الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 14

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 14

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دعوة النبي لأهل الكتاب واستجابتهم

تحدث عن استجابة بعض أهل الكتاب لدعوة النبي مثل ورقة بن نوفل وجماعة من النصارى. كما أرسل النبي رسائل إلى الملوك يدعوهم للإسلام.

رسالة النبي إلى هرقل ملك الروم

أرسل النبي رسالة إلى هرقل يدعوه للإسلام بعد انتصار الروم على الفرس، وروى أبو سفيان تفاصيل لقائه بهرقل الذي سأله عن النبي.

هرقل وكتاب النبي ومصير الدعوة

يروي كيف سأل هرقل أبا سفيان عن النبي، وقرأ كتاب النبي، وكان على وشك الإيمان لكنه تراجع. كما ذكر مصير كتاب النبي الذي لا يزال موجودا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: عرضت خديجة امرأته أمره على عالم كبير من علماء النصارى، يقال له ورقة بن نوفل، وكان من العرب المتنصرة. فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى بن عمران. يا ليتني أكون فيها جذعًا حين يخرجك قومك - يعني: ليتني أكون شابًا - فإنه كان شيخًا كبيرًا قد كف بصره. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجيهم؟» قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. وقواه أصحاب الصحيح. وقدم إليه بمكة طائفة من آل الكتاب من النصارى، فآمنوا به، فآذاهم المشركون وصبروا واحتملوا أذاهم. فأنزل الله فيهم: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبلهم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾. وروى البيهقي في كتاب دلائل النبوة وأعلام الرسالة، فقال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، قال: أنبأنا يونس عن ابن إسحاق، قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلًا - أو قريب من ذلك - من النصارى حين ظهر صبره في الحبشة، فوجدوه في المجلس، فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا الله وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوا، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا من عنده احترزهم أبو جهل في نفر من قريش، وقالوا: خيبكم الله من ركب، بعثكم من قراءكم من أهل دينكم، ترتاتون لهم، فتأتونهم بقبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتم بما قال لكم. ما نعلم ربًا أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا: «سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألو لأنفسنا إلا خيرا». ويقال - والله أعلم - أن فيهم نزلت هذه الآيات: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبلهم هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾. ولما كان بعد عام الحديبية ومنادنة قريش، أصر صلى الله عليه وسلم رسله إلى جميع الطوائف، فأرسل إلى النصارى نصارى الشام ومصر. فأرسل إلى هرقل ملك الروم. وقد قيل: إن هرقل هذا هو الذي زادت النصارى له في صومهم عشرة أيام لما قتلت الروم والفرس، وقتل اليهود بعد أن كان قد أمنهم. فطلبت منه النصارى قتلهم، وضمنوا له أن يكفروا قطيعة بما زادوه في الصوم. وكانت الفرس مجوسًا، والروم نصارى، وكانت المجوس الفرس غلبت النصارى أولًا. وكان هذا في أوائل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وأتباعه قليل. ففرح المشركون بانتصار الفرس، لأنهم أقرب إليهم من أهل الكتاب، واستاء المسلمون لذلك، لأن أهل الكتاب أقرب إليهم. فدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بانتصار الفرس على الروم. فأنزل الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وكان هذا مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون، فكان كما أخبر. فلما ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه كذبوه، فراهنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما ذكر هذا المفسرون والمحدثون. قال سفيان في تفسيره - وهو شيخ البطاح -: حدثنا حجاج عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نضير بن مكرم الأسلمي، أنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿الم * غلبت الروم﴾ إلى قوله: ﴿وهو العزيز الرحيم﴾، خرج أبو بكر وهو يقرأها بمكة رافعًا بها صوته: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِ، سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فقال له رؤوس أهل مكة: ما هذا يا ابن قحافة؟ لعله مما يأتي به صاحبك؟ قال: لا والله، ولكنه كلام الله وقول الله تبارك وتعالى. قالوا: فذلك بيننا وبينك، إن ظهرت الروم على فارس في بضع سنين. فراهنهم أبو بكر، ففتح الله للروم على فارس دون التسع. فأسلم عند ذلك خلق كثير من المشركين. قال نضير بن مكرم: وإنما كانت قريش تستفتح يومئذ بالفرس، لأنهم وإياهم أهل تكذيب بالبعث وأهل أصنام. وإنما كان المؤمنون يستفتحون يومئذ بالروم، لأنهم وإياهم أهل نبوة وتصديق بالبعث. فأنظر الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وهذا الحديث رواه الترمذي في جامعه، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي ويس، قال: حدثني مالك عن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نضير بن مكرم الأسلمي، قال: لما نزلت: ﴿الم * غلبت الروم﴾ إلى قوله: ﴿وهو العزيز الرحيم﴾، قال: كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب. وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث. فلما أنزل الله هذه الآية، خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة: ﴿الم * غلبت الروم﴾ إلى قوله: ﴿ومن بعد﴾. قال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينك، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارسًا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ فارتهن أبو بكر والمشركون، فظهرت الروم على فارس في بضع سنين، وأسلم عند ذلك ناس كثير من المشركين. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد - يعني غريبًا من هذا الوجه - وإلا فهو مشهور متواتر عن أهل التفسير والمغازي والحديث والفقه والقصة المتواترة عند الناس. وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيره: عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه قال: كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب. وكان المشركون يحبون أن تغلب أهل فارس، لأنهم أهل أوثان. قال: فذكروا ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿الم * غلبت الروم﴾ إلى قوله: ﴿ومن بعد﴾. فذكره أبو بكر للمشركين، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبوا كان لنا كذا وكذا. فجعلوا بينهم أجلا خمس سنين. فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «هل لاحظت الطاء؟ أفلا جعلته دون العشر؟» قال سعيد بن جبير: والبضع ما دون العشر. قال: فغلبت الروم، ثم غلبت، فذلك قوله: ﴿الم * غلبت الروم﴾ الآية. وهذا أيضًا أخرجه الترمذي، قال: حدثنا الحسين بن حفص، قال: حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة. وروى أيضًا من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه أيضًا من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. فذهب طائفة من العلماء إلى أن القبر جاء بظهور الروم على فارس يوم بدر. وذهب آخرون إلى أنه يوم الحديبية، وهذا هو الصحيح. وكان هرقل قد مشى شكرًا لله من حمص إلى بيت المقدس لما نصره على الفرس. فوافاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام عقب نصر الله للروم على فارس. ففرح النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين. قال علماء السير: فلما انتصرت الروم، وخرج هرقل ملك الروم من منزله من حمص ماشيًا على قدميه إلى بيت المقدس متشكرًا لله عز وجل حين رد عليه ما رد، ليصلي فيه. فلما انتهى إلى بيت المقدس، صلى فيه. فقدم عليه حينئذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية الكلبي يدعوه إلى الإسلام. قال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني أبو سفيان، قال: كنا قومًا تجارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حصرتنا حتى أتلفَت أموالنا. فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني التي عقدت يوم الحديبية - فلما عقدت الهدنة أمنا، فخرجت في نفر من قريش تجارًا إلى الشام، وكان وجه متجرنا. فقدمتها حين ظهر هرقل على من كان عارضه من فارس، فأخرجهم منها وانتزع له صليبه الأعظم، فقد كانوا سلبوه إياه. فلما بلغه ذلك منهم، وبلغه أن صليبه قد استنقذ له، وكانت حمص منزله، فخرج منها على قدميه متشكرًا لله عز وجل حين رد عليه ما رد، ليصلي في بيت المقدس، وبسط له الطريق بالبسط، ويلقى عليها الرياحين. فلما انتهى إلى إيليا وقضى فيها صلاته، ومعه بطارقته وسقاته من الروم، قال: وقد قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية بن خليفة الكلبي، فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين - يعني الأكارين -». قال ابن إسحاق: وقال ابن شهاب: حدثني أسقف النصارى في زمان عبد الملك بن مروان، زعم لي أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر هرقل وعقله. قال: لما قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية، أخذه فجعله على قصره، ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يذكر له أمره ويصف له شأنه ويخبره ما جاء منه. قال: فكتب إليه صاحب رومية: أنه النبي الذي ننتظره، لا شك فيه، فاتبعه وصدقه. فأمر هرقل ببطارقة الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه، وأمر بها فأشرجت أبوابها، ثم طلع عليهم من عُلِّيَة، وخافهم على نفسه، وقال: يا معشر الروم، إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه والله للرجل الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا، فهلم فلنتبعه لنصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد، ثم ابتدروا أبواب الدسكرة ليخرجوا منها، فوجدوها قد أغلقت دونهم. فقال: كروهم علي، وخافهم على نفسه، فكرهوا عليه، وقال: يا معشر الروم، إنما قلت لكم هذه المقالة التي قلت لكم، لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي حدث، فقد رأيت منكم الذي أسر به. فوقعوا سجودًا، وأمر بأبواب الدسكرة، وفتحت لهم، فانطلقوا. وهذا حديث مشهور من حديث محمد بن إسحاق، وهو ذو علم وبصيرة بهذا الشأن، حفظ ما لا يحفظه غيره. قال: وأخذ هرقل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله في قصبة من ذهب، وأمسكها عنده تعظيمًا له. وهذه القصة المشهورة كررها أصحاب الصحاح. ففي البخاري ومسلم، والسياق للبخاري عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره: أنه كان رجلًا من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد في هدنة أبي سفيان بن حرب وكفار قريش، فأتوه وهو بإيليا، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم بالترجمان. فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبًا. فقال: أدنوه وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ثراه، ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: والله لولا الحياء من أن يؤثروا علي الكذب، لكذبت عليه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟ قلت: لا. قال: فأي كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فأي يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم يمكنني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه السجال، ينال منا وننال منه. قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال الترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، قلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أي يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان إذا قالط بشاشته القلوب، لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بماذا يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم. فلو أني أعلم أني أصل إليه لتشمرت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصره، فدفعه عظيم بصره إلى هرقل، فقرأه. فأكثر فيه الصياح وارتفعت الأصوات، فأخرجنا. فقال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات، فأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخاف ملك بني الأصفر. فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أسلمني الله الإسلام. وكان ابن الناطور صاحب إيلياء، أسقفًا على نصارى أهل الشام، يحدث أنه: لما أصبح هرقل يومًا قبيل النفس، قال له بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم، أن ملك الختان قد ظهر، فمن يقتنص من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يقتنص إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واقتب إلى مدائن ملكك، فاقتل من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم، أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما استخبره هرقل، قال: إذا انظروا: أمهرقل هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه هرقل. وسأله عن العرب، قال: هم مفتونون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان هرقل نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم طلع عليهم، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم، فتتبعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش للأبواب، فوجدوها قد غلقت. فلما رأى هرقل نفرتهم ويأس من إيمانهم، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالة آنفة أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورغبوا إليه. فكان هذا آخر شأنه هرقل. قلت: وكان هرقل من أجل ملوك النصارى في ذلك الوقت. وقد أخبر غير واحد أن هذا الكتاب إلى الآن باقٍ عند ذريته هرقل في أربع يسوان وعزمتين لتوارثهم كابرًا عن كابر. وأخبر غير واحد أن هذا الكتاب باقٍ إلى الآن عند ألفونش صاحب قشتالة وبلاد الأندلس، يفتخرون به. وهذا أمر مشهور معروف. وروى سفيان وشيخ البخاري في تفسيره، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا حسين، أنبأنا معاذ بن شداد الهذلي، قال: لما تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم إهرقل، فقرأ كتابه وجمع الروم فأبوا عليه. قال: فلما كان يوم الأحد لم يحضر أسقفهم الكبير وتمارض، فأصل إليه فأبى، ثم أصل إليه فأبى ثلاث مرات. فركب إليه، فقال له: أليس قد عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: ألست قد رأيت ما ركبتم مني؟ فأنت أطوع فيهم مني، فتعال فادعهم. قال: وتأذن لي في ذلك؟ قال: نعم. قال: فجاء بسواده إلى كنيستهم العظمى. فلما رأوه فروا له سجدًا الملك وغيره، فقام في المذبح، فقال: يا أبناء الموتى، هذا النبي الذي بشر به عيسى، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فنخروا ووثبوا إليه، فعضوه بأفواههم حتى قتلوه. قال: وجعلوا يخرجون أضلاعه بالكلاليب حتى مات. قال: وجعل المولد رحمه الله هذا الفصل في ذكر علامتين تدلان على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث للعرب خاصة، بل بعث للعرب وغيرهم، ومنهم النصارى. وهي تبع للخصال التي ذكرها قبل، أو ثانيها تبعًا لما سبق إسلام من أسلم من نصارى العرب. وذكر لذلك قصة ورقة بن نوفل، وقد مر معنا الخلاف في إسلامه، وأن أكثر أهل العلم قالوا: وإن لم يسلم فهو مؤذن بالإسلام. وهذا يدل على أنه علم واستشعر أن هذا النبي بُعث إلى العرب وإلى غيرهم من النصارى. ولهذا قال: «يا ليتني فيها جذعًا إذ يخرجك قومك» إلى أن قالوا: «وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» - يعني: يؤمن به - وأما الحديث الذي أشار إليه بسبب نزول: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبلهم به يؤمنون﴾، فبما رواه البيهقي في دلائل النبوة. فهذا الإسناد فيه ثلاث علل: أحمد بن عبد الجبار هو العطار، يدي ضعيف. وهكذا رواه ابن إسحاق مرسلًا. وكذلك في متنه ما هو ليس من خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال فيه: «ما نعلم ربًا أحمق منكم» - أو كما قال لهم - المهم لو ثبت بعض القصة، فهذا السياق بهذا الإسناد فيه ضعف. وهكذا استدل ثالثًا بإرسال الرسل إلى جميع الطوائف، ومنهم النصارى. ثم ذكر قصة هرقل عظيم الروم. أو قبل ذلك قصة نزول: ﴿الم * غلبت الروم﴾، وهذا يدل أن الروم من أهل الدين الذين خوطبوا بهذا الدين، وهذا هو وجه الشاهد. وأورده من طرق يدل على أن أصل القصة - أي في سبب نزولها - قصة أبي بكر والمراهنة، حسنة بمجموع طرقها كما ذكر بالأسانيد. وإن كان بعض الأسانيد فيها بعض الضعف، فإسناد صاحب التفسير الشيخ البخاري فيه ضعف مع إمامته. وهكذا ابن أبي الزناد، ولكن الحديث له طرق. وأخيرًا قصة هرقل، أصلها بالصحيحين، وإسناد ابن إسحاق الأول صحيح، وما بعده بعضه ضعف، لكن أصل القصة بالصحيحين. فهذه الأحداث الثلاثة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للناس أجمعين، ومنهم النصارى، وهي قصص ثابتة لا ينكرها النصارى. وهذا الكتاب الذي قيل: إن هرقل حفظه في قصبة من ذهب، باقٍ إلى زمن شيخ الإسلام - كما أشار إلى ذلك رحمه الله - بل هو باقٍ إلى زمننا هذا، وتوجد صورة منه معلنة بالشبكة، وهو موجود في أحد المساحف في بلاد أوروبا، والله تعالى أعلم.