الأخطاء الشرعية في رأس السنة الميلادية

المحاضرة بعنوان الأخطاء الشرعية في رأس السنة الميلادية، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية 5 صفر 1433هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية النصيحة والدعوة إلى تطبيق ثوابت الدين

يتناول الشيخ أهمية النصيحة في الدين وضرورة تطبيق ثوابت الشريعة دون مساومة أو تهاون. كما يشدد على أن الإسلام الحقيقي هو الاستسلام لله بالطاعة والانقياد له دون اتباع الأهواء.

التحذير من المشاركة في أعياد الكفار وبدع الاحتفال

يجب على المسلمين عدم المشاركة في أعياد الكفار مثل رأس السنة الميلادية، لأن ذلك يعتبر إقرارًا لهم على كفرهم وشركهم. كما أن الاحتفال بمولد المسيح عليه السلام يعتبر بدعة في الدين الإسلامي.

خطورة التعاون مع الكفار في احتفالاتهم ومظاهر كفرهم

يُنبه الخطيب إلى خطورة مشاركة المسلمين في احتفالات الكفار، ويحذر من الإعانة على إقامة هذه الأعياد بأي شكل من الأشكال، ويعتبر ذلك تعاونًا على الإثم والعدوان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الأحبة، سمعنا موضوع هذه المحاضرة والكلمة التي نتذاكرها في هذه الليلة، وقد اختارها بعض إخواننا لمناسبة هذه الأيام القادمة وما يقدم عليه الكثير من الناس مع مقدم هذه السنة الميلادية الجديدة. فلذلك من باب «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ومن باب حب الخير للغير، ومن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة» وكررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام «الدين النصيحة، الدين النصيحة»، أي كاد أن يكون الدين مجتمعًا ومنحصرًا في النصيحة لعظيم شأنه وعلو منزلته في هذا الدين. ولما كان هذا الموضع من المواضع التي يكثر فيها الخطأ، ناسب أن نتذاكر في هذه الليلة بعض الأخطاء أو أهم الأخطاء التي يمكن أن يسع الوقت المذاكرة فيها. وأول ما ينبه عليه بادي بدء تنبيه مهم وخطأ يقع فيه الكثير من الناس، ذلك أن طائفة من الناس إذا سمعوا مثل هذه الإعلانات لمثل هذه المحاضرات أو كذلك حضروا خطبة جمعة أو مروا بنصيحة، سرعان ما يرمون هؤلاء الدعاة وطلبة العلم بالغلو والتشدد وبأنواع التهم مما أوجد وحشة وهوة بين أهل الخير وطوائف في المجتمع تبلغهم مثل هذه التشويشات ومثل هذه المقالات. ومع قلة العلم والدين وتمكن الجهل والشهوة وصعوبة الخروج عن العوائد، صدق وقبل طوائف من الناس مثل هذه الدعاوى الباطلة. ولذلك كان من التنبيه ومن أهم التنبيهات التي ينبه عليها في مثل هذا المقام أن يعلم الجميع أن هذا الدين إنما قام على النصيحة وعلى الغير لحرمات الله وحدوده وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال بعض أهل العلم: قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصلاة والزكاة، وهي من فرائض هذا الدين ومبانيه العظام؛ لأنها بالجملة تدخل تحتها. ولهذا قال بعض أهل العلم: «الركن السادس من أركان هذا الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وسمعتم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم وغيره، حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري المشهور العظيم، قال عليه الصلاة والسلام «الدين النصيحة» أي كأنه أن يكون الدين منحصرا في النصيحة، وكررها خارج الصحيح ثلاثًا كما جاء عند غير رواية مسلم «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة»، قالوا: قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله وليأمة المسلمين وعامتهم». ولهذا فإن من وفقه الله للخير يفرح بالتذكير ويغبط به ويحتفي به، كما قال الله عز وجل ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أهل الإيمان هم الذين ينتفعون بالتذكير ويفرحون به، وأهل الكفر والفجور هم الذين تضيق صدورهم بالتذكير وينفرون من النصح. وهذه سنة الله في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن تبعهم من بعدهم من الصديقين والشهداء والصالحين يبلغون ما أمر الله بتبليغه، فيقومون بهذا الواجب. وعند ذلك يكون الناس فيه أصناف، فمنهم من يستنكر تلك النصائح وذلك التذكير، ما أنه لو أنصف نفسه لعلم أنهم لم يدعونه إلا إلى ما فيه الخير له في الدنيا وفي الآخرة. ويلحق بهذا تنبيه مهم، وهو أن بعض الناس قد يقول: «أنا من المؤمنين والمسلمين»، لكنه في الحقيقة يريد إسلامًا وإيمانًا بما تهواه نفسه وتشتهيه شهوته، يريد إيمانًا وإسلامًا بما جرت به عوائد الناس ولو كان ذلك على حساب ثوابت هذا الدين ولو كان ذلك على حساب أصول هذا الدين وقواعده العظام. وهذا خطأ عظيم كبير؛ لأن حقيقة الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل بالطاعة والانقياد له. ليس أننا نأخذ ما نهوى ونشتهي ونترك ما لا نهوى وما لا نشتهي، ولكن كما قال الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي ادخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. إن مما ينبغي التنبيه عليه من الأخطاء في هذا المقام خطأ عظيم يقع فيه الكثير من الناس في قضية تضيع هذه الثوابت الشرعية وهذه الأصول المرعية التي جاءت بها نصوص الكتاب والسنة وكان عليها سلف الأمة، حتى صار بعض الناس يساوم فيها ويجادل. والله جل وعلا في كتابه الكريم يبين لنا أنه لا يسع أحدًا أن يترك ما أنزل الله من العلم والهدى، ولو كان هذا الأحد أفضل الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضلًا عن غيره. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. إذا كان هذا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم، فمن دونه من باب أولى. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ﴾. إذا كان هذا الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم، فكيف بمن دونه؟ ولكنه تعليم لهذه الأمة ألا مساومة في ثوابت هذا الدين ولا في قواعده العظام. لا يجوز لأحد أن يساوم وأن يجادل في ثوابت هذا الدين وقواعده، بل الواجب على الجميع أن يلزم ما أمر الله جل وعلا بلزومه، وأن يتمسك بما أمره الله جل وعلا بالتمسك به. وذلك أننا نقول كما أمر الله عباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، حال أهل الإيمان أن يقولوا: «سمعنا وأطعنا»، لا نكن كأهل الكتاب الذين قالوا: «سمعنا وعصينا»، ولكن نقول: «سمعنا وأطعنا». وكما قال جل وعلا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. إذا علم هذا أيها الأحبة، فلنعلم عند ذلك أن الميزان الذي يُعرف به الصواب من الخطأ والضلال من الهدى وطريق الإعوجاج من طريق الاستقامة ليس هو العواطف ولا الأهواء ولا الآراء ولا العوائد ولا الكثرة، ولكنه ميزان الله، ميزان الله سبحانه وتعالى الذي به يميز المسلم بين الصواب من الخطأ والضلال من الهدى وطريق الإعوجاج من طريق الاستقامة. فبهذا الميزان العادل من الله جل وعلا العدل وهو القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، بهذا الميزان يحتكم الجميع فيميزون بين النافع والضار وبين الضلال من الهدى وغير ذلك مما يبحثون عن الحق فيه. وتأتي هاهنا مسألتنا وقضيتنا وموضوعنا في هذه الليلة، وهو موضوع الاحتفال برأس السنة الميلادية وما يلحق به من أخطاء. اعلموا عباد الله أن الله عز وجل أعزنا بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. ومما جاء به ديننا التحذير من متابعة الكافرين والنهي عن التشبه بالمجرمين الفاسقين فضلًا عن الكافرين. قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، جاء في تفسير هذه الآية تفاسير كثيرة، جلها يجتمع في أمرين اثنين: أولها لا تركنوا إلى الذين ظلموا أي بمجالستهم ومخالطتهم والقرب منهم؛ لأن ذلك موجب لتعذيبكم معهم. والآخر: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا أي في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم ولو لم تخالطوهم، فكل الأمرين قد نهينا عنه. نهينا أن نركن إلى الظالمين، ومن أظلم الظالمين الكفار، أن نركن إليهم في مجالسهم واجتماعاتهم حتى لا يصيبنا ما يصيبهم. فإن الله عز وجل قد يأخذ القرية بظلم بعضها، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد، قد لا يكون الظلم من جميع القرية، من بعضها أو أكثرها. فإذا لم ينهى عن ذلك من الظلم ولم يفارق أهله، خشي من عذاب الله ونقمته وعظيم عذابه العاجل قبل الآجل. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخصف بأولهم وآخرهم»، فقالت: يا رسول الله يخصف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم -يعني أناس أبرياء لم يكونوا معهم في هذا البغي والعدوان- قال عليه الصلاة والسلام «يخصف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم»، هذا من شؤم مقاربة ومساكنة ومخالطة أهل الظلم، وأظلم الظالمين الكفار. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، قال بعض المفسرين: ولم يقل «صالحون»، فوجود الصالحين مع الظالمين لا يمنع من عذاب الله جل وعلا، ولكن الذي يمنع عذاب الله أن يوجد في الظالمين أهل إصلاح، أما أهل صلاح مع أهل الظلم لا يمنع من عذاب الله ونقمته وغضبه. وبالسنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب. فإن من معاني الركون المصاحبة، وكما قيل: «الصاحب ساحب». ولهذا لا تجد أحدًا يميل قلبه لمجلس من المجالس إلا ومالت أخلاقه وسلوكياته ودينه إلى أهل ذلك المجلس. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «القلوب جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»، فقلوب أهل الإيمان تبغض مجالس الكفر والفسوق والعصيان، وقلوب أهل النفاق والفسق والفساد تميل إلى تلك المجالس الفاسدة وعلى العكس تنفر من مجالس الخير وتضيق بها ذرعًا. فلذلك أيها الأحبة كان من المنكر العظيم في هذا الدين مشاركة هؤلاء الكافرين في أعيادهم، كيف وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة زيادة في التوضيح والبيان في التحذير من مشاركة هؤلاء الكفار في أعيادهم. فقد جاء في تفسير قول الله جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ عن عبد الله بن عمر ونحوه عن عدد من الصحابة والتابعين «الذين لا يشهدون أعياد المشركين»، فمن معاني الزور أعياد المشركين بنص الصحابة والتابعين. ولا إشكال فلا يجوز لمسلم أن يشهد أعياد المشركين؛ لما في ذلك من إقرارهم فضلًا عن إعانتهم على الباطل الذي هم فيه. ومن أبطل الباطل أيها الأحبة من أبطل الباطل الشرك والكفر الذي هو أصل تلك الأعياد وتلك الاحتفالات. فإن أعياد الكافرين لا تخلو من كفر وشرك ونفاق وفسوق ومجون وكل ذلك نهي المسلم عنه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، بل المؤمن يبغض أهل الكفر ولو كان في ذلكم الوقت لم يفعل الكفر، فكيف إذا خالط ذلكم الرجل الكفر والفسوق والمجون والعصيان؟ قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾، أين نحن من هذه الآيات العظيمة؟ أين الولاء والبراء الذي يجب أن يكون عند أهل هذا الدين؟ أين لزوم المسلم لتلك الوصايا العظيمة التي علمها ولا تخفى عليه؟ لكنه طغيان العوائد وغلبة الشهوة ومسايرة الكثرة طغت على القلوب والأبصار، فصار الكثير من الناس لا يبصر بعين المؤمن ولا يفكر بعقل المسلم، ولكنه ينظر بأعين الكافرين ويفكر بتبعية المنافقين إلا من رحم الله وقليل ما هم. أيها الأحبة، لا يخفى على الكثير من العارفين أن حقيقة ما يسمى برأس السنة الميلادية أو ما يسمونه بعيد الكريسمس هو عبارة عن احتفال فيما يزعمون أنه بعيد مولد المسيح عليه الصلاة والسلام. وهو لو وقف على هذا المعنى لكان من الاحتفالات البدعية؛ لم نرضى في دين الإسلام بالاحتفال بالمولد النبوي مولد نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا في ديننا من البدع والمحدثات؛ لأنه منافي لما جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. جاء النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كما في حديث أنس: «وللناس أعياد من أعياد الجاهلية»، فنهاهم عن ذلك كله وأخبرهم بأن الله أغناهم بعيدين اثنين: عيد الفطر وعيد الأضحى. فكيف بعد ذلك نحتفل بعيد المسيح عليه الصلاة والسلام؟ والعجب أن بعض هؤلاء كما يقولون أنهم من المثقفين ربما ينكر على بعض المتصوفة احتفالهم بالمولد النبوي، ثم يذهب مع النصارى فيحتفل بمولد عيسى عليه الصلاة والسلام، كالذي فر من الرمضاء إلى النار، وكالذي ترك الماء المشبوه فتوضأ بالنجاسة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذا مبنى على عقيدة فاسدة في تأليه عيسى عليه الصلاة والسلام وعبادته من دون الله ومع الله تعالى الله عن صنيع أولئك الظالمين علوًا كبيرًا. فكيف تحتفل وتحتفي بذلك وأنت مسلم عرفت التوحيد وعرفت حقيقة عقيدة النصارى الباطلة عقيدتهم في التثليث وفي عبادة عيسى عليه الصلاة والسلام؟ كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يَضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، كيف بعد هذا تطيب نفسك أن تكثر سوادهم وأن تقوي شوكتهم وتنشر هذا الاحتفال الباطل البدعي الشركي؟ ثم لا تسأل عن المنكرات الكثيرة التي تصحب هذه الاحتفالات. وكما قال العلماء: «ليس بعد الكفر ذنب»، فأعظم الذنوب الكفر، ومن وقع منه الكفر فماذا تنتظر منه؟ ومما يؤسف ويحزن ويدمي القلوب والعيون أننا نرى بعض البلاد الإسلامية وقد أضاعت هويتها وأخذت بهذه التبعية المقيتة، فترى تلك المظاهر الجاهلية الفاسدة في مثل هذه الأيام من الإعداد العظيم لمثل ذلكم اليوم، فتهيأ الفنادق والاستراحات وتمتلئ الأسواق بمظاهر الاحتفاء بهذا العيد الجائر، تلك الأشجار وتلك الأنوار وتلك الحلويات وتلك المشروبات. ولا يقف عند المباح الذي بهذا الوصف يصير محرمًا، ولكنه يتعداه حتى يتناول الحرام، فتهيأ المشروبات المحرمة والمأكولات المحرمة. وهكذا كذلك ربما أعظم من ذلك من معاني الفساد والمجون والخناء والعياذ بالله، تبعية مقيتة وجدت آثارها في بعض بلاد المسلمين. وإن في هذه البلاد الطيبة المباركة وإن كنا والحمد لله لا نرى المجاهرة بذلك، ولكنه لا يخفى على العارفين ما يقع في الخفاء في بعض الجزر المجاورة وما يقع في بعض الفنادق والاستراحات وما يقع في بعض الشركات والمؤسسات. وربما يأتي بعض المتفلسفين المتفيقهين فيقول: «إنما نصنع هذا للكفار وقد قال الله عز وجل ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾»، سبحان الله، من فسر لك «لا إكراه في الدين» أن يظهر الكافر أن يظهر الكافر الكفر في بلاد الإسلام؟ من فسر لك «لا إكراه في الدين» أن تعين الكافر على كفره وأن تعينه على فساده وفسقه ومجونه؟ أما علمت أنه لعن في الخمر عشرة؟ أما علمت أن في حكم الإسلام رجل يقال له «ديوث»؟ أما علمت قول الله جل وعلا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾؟ أما علمت قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره من حديث أبي سعيد «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»؟ أما علمت قول النبي صلى الله عليه وسلم «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليشكن أن يعمكم الله بعذاب أو قال بعقاب من عنده»؟ أين نحن من هذه الأحاديث وغيرها مما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ ذكر العلماء في أحكام أهل الذمة أنه لا يجوز لهم أن يظهروا مظاهر الكفر والفسوق والعصيان ولو كان ذلك في دينهم حلالًا. لا يجوز لهم أن يجاهروا بذلك؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فلا بد أن يكون الصغار، وليس من الصغار إظهارهم تلك المعاصي والمجاهرة بتلك الأعياد. وقد نص العلماء في ذكر أحكام أهل الذمة بتفاصيل كثيرة تبين وتجل هذه المعاني. ولكننا للأسف ابتلينا في مجتمعات ليس عندها مرجعية صحيحة لا علمية ولا غيرها، ابتلينا بمجتمعات قل وازعها الإيمان وضعف أمر الغير بهذا الدين عند الكثير من الناس إلا من رحم الله. ولذلك عباد الله كان لزامًا على كل غيور يريد الخير لنفسه وللمجتمع أن يستعين بالله جل وعلا ثم يؤذن ما يستطيع أداءه تجاه مثل هذه المنكرات. فإننا نستطيع كل بحسبه، إن لم نستطع أن ننهي مثل هذا المنكر بالمرة، فلا أقل أن نقلل منه، فلا أقل أن نقلل منه. الواحد منا بجاهه ومنصبه يقلل هذا الشر تارة ببث العلم وتارة بصدر القرارات وتارة بالاستعانة بالناصحين المصلحين بإلقاء الكلمات والتوجيهات، والآخر ببدل ماله ونفقته وصدقته بنشر المطويات والكتب من فتاوى العلماء الراسخين. وهكذا كذلك آخر بعلمه وآخر بسيارته وآخر بنصيحة كلمة تلقيها تؤدي بعض ما أوجب الله عز وجل عليه في نصرة هذا الدين ومحاربة مثل هذا الشر والفساد؛ لأننا والله وتالله وبالله نخشى أن يعمنا الله عز وجل بعقاب وعذاب من عنده إن لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونغير بحسب جهدنا واستطاعتنا ما نرى من منكرات عظيمة في مجتمعات المسلمين. إن مجتمعات مسلمة مؤمنة قريبة من ديارنا وبلادنا كانت بالأمس على الفطرة، كانت بالأمس غاية في الصفا والنقاء، فدخلها الكثير من أهل الجهل وقلة الدين وأهل الفتنة بمعاني التبعية المقيتة، أهل دعوة التغريب فغيروا وبدلوا وأحدثوا حتى صار المنكر لا ينكر والمعروف يقصى. حتى ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فطغى الشر والفساد على تلك المجتمعات شيئًا عجيبًا. فلذلك عباد الله لا ينبغي للمؤمن أن يستسلم؛ فإن الصراع بين أهل الحق والباطل سنة الله سبحانه وتعالى. فالواجب على كل مؤمن غيور لدين الله يحب الله جل وعلا ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم ويحب دين الله جل وعلا أن يبذل كل ما يستطيع في نصرة هذه الثوابت والأصول الشرعية وفي محاربة هذا الباطل والفساد. فإنا لا نخشى فقط على مجتمعاتنا، بل والله نخشى على أنفسنا نخشى على أنفسنا ونخشى على ذريتنا نخشى على أهلينا وقرابتنا أن يعمنا ذلكم العذاب وذلكم الغضب بما يكون من انتشار مثل هذه المنكرات وهذه الفواحش وهذه الشرور التي شرها لا ينحصر في قضية عيد وعدم عيد وفي قضية احتفال وعدم احتفال. لكن تحتها تبعات كثيرة، إن القضية الحقيقية أيها الأحبة هي قضية انطماس التوحيد عند أهل الإيمان، تلك الثوابت الشرعية فيبقى أهل الإسلام كما يقال مظهر بلا مخبر، ويظهر أهل الإسلام إلا من رحم الله عبارة عن أسماء بدون حقائق؛ لأن الكثير منهم انطمست شخصيته الإسلامية وهويته الإسلامية. صار لا يفرق بين حلال وحرام. ومع علمنا أن هؤلاء الكفار والله ما يرضون عن المسلم ولو كان فاسقًا ولو كان متبعًا لهم، والله ما يحبونه ويبغضونه حتى يكون أحد رجلين: إما أن يرتد عن دين الله جل وعلا فيبقى بلا دين، وإما أن يتابعهم على ما هم عليه. هذا الذي يطمعون فيه ولهذا حذرنا الله عز وجل من ذلك، كما قال سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، هذا هو مطمعهم وهذا هو الذي يرضيهم. وأما ما دمت مسلمًا ولو دنوت ولو تنازلت ولو فسقت وعصيت وفعلت، فإنهم والله ما يرضون عنك، والله ما يرضون عنك. وإنما يريدون رجلًا كافرًا أو يريدون رجلًا منسلخًا بلا دين. أما عندك دين ولو تنازلت وتملقت وفعلت، فإنهم لا يرضون عنك البتة لا يرضون عنك البتة. ومن دخل معهم وعرض حقيقتهم، فإنهم يفرقون حتى في الأمور الدنيوية، ليس فقط في الدينية، في الأمور الدنيوية يفرقون إذا جاء يريد يعمل هذا مسلم ولو كان لا يصلي ما دام مسلم ولو كان لا يصلي، وهذا كافر يقدم الكافر على المسلم يقدم الكافر على المسلم حتى في الأمور الدنيوية. فأين أنت يا أيها المغرور الذي تنازلت عن ثوابت دينك وتملقت وتزلفت وفعلت ما فعلت، وهم في الحقيقة والله يبغضونك يبغضونك ويبغضونك ولن يرضوا عنك حتى تترك دينك كما قال الله جل وعلا ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، هذا هو حقيقة الأمر. ومما ينبه عليه أيها الأحبة في هذا المقام من الأخطاء أن نعلم بعد علمنا أن هذه الاحتفالات وما يلحق بها من المنكرات العظيمة التي لا يجوز الإقرار بها ومتابعتها والرضى بها فضلًا عن الإعانة على إقامتها وتكثير سواد أهلها، إذا علمنا ذلك فلنعلم أن معاني الإعانة أوسع مما يظن الكثير من الناس. فإن من الناس من يظن أن الإعانة تنحصر في الإعانة المباشرة، والحقيقة أن الإعانة أوسع من ذلك. فإن من معاني الإعانة أن تعينهم ولو بسيارتك أن تنقل لهم أشياء تعرف أنها في أعيادهم يستعينون بها. إن من الإعانة أن تبيع أشياء ولو كان بيعها في أصله حلال لكنه بيعها لعيدهم وأنت تعلم أنهم يستعملونه لعيدهم لصار البيع في ذلك حرام. فقد نص العلماء أنه لا يجوز بيع العنب لمن يصنعه خمرًا، ولا يجوز بيع السلاح بوقت الفتنة، وكذلك لا يجوز بيع شيء ولو كان مباحًا يستعينون به على تلك الأعياد الجاهلية الشركية. فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان الذي لا يجوز لمسلم أن يصنعه فضلًا أن يقول مسلم: «أنا إنما أبيع لهم أو أعمل لهم أو أفعل وأنا بريء من فعلهم». فإن من الناس من يحضر مجلسهم، هذا يوصلهم بسيارة، وهذا يقرب لهم متاع أو يبيع لهم شيء حتى لو خروف أتيت به إلى فندق من فنادق هؤلاء المخصوص بهؤلاء الكفار أو كما يقولون منتزه من المنتزهات أو محمية من المحميات؛ لأنهم يأتون إلى بعض الجزر ويقيمون منكرات عظيمة عظيمة عظيمة فيما يسمونه بالمحميات، محميات وهم في الحقيقة يفعلون فيها الفساد العظيم والشر الكبير. يذهب بعض الجهال فيبيع لهم غنمًا أو يبيع لهم شرابًا أو طعامًا ويعينهم في مثل هذه الأيام في اجتماعاتهم على هذا المنكر، وهذا حرام والله إنه لحرام؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان. صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السنن في حديث ثابت بن الضحاك أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانه -وبوانه اسم موضع ومكان- فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «هل فيه وزن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «هل فيه عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «أوفي بنذرك؛ فإنه لا وفاء لندر في معصية الله». والشاهد منه أن العلماء استنبطوا من هذا الحديث أنه لا يجوز أداء عبادة في موضع يعبد فيه غير الله أو عبد فيه غير الله، ولا يجوز كذلك أداء عبادة في موضع فيه عيد من أعياد الجاهلية. فإذا كان هذا في عبادة فكيف بالأمور المباحة؟ لماذا قال العلماء: لأن هذا يعيد إحياء هذا الباطل، الباطل غير موجود لا يوجد الوثن ولا يوجد العيد، لكن تخصيص هذا المكان يخشى منه أن يكون ذريعة لإعادة تلك العبادات الجاهلية وتلك الأعياد الجاهلية. فكيف إذا كان ذلكم الكفر والشرك موجود أو ذلكم المنكر موجود؟ فإنه من باب أولى وأحرى أن لا يعان هؤلاء. وقد استدل غير واحد من أهل العلم بهذا الحديث أنه لا يجوز البيع والشراء لأهل الباطل في موضع باطلهم، فهذا الحديث دليل عليه. ومن ذلك إعانة هؤلاء على أعيادهم، إعانة هؤلاء على أعيادهم؛ فإنه من أعظم المنكر ومن التعاون على الإثم والعدوان. ومما ينبه عليه كذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس في مثل هذه الأيام ما يجري على أحوال بعض الناس من تبعية مقيتة لهؤلاء الكفار، وإن لم تكن بمشاركتهم بمنكراتهم، كانت بأشياء أخرى هي في الحقيقة من المحدثات في هذا الدين. فبعض الناس ربما يقول: «أنا ما أقيم العيد معهم، لكن أرى من حولي يقيمون أعيادًا واحتفالات فأنا سأتي لأهل بيتي بشيء أقيم لهم حفل خاص في البيت»، وهذا يكثر السؤال عنه في البلاد التي يكثر فيها الكفار. سواء بلاد المسلمين التي دخل فيها التغريب بقوة وانتشر فيها الكفار بكثرة، أو بعض المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكافرين، يقولون: «نحزن أبناءنا وأسرنا عن تلك الأعياد في المدار