيه الكثيرون عن هذا الخير، إلا من وفق الله جل وعلا ورحم. فلنحمد الله جل وعلا على توفيقه وتيسير رحمته، إذ يسر وهيأ لنا وأعاننا ووفقنا لمثل هذا الخير العظيم، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقفات يسيرة، كما سمعتم في هذه اللحظات، مع سورة من سور القرآن العظيم، وآيات من آيات هذه السورة، وهي سورة عظيمة على صغر وقصر آياتها، إلا أنها اجتمعت على معاني عظيمة، ألا وهي سورة العصر. ثم بعد ذلك النظر والمذاكرة في الأسئلة التي أعدها الإخوة في هذا المقام، وبما يناسب حال الناس في هذه الأيام. أول هذه الوقفات، عباد الله، أن نعلم أن هذه السورة، سورة العصر، سورة عظيمة. وكل ما في القرآن عظيم، ولكن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن القرآن يتفاضل بعضه مع بعض، ولا يعني ذلكم التفاضل أن بعضه ينقص عن بعض، ولكن معناه أن بعضه فيه زيادة من المعنى والمبنى، ما فيه زيادة فضل. ومن ذلك ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي «أي آية أعظم في كتاب الله؟» فكرر عليه عليه الصلاة والسلام وهو يقول «الله ورسوله أعلم»، كما جاء في بعض الروايات. ثم قال «آية الكرسي». فقال «ليهنك العلم أبا المنذر». فدل ذلك على أن القرآن يتفاضل بعضه على بعض. وهذا التفاضل يعني الاعتناء بذاك الذي احتفت به أوجه الفضل الزائدة، والاعتناء به. كما جعل في آية الكرسي، فإن هذه الآية جعلت حصنا حصينا يتحصن به المسلم في مواضع كثيرة في حياته، في يومه وليلته، يذكرها أدبار الصلوات، ويذكرها في الصباح والمساء، ويذكرها في مواضع شتى. وهكذا كذلك هذه السورة العظيمة، سورة العصر. وقد روي من فضلها ما أشار إليه ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، فيما رواه الطبراني وغيره، بإسناد كما أشار صحيح، ورجاله ثقات، إلى ابن حسين. قال الطبراني «رجل يعد من الصحابة». وقال المحققون من الحفاظ «هو من التابعين». «أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان يلتقي الرجلان فيسلم أحدهم على الآخر، فلا يفترقان حتى يتلو ويقرأ، ويدكر أحدهم الآخر بسورة العصر، ثم يسلم بعضهما على بعض فيفترقان». فإن دل ذلك على شيء، عباد الله، دل على عظم هذه السورة العظيمة، وما فيها من معاني ينبغي أن يتأملها، وأن يتدبرها، ويعيد ويكرر النظر فيها، المسلم من أراد لنفسه السلامة والعافية في الدنيا والآخرة. وأخرج عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، من غير وجه، أنه كان يقول رحمه الله تعالى «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم». كما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى وغيره. وهكذا كذلك جاء من عظيم فضلها آثار كثيرة، في تدبر الصحابة والتابعين، واستخراج شيء من كنوزها ومعانيها، ما يحصل به الاهتداء في هذه الدنيا، والوصول إلى رضا الرحمن جل وعلا في الدار الآخرة. ثم الوقفة الأخرى في ألفاظ هذه السورة، قد اجتمعت هذه السورة على قلة آياتها وقصرها، على ألفاظ ذات معاني عظيمة. أولها لفظ العصر، الذي ذكر فيه ثلاث معاني. المعنى الأول: أن المراد به الزمان، وما كان عليه أحوال جميع المخلوقات، من مبدأ أمرها إلى آخر أمرها. وهو أرجح الأقوال في المراد بهذه اللفظة في السورة. وهو الذي رجحه ابن القيم رحمه الله تعالى. وقيل: أن العصر هو هذا الوقت، ما بعد الظهر إلى ما قبل المغرب. وقيل: المراد بالعصر صلاة العصر. والحق أن المعنيين الأخيرين يدخلان في المعنى الأول، كما حققه غير واحد من أهل العلم. وذلك لأنه بهذا اللفظ تجمع هذه الآية معاني عظيمة، وتشتمل على أحكام كثيرة. ثم من هذه الألفاظ الإنسان، وهو هذا المخلوق الذي خلقه الله جل وعلا، فكان منه المسلم والكافر، والبر والفاجر. وعظ ربنا جل وعلا وذكر وأندر وبشر، بذكر جنس الإنسان، للتنبيه إلى افتراق حاله وأصنافه فيه. ثم ذكر ربنا جل وعلا معنى الخسارة، وهي ضد الربح، وهي تطلق كثيرا في معنى كساد التجارة، وما قارب ذلك من معنى. والمراد ها هنا الخسارة الحسية والمعنوية، المجتمعة لما هو ضد الربح والفوز. وهكذا كذلك قوله سبحانه «تواصوا»، هذا اللفظ المشعر بمعنى الاجتماع والتعاون، والمشعر بمعنى الرفق واللين والرحمة، وما تضمنته من معاني، كما سيأتي التنبيه إلى ذلك. وهكذا كذلك ما بعده من «الحق» و«الصبر». «الحق» المجتمعة لكل ما وضع في موضعه، على وجه شرعي وعرفي. وهكذا كذلك «الصبر» الذي هو بعض معاني هذا الحق، وخصه ربنا جل وعلا بالذكر، لأهميته ولعظم شأنه في حصول هذه النجاح والفوز، وعدم الخسارة. ثم الوقفة الثالثة، نقف مع هذه السورة، في معنى خلاصة ما ذكره أهل التفسير وأهل العلم، في معاني هذه السورة. يكسم ربنا جل وعلا في أول هذه السورة، يكسم ربنا جل وعلا في هذه السورة بالعصر. فيقول «والعصر». ولا يكسم ربنا جل وعلا إلا على ما يدل على معنى التعظيم، لفتا للانتباه إلى ما في معاني هذه اللفظة، مما يوجب العظة والذكرى. كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. يكسم ربنا جل وعلا بالعصر، وهو هذا الدهر، بما كان فيه من مبدئه، والمشعر كذلك بمنتهى، بأن الذي خلق المخلوقات، وهو خالق لحكمه سبحانه وتعالى، وكان لها مبدأ، فكذلك لها نهاية. ومن حكمته في النهايات أن يجازي المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بإساءتهم. وذاك من عدله سبحانه وتعالى، في شرعه وقدره جل وعلا. وتضمن ذلك كذلك التنبيه إلى أهمية الاعتناء بما يوضع في هذا الزمان. وإنما عمر هذا الإنسان هو هذا العصر، وما تمر فيه من أيام وشهور وأعوام، بل ما تمر فيه من ساعات ولحظات. وكما روي عن عدد من الأئمة والتابعين «إنما عمر هذا الإنسان هو هذا الزمان». «إنما أنت يا بني آدم أيام وليالي تنقضي بانقضائها، وتنتهي وتفنى بانتهائها وفنائها». ففي هذا عظة وذكرى أخرى، بأن أقسم ربنا جل وعلا بالعصر، إذ يذكر ربنا جل وعلا فيه هذا الإنسان، كم مر على الناس، كم مر في هذا العصر من ناس، أمم وطوائف وأفراد ومجتمعات، ذهبوا وذهب ذكرهم، ولم يبقى إلا ما يلقون الله جل وعلا من أعمالهم، بما استودعوه في هذا العصر، بزمانه ومكانه. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. يومئذ تحدث أخبارها، كل أرض تخبر بخبرها، من عمل العاملين، المحسنين منهم والمسيئين. وهذا من عدل الله جل وعلا. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى. وهكذا كذلك في هذا العظة والتذكير، بالاستدراك، استدراك ما بقي من العمر، في تدارك ما كان من نقص، وجبري ما كان من خطأ وتقصير. فإن العصر هو دار الإمكان، فمن أراد السلامة والنجاة، فالآن حيث يستطيع التدارك، لا بعد فوات ذلك، حين يكردس الإنسان في قبره. فعند ذلك يكون مرتهن بعمله. وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في السنن، من غير وجه، عن أبي برزة، وبمعناه عن عبد الله بن عباس، بإسنادين صحيحين، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «لا تزول قدم عبد، حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أنفقه، ومن أين اكتسبه، وفيما أنفقه». وهكذا كذلك ذكر خصالا أخرى، فذكر في حديث أبي برزة أربعا، وفي حديث ابن عباس خمسا. فانظر أخي المسلم، وتأمل ماذا استودعت في هذا العصر من أعمال، توجب لك العظة والذكرى والاعتبار بهذا العصر. ثم ها هنا تنبيه، نبه إليه بعض أهل العلم، وهو أن ربنا جل وعلا أقسم ها هنا بالعصر، وهو من مخلوقات الله، مع أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال «كما في الصحيحين: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». كما جاء في حديث ابن عمر، ومعناه عن عدد من الصحابة. وأجاب أهل العلم عن ذلك، أنه لا إشكال، فهذا بحق المخلوق، لا يحلف إلا بخالقه، إذ لا خالق له إلا هو، ولا رب له، ولا معبود إلا هو سبحانه، فلا يحلف إلا بالله جل وعلا، تنبيها إلى أنه لا يعظم إلا الرب جل وعلا وحده. وكل ما سوى الله جل وعلا مخلوق مربوب له سبحانه وتعالى. أما الرب جل وعلا، فهو يحلف بما شاء، الرب جل وعلا يحلف بما شاء، لأنه الخالق الرب الإله الحق سبحانه وتعالى. فهو إذ حلف بما يحلف من المخلوقات، لا يعني ذلك إذ داء شيء من العبودية، أو معنى من المعاني الممنوعة. وذلك لأن كل ما سوى الله هو مربوب لله، وإنما هو كلام الخالق جل وعلا، كلام الخالق الذي إذا حلف بشيء من مخلوقاته، حلف بها، منبها على معنى عظيم فيها. فإن ذلك من مقاصد القسم عند أهل العربية، إذ من مقاصد القسم التأكيد والتعظيم. فالتعظيم في حق الله تعظيم مطلق، وفي حق المخلوق تعظيم نسبي. وقد حرم ربنا فيما شرع لنبيه أن يعلم أمته أن يمنع هذا التعظيم، وبهذه الصيغة في حق المخلوقين، سداً لذريعة الشرك المفضية إلى عبادة غير الله جل وعلا بتعظيمه. وبهذا لا إشكال، بهذا المعنى وبهذه الصيغة. ومنه ما جاء مثله في قول الله جل وعلا ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ إلى آخره. وغيره مما فيه قسم في كتاب الله جل وعلا. وهكذا كذلك أجاب بعض أهل العلم، بأن هناك محذوف تقديره «ربي» أو «رب»، وذلك على قول من يقول أن الحلف بغير الله لم يقع في الكتاب، وما وجد فيما ظن ذلك، فهو على تقدير حذف لفظ الجلالة أو معناه. وهذا يرويه الإمام مالك رحمه الله تعالى، وبعض المالكية. فيكون المعنى «وَرَبِّ الْعَصْرِ». ويكون المعنى «وَرَبِّ الشَّمْسِ». وهكذا «وَرَبِّ الْفَجْرِ». وغير ذلك. وهذا كما قلنا رواية عن بعض أهل العلم، وقول جمهور أهل العلم على المعنى الأول. وهكذا كذلك في قوله سبحانه وتعالى «وَالْعَصْرِ». فيه ما سمعنا من معاني، وتأكيد كذلك ما لأجله أقسم الرب جل وعلا، وهو ما يأتي من جملة القسم وجوابه. وهكذا كذلك فيه ما سمعنا من أهمية الاعتناء بالمعاني المقصود الاعتبار والعض بها في هذا العصر. ثم قال ربنا جل وعلا «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ». أكدت هذه الجملة بإن المسبوقة بالقسم، وزيادة التوكيد في الكلام، عند أهل العربية، يدل على عظمها، وعلى أهميتها، وعلى ضرورة زيادة الاعتناء بها. «إن الإنسان لفي خسر». الإنسان كما قلنا جنس الإنسان، فاجتمع ذلك معنى العموم. فكل إنسان في خسارة، إلا من ذكر فيمن استثني في هذه الآيات المذكورات. «إن الإنسان لفي خسر»، أي كل إنسان يقع في خسارة، إلا من وقع في حقه هذا الوصف المذكور. وقول ربنا جل وعلا «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ». قال بعض أهل العلم في هذا إشارة إلى أن أسباب الخسارة كثيرة، ولهذا حذر منها. لأنه الأصل في الاستثناء، فإن الاستثناء يكون بالقليل من الكثير. ويصدق ذلك أدلة من كتاب الله، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد قال ربنا جل وعلا «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ». وقال ربنا جل وعلا «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ». ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم فيما جاء في الصحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «يقول الله جل وعلا: يا آدم، أخرج بعث النار». قال فيقول «وما بعث النار يا رب؟». قال فيقال له «أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». كل هؤلاء في النار، حتى شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فقالوا «أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟» يعني من هذا الذي ينجو من الألف، وهو واحد من ألف، وهم يرون أنفسهم كثر حول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فذكر لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنهم في أجوج ومأجوج». ما كانت في أمة إلا كثرتها، يعني أن الهلاك أكثره ليس من هذه الأمة، ولكن من الأمم الأخرى. ومع ذلك فالهالكون في هذه الأمة كثير. فالهالكون في هذه الأمة كثير. فينبغي للمسلم أن يحذر، وأن لا يغتر، لا يغتر بعلم، ولا يغتر بعمل. فإن أهل الهلاك في الأمم السابقة كثير، بالنسبة لأهل النجاح، وهم في هذه الأمة كذلك كثير. ويؤيد ما رواه الإمام أحمد وغيره، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». فعلم أن الناجي من هذه الفرق جميعا، من أهل الأرض، أو من أهل هذه الأديان الثلاثة، من أهل الأرض، هم جزء من أكثر من مئتين وستة أو خمسة وأربعين جزءا. جزء من أكثر من مئتين وخمسة وأربعين جزءا. كم عسى أن يكون هؤلاء الجزء في هذه الأجزاء الكثيرة؟ وأنهم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي أهل الإسلام، جزء من ثلاث وسبعين جزءا، هم فرقة واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار. يعني الهالك اثنان وسبعون، والناجي واحد. فتأمل أخي المسلم أين أنت من هذه الفرق جميعا، التي تهلك بصنوف أنواع الهلاك، كما دلت الأدلة من الكتاب والسنة. فمنهم من يضل بشبهات، ومنهم من يضل بشهوات. وما أكثر وسائل وأسباب الهلاك من الشبهات والشهوات. فإذن في هذه الآية عظة وذكرى وتحذير، لألا يكون المسلم من هذه الفرق الهالكة الخاسرة، وأن يكون من جنس الإنسان الخاسر، الذي حذرنا ربنا جل وعلا منه في آيات كثيرة، ومنها ما في هذه الآية، وهذه السورة العظيمة. ونبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ومنها ما سمعت في الأحاديث المذكورة. ثم قال ربنا جل وعلا «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ». نكر لفظ الخسر. وفي هذا نكرة لاغية، كما يقول أهل العربية، إذ التنكير في موضع التعريف، يفيد التعميم، يفيد معنى العموم. وهو في قول الأصوليين «النكرة في سياق النفي أو ما كان بمعناه تفيد العموم». وفي سياق الإثبات تفيد الإطلاق. فنستفيد من ذلك أن أسباب الخسارة كما سمعنا كثيرة، لا تنحصر بباب. وهكذا قال ربنا جل وعلا بعد ذلك «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ». وهذا استثناء، ويفيد الاستثناء الحصر. وكما يقول بعض أهل الأصول «الاستثناء معيار العموم». فيدل هذا الحصر على تخصيص فرقة ناجية، وطائفة منصورة، هم في الغالب قليلة، بالنسبة لغيرهم من الخاسرين. ويؤيد ذلك ما جاء في الصحيحين، من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه، وجاء معناه من حديث ثوبان، وجماعة من الصحابة، أنه قال عليه الصلاة والسلام «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». ويزيد المعنى إجلاءا ووضوحا، ما جاء في رواية البخاري، إذ قرن هذا الحديث، بقوله عليه الصلاة والسلام «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». فدل ذلك، كما قال غير واحد من أهل العلم، دل ذلك على أن من أعظم صفات الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وهو من أعظم أسباب نصرتها ونجاتها، العلم النافع، والفقه بالدين. «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، قرن مع قوله عليه الصلاة والسلام «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». وهكذا يؤكد ذلك المدلول العلمي والعملي المذكور في هذا الاستثناء. فأما المدلول العلمي، في قوله سبحانه «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا». وأصول الإيمان التي أرسل الله جل وعلا بها جبريل عليه الصلاة والسلام، يعلم الناس إياها، بسؤاله نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم الجواب، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث عمر في صحيح مسلم، في قصة جبريل عليه الصلاة والسلام. فأخبر أن الإيمان «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». فإن حقيقة المدلول العلمي لمعنى الإيمان، أن يكون عند هذا المؤمن أصول الإيمان الستة. من الإيمان بالله، في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. الإيمان بربوبيته، بأن تفرده سبحانه وتعالى في أفعاله، لا تشرك معه أحدا، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، فضلا عن من هو دون ذلك. وهكذا أن تفرده جل وعلا في ألوهيته، فتفرده سبحانه وتعالى في أفعال خلقه، من صلاة وصيام، وصلة، وطواف، وندر، ووقف، وذبح، ونحر، وغير ذلك. فلا يصرف ذلك كله، وما كان بمعناه، من أنواع أعمال العاملين، إلا لله جل وعلا. فلا تخاف إلا من الله، ولا تحب العبادة إلا من الله، ولا يتعلق قلبك تعلق العبادة إلا بالله جل وعلا وحده. وهكذا تفرده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فهو المتفرد بالجلال والكمال سبحانه وتعالى، لا يشبه شيئا من خلقه، ولا يشبه شيء من خلقه جل وتعالى وتقدس، أن يكون له نظير ومكافئ وسوي وسمي ومساوي سبحانه وتعالى. وهو القائل «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ». وهو القائل جل وعلا «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا». وهو القائل جل وعلا في آيات كثيرة، فيها هذا المعنى «لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ». فليس له كفو، وليس له سمي، وليس له مثيل سبحانه وتعالى. بل هو وحده المتفرد بصفات الجمال والجلال والكمال سبحانه وتعالى. فإذا علم ذلك، استدللت بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وهو ما يسمى بالتوحيد العلمي الخبري، على توحيد الألوهية، المسمى بالتوحيد الطلبي القصدي. بأنه جل وعلا، إذ كان هو مستحق الربوبية وحده، والأسماء الحسنى والصفات العليا وحده، أنه إذن لا يعبد إلا هو وحده سبحانه، كما قال ربنا جل وعلا «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». وهذا في قوله «هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا». يعني له من الأسماء الحسنى والصفات العليا، ما يساوي ويسامي ربنا جل وعلا. وهذا استفهام إنكاري، متضمن لمعنى التحدي والتعجيز. فتخر الأذقان لفظا ومعنى، بالاعتراف لله جل وعلا وحده، بانفراده بالكمال والجلال. فيكون بعد ذلك استلزام إفراده جل وعلا وحده بمعنى الألوهية سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك من معاني النجاح بمعنى الإيمان، أن تؤمن بملائكة الله جل وعلا، جملة وتفصيلا، كما أخبر الله بذلك في كتابه، ورسله عليهم الصلاة والسلام بسنته. فإن ذلك المعنى مما لا يتم إيمان إلا به، وهو معنى علمي، يوجب مدلول عملي، يبرهن كمال المرء في إيمانه ومراقبته. إذ يعلم أن ملائكة تكتب عنه من خير وشر، فأين مدلول العمل لهذا العلم والإيمان؟ وهكذا كذلك نختصر من الإيمان بالله، الإيمان برسله جملة وتفصيلا، وما جاء به جملة وتفصيلا. والإيمان بذلك كله جملة وتفصيلا. ومن ذلك الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ختم الله به الأنبياء والرسل، وختم بما بعث به من دين الأديان، لا يقبل دينا سواه. وهو القائل «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ». وهو القائل عنه «أنه خاتم الأنبياء والمرسلين» عليه الصلاة والسلام. ومن الإيمان بالله، الإيمان بكتبه، ما علمنا بذلك جملة وتفصيلا. والإيمان بما فيها جملة وتفصيلا، وما تضمنته من مدلولاتها ومعانيها، من الإيمان بناسخها ومنسوخها جملة وتفصيلا. ومن ذلك الإيمان بالقرآن، الذي هو ناسخ لما تقدم بين يديه من الكتب: التوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وموسى. أنزل الله عز وجل هذا القرآن، مهيمنا لما بين يديه من الكتب السابقة، مستوجبا للإيمان بما جاء به جملة وتفصيلا. ومن الإيمان بالله، الإيمان كذلك باليوم الآخر، وما تضمنته أحوال هذا اليوم العظيم، من أحداث وأحوال وأخبار، في كتاب الله، وفي صحيح سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. نؤمن بذلك كله جملة وتفصيلا. ومن هذا الإيمان، أن نؤمن أن أول منازل الآخرة هو القبر، وأن أول مراحل اليوم الآخر هو الموت، وما يكون بعده. ففي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن قوما من الأعراب سألوا النبي صلى الله عليه وسلم «متى تقوم قيامتنا؟ أو متى تقوم الساعة؟» فقال عليه الصلاة والسلام «قد». ثم التفت إلى أصغرهم، قال «إن يمت هذا تقم قيامتكم». أشار بذلك عليه الصلاة والسلام إلى أن أول منازل يوم القيامة، بالوفاء والموت. وهكذا كذلك من الإيمان بالله، الإيمان بالقدر خيره وشره، من الله جل وعلا، بمباحثه التي دلت عليه ذلة الكتاب والسنة. ومن ذلك الإيمان بمراتبه: الإيمان بعلم الله السابق، أن الله جل وعلا علم الأشياء قبل وقوعها جملة وتفصيلا، وهو بكل شيء عليم. وهي مرتبة العلم. وثانيا: الإيمان بالكتابة، بأن الله جل وعلا أمر القلم، بعد إذ خلقه، أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، قبل وقوعه. كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام «أن أول ما خلق الله القلم، فقال له: أكتب. قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». وهكذا كذلك من مراتب القدر، بعد مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة. أن للناس مشيئة، وللرب جل وعلا مشيئة. وأن مشيئة الناس تابعة لمشيئة الرب جل وعلا «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ». ومن مراتب القدر، الإيمان بأن الله خلق العباد، وخلق أعمالهم وأفعالهم. كما قال سبحانه «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ». وبعد ذلك كله، أن تعلم أخي المسلم أن الإيمان له خصال وشعب، يكمل هذا الإيمان باستكمال تلك الخصال والشعب. كما قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فليس الإيمان أخي المسلم بالتمني، ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلب، وصدقه العمل. فأنت أخي المسلم، لا تميط الأذى من الطريق، إلا وقد أمطته من قلبك، وكان بذلك علو إيمانك. ولا يكون عندك خلق الحياء، إلا وكان ذلك زيادة في عملك، وحسن قولك، ويقين قلبك. وهكذا كذلك سائر خصال وشعب الإيمان. وهكذا تعلم أن كل أعمال الخير والبر، التي يحبها الله ويرضاها، من الإيمان. حتى الابتسامة في وجه أخيك صدقة، تتصدق بها على نفسك وإخوانك. وهي من مدلول المعنى العلمي للإيمان، الموجب للمدلول العملي الذي أمر الله جل وعلا به. بعد ذلك، جواب كذلك. وهكذا كذلك من معاني النجاة من هذه الخسارة، ما ذكره ربنا جل وعلا بعد ذلك، من المدلول العملي، الذي هو برهان هذا المدلول العلمي للنجاة. فأنت بعد إذ علمت ما سبق من الإيمان، ينبغي أن تعلم أن العلم الذي علمته حجة عليك، لا لك. حجة عليك، إن أنت أتيت بما فيه، وبما يقتضيه، نجوت. وإن لم تكن، فإنك تكون من الهالكين. وثبت في مسند الإمام أحمد وغيره، عن عمرو بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر مرة إلى السماء، فقال «هذا أوان العلم أن يرفع». فقام رجل يقال له زياد بن لبيب، فقال «يا رسول الله، كيف يرفع العلم، وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءنا وأبناءنا؟». فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لقد كنت أظنك من أفقه أهل المدينة». ثم ذكر له ضلال أهل الكتابين، يريد اليهود والنصارى. أي كيف ظلوا مع وجود الكتاب بين أيديهم؟ وهذا يدلنا على معنى عظيم، عباد الله، أن الشأن كل الشأن، ليس هو بالوصول إلى العلم، بقدر أن يقترن هذا العلم بالعمل. فإنك إن لم تعمل بالعلم، لم تنتفع بهذا العلم، بل صار العلم حجة عليك، ووبالا والعياذ بالله. ولهذا أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام «أن تعلم القرآن، وهو من أعظم أسباب الهداية والسلامة والخيرية». كما قال عليه الصلاة والسلام فيما جاء في البخاري، من حديث عثمان «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». بل يقول ربنا جل وعلا «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَت