الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 30، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الردود على ادعاءات النصارى بالاحتجاج بأنبياء الله لتدعيم دينهم، ويبين بطلان ادعاءاتهم وعدم قدرتهم على إثبات صحة دينهم دون الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. يُظهر أن الأنبياء لم يدعوا إلى دين النصارى.
يشرح نزول القرآن باللسان العربي وحده، ويبين شرط التكليف بفهم ما أرسل به الرسول، ويبرهن على وجوب تعلم اللغة إذا كان ضروريًا لفهم الرسالة. يُفصّل أيضًا كيفية تبليغ الكتب السماوية لسائر الأمم.
يؤكد على ضرورة تفسير الكتب الإلهية للناس حتى وإن كانوا يعرفون اللغة، ويشير إلى أن فهم معانيها يتطلب علمًا خاصًا. يبين دور الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان معاني الكتاب لقومه وتعميم الدعوة لغيرهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «الجواب الصحيح»: قال خصمهم، وإن كان مقصودهم الاحتجاج بذلك على المسلمين، قيل لهم: أولًا، هذه حجة جدلية، فما مستندكم فيما بينكم وبين الله في تصديق شخص وتكذيب آخر، مع أن دلالة الصدق فيهما واحدة؟ بل هي في الذي كذبتموه أظهر، فإن كانت حقًا لزم تصديق من كذبتموه وفسد دينكم، وإن كانت باطلة بطل استدلالكم بها على دينكم. فثبت أنهم مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم لا يستقيم لهم الاستدلال بكلام أحد من الأنبياء عليه السلام. وقيل لهم ثانيًا: المسلمون إنما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بما دلهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم صادقًا لم يعرفوا صدق هؤلاء، فيبطل دليلكم، وإن كان صادقًا بطل دين النصارى، فيبطل دليل صحته. فثبت بطلان دليلهم على كل تقدير. وقيل لهم ثالثًا: المسلمون لم يصدقوا نبوة أحد من هؤلاء إلا مع نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وإن قيل: إنهم عرفوا ذلك بطريق آخر، فإن الدليل الذي يدل على صدق واحد منهم يدل على صدق محمد بطريق الأولى. فلا يمكنهم تصديق نبي مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم. فقيل لهم رابعًا: هم إنما يصدقون موسى وعيسى الذين بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم. فإن كان قد بشر به فثبتت نبوته، وإن لم يكونا بشرا به فهم لا يؤمنون إلا بالمبشرين به، وبالتوراة والإنجيل الذين هو مكتوب فيهما. فإن قدر عدم ذلك فهم لا يسلمون، أو لا يسلمون وجود موسى وعيسى وتوراة وإنجيل منزلين من عند الله، ليس فيهما ذكره صلى الله عليه وسلم. وإن قالوا: نحن صدقنا هؤلاء الأنبياء بلا علم لنا بصدقهم، وطريق يدل على صدقهم؛ لأن هذا دين آبائنا، وجدناهم يعظمون هؤلاء ويقولون: هم أنبياء، فاتبعنا آبائنا في ذلك من غير علم. وهذا هو الواقع من أثرهم. قيل: فإذا كان هذا قولكم في الأنبياء، وفيما شهدوا به، إن كانوا شهدوا، فيلزم أن لا يكونوا عالمين به، بل متبعين فيه لآبائهم بغير علم. بطريق الأولى، وبهذا يحصل المقصود، وهو أن ما أنتم عليه من اعتقاد دين النصرانية لا علم لكم، ولا دليل لكم على صحته، بل أنتم فيه متبعون لآبائكم، كاتباع اليهود والمشركين لآبائهم. ولا ريب أن هذا حال النصارى، ولهذا سماهم الله ﴿ضُلَّالًا﴾ في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. ولهذا كان النصارى معروفين بالجهل والضلال، كما أن اليهود معروفون بالظلم والقسوة والعناد. فتبين بما ذكرناه أنه لا يمكنهم مع تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة الاحتجاج بقول واحد من الأنبياء على شيء من دينهم، ولا دين غيرهم. أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل، ثم لما سبق كما رأينا، ويريد أن يبين فيه رحمه الله تعالى أن نهاية حال هؤلاء أحد أمرين لا ثالث لهما: إما التسليم برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، وإما الكفر برسالات الأنبياء قبله؛ لأن رسالات الأنبياء تستدعي بدليل الشرع، ودليل العقل والفطرة الإيمان بنبينا عليه الصلاة والسلام، كما تقدم. دليل الشرع: لأنهم أخبروا بما عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من مبعثه ورسالته، والدين الذي يدعو إليه، وبصفاته التي علمها من آمن من أهل الكتاب. وهكذا دليل العقل الأولوية؛ لأنهم قالوا: عرفنا نبوة من سبق بما ظهر من آيات، فيقال: ما ظهر من آيات في نبوة نبينا ورسالته أولى وأحرى بالإيمان به، فهي أكثر وأقوى وأظهر وأصح وأقرب زمانًا. وما تنقلونه عن من سبق من الأنبياء والرسل، ما صح منه يوجد من جنسه، وما هو أولى منه وأصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فيستلزم إما أن تؤمنوا بالجميع، أو تكفروا بالجميع. وهكذا شواهد الحس من تتابع إيمان المنصفين من اليهود والنصارى، والإخبار بما علموه من صفاته. فإن خبر الناس على وجه التواتر في الأمر الدنيوي يقتضي التصديق، فكيف بالأمر الديني الذي أجمع بالمؤيدات العقلية والشرعية المقتضية لثبوته؟ وهكذا كذلك دواعي الفطرة الصحيحة التي تقتضي التمييز بين الحق والباطل، والصدق من الكذب. فنهاية الأمر كما ذكر رحمه الله: إما أن يؤمنوا برسالته، وإما أن يكفروا به، فيستلزم الكفر برسالات الأنبياء. قال: فصل، النزول القرآن باللسان العربي والجواب عنه. قال: وَأَمَّا كَوْنُ الْقُرْآنِ نزل باللسان العربي وحده، فعنه أجوبة: أحدها أن يقال: والتوراة إنما نزلت باللسان العبري وحده، وموسى عليه السلام لم يكن يتكلم إلا بالعبرية، وكذلك المسيح لم يكن يتكلم بالتوراة والإنجيل وغيرهما إلا بالعبرية. وكذلك سائر الكتب لا ينزلها الله إلا بلسان واحد، بلسان الذي أنزلت عليه، ولسان قومه الذين يخاطبهم أولًا، ثم بعد ذلك تبلغ الكتب كلام الأنبياء لسائر الأمم، إما بأن يترجم لمن لا يعرف لسان ذلك الكتاب، وإما بأن يتعلم الناس لسان ذلك الكتاب فيعرفون معانيه، وإما بأن يبين للمرسل إليه معاني ما أرسل به الرسول إليه بلسانه، وإن لم يعرف سائر ما أرسل به. وقد أخبر الله في القرآن ما قالته الرسل لقومهم، وما قالوا لهم، وأكثرهم لم يكونوا عربًا. وأنزله الله باللسان العربي، وحينئذ فإن شرط التكليف تمكن العباد من فهم ما أرسل به الرسول إليهم، وذلك يحصل بأن يرسل بلسان يعرف به مراده، ثم جميع الناس متمكنون من معرفة مراده بأن يعرفوا ذلك اللسان، أو يعرفوا معنى الكتاب بترجمة من يترجم معناه. وهذا مقدور للعباد. ومن لم يمكنه فهم كلام الرسول إلا بتعلم اللغة التي أرسل بها، واجب عليه ذلك؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف ما لا يتم الوجوب إلا به فإنه ليس بواجب. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لا في الأصل ولا في التمام. فلا نحتاج أن نقول: ما لا يتم الواجب إلا به، وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب؛ فإن ما ليس مقدورًا عليه لا يكلف به العباد، بل وقد يكون مقدورًا عليه ولا يكلفون به. فلما كانت الاستطاعة شرطًا في وجوب الحج، لم يجب تحصيل الاستطاعة، بخلاف قطع المسافات؛ فإنه ليس شرطًا في الوجوب. فلهذا يجب الحج على الإنسان من المسافة البعيدة والقريبة إذا كان مستطيعًا. وجمهرة الناس لا يعرفون معاني الكتب الإلهية: التوراة والإنجيل والقرآن، إلا بمن يبينها بمن يفسرها لهم. وإن كانوا يعرفون اللغة، فهؤلاء يجب عليهم طلب العلم، طلب علم ما يعرفون به ما أمرهم الله به ونهاهم عنه. وهذا هو طلب العلم المفروض على الخلق. وكذلك ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من معاني الكتاب الذي أنزله الله عليه، يجب على الخلق طلب العلم ذلك ممن يعرفه، إذا كان معرفة ذلك لا تحصل بمجرد اللسان. كما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، فمن ادعى علمه فهو كاذب». والله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، لم يقل: إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ، لكن لم يرسله إلا بلسان قومه الذين خاطبهم أولًا ليبين لقومه. فإذا بين لقومه ما أراده، حصل بذلك المقصود لهم ولغيرهم؛ فإن قومه الذين بلغ إليهم أولًا يمكنهم أن يبلغوا عنه اللفظ، ويمكنهم أن ينقلوا عنه المعنى لمن لا يعرف اللغة، ويمكن غيرهم أن يتعلم منهم لسانه فيعرف مراده. فالحجة تقوم على الخلق، ويحصل لهم الهدى بمن ينقل عن الرسول تارة المعنى، وتارة اللفظ. ولهذا يجوز نقل حديثه بالمعنى، والقرآن يجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق العلماء. نسبق إلى أن شاء جعل رحمه الله تعالى أوائل هذا الفصل في الكلام على هذه الشبهة، وهو كون القرآن نزل باللسان العربي، زعم بعض أهل الكتاب من النصارى وغيرهم أنه يستلزم أن يكون داعيًا لأمة العرب فقط. فأجاب رحمه الله بما سمعنا من أن الأنبياء والرسل قبله بعثوا بألسنة قومهم، ولا ينكروا ذلك هؤلاء. فبعث عيسى بالعبرية عليه الصلاة والسلام، فهل ذلك يقتضي أنه رسول لقومه فقط؟ الجواب: لا، بل أهل الإسلام يرون أنه لا يتم إسلام مرء إلا بالإيمان برسالته وسائر رسالات الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام. فكذلك يقال في رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. فما كان جوابًا عن كون من سبق من الأنبياء بعثوا بلسان قومهم، وأن ذلك لا يقتضي خصوصية، فكذلك هو جواب لبعثة نبينا عليه الصلاة والسلام باللسان العربي. ثم بيّن أن كونه بعث بلسان قومه لا يعني ذلك أنه مخصوص بدعوة قومه فقط، ولكن معناه أن قومه يبتدأ دعوتهم، وغيرهم يبلغون بأحد أمرين كما أشار: إما بترجمته لمن لا يعرف اللغة، أو بتعلم اللغة لمن يريد معرفة معناه. ثم بيّن ثالثًا: أن عموم الناس، حتى من عرف اللغة، هو يحتاج إلى معرفة تفسيره، تفسير ما بعث به الرسول. وتفسيره يكون عند العلماء. فإذن الناس يتفاوتون حتى بعد معرفتهم اللغة في معرفة تفسير ما بعث به الرسول. فالسؤال عن اللغة ليس بأكبر من السؤال عن العلم الذي يحمله ذاك اللسان لمن يعرفه. وكما أن الإنسان سيسأل عن معنى الآية وهو يعرف اللغة فيما لا يعرفه، فإنه كذلك يسأل عما لا يعرف فيه اللغة مما يبين له. وأشار إلى أثر ابن عباس الذي معناه صحيح، وتقدم معناه قريبًا في أصول التفسير بما يغني عن الإعادة. وكذلك ختم بالآية التي تدل كما أشار رحمه الله على أن الرسول يرسل بلسان قومه لدعوتهم، ويبين لهم لا لأجل أن يخصهم بالدعوة دون غيرهم. وهذا ظاهر من دليل الشرع، ومن مقتضى العقل الصحيح. ويأتي إن شاء الله فيما يأتي التلام على بقية هذا الفصل. طيب، لهنا والله أعلم.