الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  157

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 157

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 157، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح أنواع الخلطة واتحاد الطبيعتين في المسيح

يناقش شيخ الإسلام أنواع الخلطة في كتابه "الجواب الصحيح" ويوضح أن اتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح هو من النوع الثالث الذي يتمثل في حلول الطبيعة الإلهية في البشرية دون تغير أو فساد. يبين أن هذا الاتحاد لا يقتضي اختلاطا أو تغيرا حقيقيا.

انتقاد فكرة الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والناسوتية

يرد النص على فكرة اتحاد الطبيعتين الإلهية والناسوتية في المسيح، مبينا أن هذا القول باطل وأن الاختلاط بين شيئين يقتضي دائما تغيرا واستحالة، مستدلا على ذلك باتحاد النفس والجسد في الإنسان. يشير إلى فساد هذا القول وعدم صحته.

تمثيل الاتحاد بين اللاهوت والناسوت وبيان فساده

يناقش المؤلف تمثيل الاتحاد بين اللاهوت والناسوت عند النصارى، ويبين فساد قولهم ببقاء كلا الطرفين تامين بعد الاتحاد، مستدلا على ذلك بمثيل النار والحديد الذي يظهر استحالة وتغير كلا الطرفين. ينتج عن هذا الاتحاد شيء ثالث مختلف.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام المتيم، رحمه الله، في كتابه «الجواب الصحيح»: نبدل دين المسيح. فصل: الاختلاط الفاسد. قال سعيد بن البطريق: وليس حلول كلمة الله القالقة والتحامل بجوهر الناسوت عن انتقال، ولا تغير، ولا احتيال من واحد من الجوهرين عن كثافة. فلا الإله احتال أن يكون إلها قالقا، ولا الناس احتال أن يكون ناسيا مخلوقا. والاحتيال والتغير إنما يلزم الخلطة إذا كانت من خلقين ثقيلين غليظين، مثل الماء والخمر، أو الماء والعسل، أو السمن والعسل، والذهب والورق، والنحاس والرصاص، وما أشبه ذلك؛ لأن كله ثقيل غليظ. وكل ثقل تخالطه ثقلة لا محالة يزمه التغير، حتى يصير إلى ما كانت عليه الأثقال. فلا الخمر خمرا، ولا الماء ماء بعد اختلاطهما، ولكنهما احتالا جميعا عن جوهرهما، وصار إلى أمر متغير، ليس هو أحدهما بعينه، ولا أحدهما خالص من الفساد والاحتيال عن حاله. فأما إذا كانت الخلطة من خلق لطيف وخلق غليظ، لم يخالط تلك الخلطة تغير والاحتيال، مثل خلطة النفس والجسد إنسانا واحدا؛ أحدهما يلتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت واحتالت - أي استحالت - عن جوهرها أن تكون نفسا تعرفها بفعالها، ولا الجسد تغير ولا احتال عن حاله وأفعاله. ومثل ما كان تخالط النار والحديد، فيلتحمان جميعا، فيكونان جمرة واحدة من غير أن تكون النار قد تغيرت إلى أن تكون حديدة ثقيلة تشج وتقطع، ولا الحديدة تغيرت واحتالت إلى أن تكون نارا تحرق. فكذلك تفعل كل خلطة مؤلفة من شيئين مختلفين؛ أحدهما روحاني لطيف، والذا ثقلي غليظ، مثل النفس والجسد، والنار والحديد، ومثل الشمس المخالط للماء والطين، وكل رطوبة وحمأة. فهي لا تتغير ولا تحتال عن نورها ونقائها وضوئها، مع مخالطتها كل سواد وسخ ونتن ونجس. قال: والخلطة تكون على ثلاثة أوجه. أحدها: خلطة باختلاط من الطبيعتين الثقيلتين، واحتيالهما وفسادهما، مثل خلطة الخمر والماء، والخل والعسل، والذهب والورق، والرصاص والنحاس. فإن في ذلك كله، وما أشبهه، احتيالا وفسادا؛ لأن مزاج الخمر والماء ليس بخمر ولا ماء، لاحتيال كل واحد منهما عن طبعه، واختلاطهما بفسادهما وتغيرهما عن حالهما. وكذلك خلطة الخل والعسل قد صارت لا خلا ولا عسلا، لاحتيال كل واحد منهما. وخلطة الذهب والورق على مثل ذلك صارت على غير صحة، لا من الذهب ولا من الورق. وخلطة الورق والنحاس على غير صحة، لا من الورق ولا من النحاس. فهذا وجه من الوجوه الثلاثة. والوجه الثاني: خلطة افتراق من الطبيعتين الثقيلتين. وقد تعرف من تلك الخلطة كل واحد من الطبيعتين ثابتة في الأخرى بقوامها ووجهها، مثل الزيت والماء في قندير واحد، ومثل الكتان والقز في ثوب واحد منسوج بكتان مضلع بقز، ومثل صنم النحاس رأسه من ذهب، وما أشبه ذلك مما لا ينبغي أن يسمى خلطة، مع افتراق الطبيعتين والقوامين، مثل ما لا ينبغي أن يكون بين الماء والقلة التي هو فيها خلطة؛ لأن طبيعة القلة فخار، قوامها قلة، وليس بينها وبين الماء خلطة، بل أشد الفرقة. وكذلك الماء والزيت؛ لولا أن وعاء القنديل الذي هما فيه ضمهما مجتمعا. وكذلك الكتان والقز ليس بينهما خلطة، وإن كان في ثوب واحد، ولا بين الذهب والنحاس، ولم يسبك خلطة، وإن جمعها صنم واحد. فهاتين الخلقتين لا تكونان أبدا إلا في أثقال جسمانيات غليظة. فإن التحم بعضهما ببعض، مثل ما يذاب الذهب والنحاس ويفرغان جميعا، وقعت في وجه خلطة الاحتيال والفساد؛ لأن تلك النقرة ليست بذهب صحيح، ولا بنحاس صحيح. فإن لم تلتحم، والزم بعضها بعضا، مثل طوق يكون من نحاس وذهب، وقعت من وجه خلطة الافتراق التي لا يحق لها أن تسمى خلطة. وفي هذين الوجهين وقع نسطورس وأشياعه، فلزموا خلطة الاحتيال والفساد، فزعموا أن الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسية اختلطتا في المسيح الواحد، فهو ذو قوام واحد بطبيعة واحدة مختلطة من طبيعتين مختلفتين؛ إلهية وناسية. فقروا أنهما قد احتالا، والاحتيال فساد، وألزموا على هذا القول الكافر طبيعة الله المصائب والموت، وصيروا المسيح لا إلها صحيحا ولا إنسانا، مثل الذهب والنحاس. ونسطورس وأشياعه لزموا خلطة الفرقة والانقطاع، فزعموا أن المسيح الواحد ذو طبيعتين مختلفتين؛ إلهية وناسية، وذو قوامين معروفين؛ إله وناس. فصيروا الفرقة خلطة، كالطوق الملون نصفين؛ أحدهما ذهب، والآخر نحاس، والثوب المبطن ظاهره خز، وباطنه قطن، ليس بينهما خلطة في طبيعة ولا قوام. وليس لهم على هذا أن يؤمنوا بمسيح واحد؛ لأن الطوق الملون طوقان، والثوب المبطن ثوبان. فالمسيح مثل ذلك مسيحان؛ واحد إلهي بطبيعته وقوامه، مثل قضيب الذهب في الطوق الملون، ومثل ظهارة الخز في الثوب المبطن، والآخر ناسي، مثل قضيب النحاس في الطوق، وبطانة القطن في الثوب. والعجب كل العجب: كيف لم يفصل أهل الخلاف والشقاق بين الصنفين كليهما، ولم يفهموا أن هاتين الخلقتين إنما هما خلقتان ذوات أثقال جسمانية غليظة، ليس فيهما شيء من القلق الروحاني اللطيف الخفيف. ولذلك لا تقدر الأثقال الغليظة على الخروج من هذين الوجهين من وجوه الخلطة؛ لأنهما إن اختلطا خلطة ملتحمة ممتزجة، صارت إلى احتيال وفساد. وإن قامت على حالها لا تلتحم ولا يمتزج بعضها ببعض، فهي على وجه خلطة الافتراق، ومنقطعة بعضها من بعض، وإن جمعها صنم واحد أو ثوب واحد. فليس يوجد لشيء من الأثقال الجسمانية وجه خلطة سوى هذين الوجهين أبدا؛ أما فساد، وأما انقطاع. إلا أن تكون الخلطة في اثنين؛ أحدهما ثقيل جسماني، والآخر لطيف روحاني. فذلك هو الوجه الثالث من الخلطة، وهي خلطة الحلول بلا اختلاط ولا احتيال ولا فساد ولا فرقة ولا انقطاع، لكنها نفاذ الطبيعة الروحانية في الطبيعة الثقيلة السفلية، حتى تنتشر في جميعها وتحل بكلها. فلا يبقى موضع من الطبيعة الثقيلة السفلية خلوا من الطبيعة الروحانية، ولا احتيال من الثقيلة الجسمانية عن طبيعتها الغليظة الثقيلة، ولا تغيير ولا فساد لأحداهما. مثل خلطة النفس والجسد، ومثل خلطة النار والحديد في قوام جمرة واحدة. فهي جمرة واحدة بالقوام، من طبيعة نار ملتحمة مخالطة لطبيعة الحديدة بلا فرقة من انقطاع، ولا تخليط احتيال فساد. وقد انتشرت النار في جميع الحديدة، ولبستها، وأنالت النار الحديدة من طوامها وقوتها، حتى أنارت الحديدة وأحرقت. ولم تنل النار من ضعف الحديدة شيئا من السواد والبرودة. فعلى هذا الوجه من الخلطة دبرت كلمة الله الخالقة خلطتها للطبيعة البشرية. فهو مسيح واحد، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل الدهور كلها؛ نور من نور، إله حق من إله حق، مولود ليس بمخلوق، من جوهر أبيه وطبيعته، وهو إياه. من مريم العذراء المولود منها في آخر الزمان، بقوام واحد؛ قوام ابن الله الوحيد، الجامع للطبيعتين كلتيهما؛ الإلهية التي لم تزل في البدء قبل كل بدء، والناسية التي كونت في آخر الزمان، المقوم بالقوام الأزلي. فهو مسيح واحد بقوام واحد أزلي، ذو طبيعتين؛ إلهية لم تزل، وناسية خلقها له، والتحم بها من مريم العذراء. فقوامه ذلك قوام الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسية، جامعا لهما بلا اختلاط ولا فساد ولا فرقة انقطاع. لم يزل قوام الطبيعة الإلهية، ثم هو قوام الطبيعة الناسية؛ قد خلقها وكونها، وقومها بقوامه الذي لم يزل، يقيم إلا به، ولم يعرف إلا له. والجواب عن هذا الكلام: بعد أن يقال إنه تناقض؛ فجعل هذا تارة اختلاطا، وتارة يقول: ليس هو اختلاطا. أي أن يقال: إنه أولا قد يجعل هذا الحلول والالتحام اختلاطا، ويقول: إنه لا يكون فيه استحال ولا تغير، ويقول: الاستحالة والتغيير إنما يلزم الخلطة إذا كانت من خلقين غليظين كالماء والخمر. فأما إذا كانت من لطيف وكثيف، لم يخالط تلك الخلطة تغير والاحتيال - أي استحالة - ويقول: الخلطة تكون على ثلاثة أوجه، ثم يقول: أحدها كالخمر والماء، والثاني كالزيت والماء والكتان والقز، ثم يقول: وما أشبه ذلك مما لا ينبغي أن يسمى خلطة مع افتراق الطبيعتين، فيجعله من أقسام الخلطة، ثم يقول: ولا ينبغي أن يسمى خلطة. وليس المقصود المنازعات اللفظية، بل يقول: دعواه أن أحد نوعي الاختلاط يكون عن تغير واستحالة، بخلاف النوع الآخر الذي هو اختلاط لطيف وغليظ، دعوى ممنوعة، ولم يقم عليها دليلا. بل يقول: هي باطلة. بل لا يكون الاختلاط بين شيئين إلا مع تغير واستحالة. وما ذكره من الأمثال والشواهد فهي حجة عليه. لقوله: فأما إذا كانت الخلطة من خلق لطيف وخلق غليظ، لم يخالط تلك الخلطة تغير والاحتيال، مثل خلطة النفس والجسد إنسانا واحدا؛ أحدهما ملتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت واحتالت - أي استحالت - عن جوهرها أن تكون نفسا تعرفها بفعالها، ولا الجسد تغير واستحال عن حاله وفعاله. فيقال: هذا قول باطل ظاهر البطلان. لكن من تصوره: فإن الجسد إذا خل عن النفس، مثل ما يكون قبل نفخ الروح فيه، وما يكون بعد مفارقة الروح له، بالموت. بل آدم عليه السلام أبو البشر خلق من تراب وماء، وصار صلصالا كالفخار، ثم نفخت فيه الروح، فصار جسدا له لحم وعظم وعصب ودم. فهل يقول عاقل: إن جسد آدم قبل النفس وبعدها على صفة واحدة، لم يتغير ولم تستحل، وذريته من بعده يخلق أحدهم من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، فيكون جسدا ميتا، ثم ينفخ فيه الروح، فيصير الجسد حيا بعد أن كان ميتا. وأي تغيير أعظم من انتقال الجسد من الموت إلى الحياة. ومعلوم بالحس والعقل الفرق بين الحي والميت، كما قال تعالى: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾. والجسد إذا لم ينفخ فيه الروح، فهو موات، ليس له حس ولا حركة إرادية، ولا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يعقل ولا يبطش ولا يأكل ولا يشرب ولا يمني ولا ينكح ولا يتفكر ولا يحب ولا يبغض ولا يشتهي ولا يغضب. فإذا اتصلت به النفس، تغيرت أحواله واستحال صفاته، وصار حساسا متحركا بالإرادة. فكيف يقال: مثل خلطة النفس والجسد إنسانا واحدا؛ أحدهما يلتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت واستحالت عن جوهرها أن تكون نفسا يعرفها بفعالها، ولا الجسد تغير ولا استحال عن حاله وأفعاله. فهل يقول عاقل يتصور ما يقول: إن الجسد كان حاله وفعاله مع مفارقة النفس له كحاله وفعاله مع مخالطتها له. وهل يقول عاقل: إن الجسد بعد موته ومفارقة النفس له، حاله وفعاله كحاله وفعاله إذا كانت النفس مختلطة به. وهو إذا مات كالجماد، لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يبطش ولا يمشي، قد جمد دمه، وسود، ولم يبق سائلا، وتغير سحنته ولونه. وتغير الجسد بالحياة بعد الموت، وبالموت بعد الحياة، من أعظم التغيرات والاستحالات. وكذلك النفس: فإن النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته، وتتألم بألمه. فإذا أكل البدن وشرب ونكح واشتم، التذت النفس. وإذا ضرب البدن وصفع وأهين وحط الشوك على رأسه، وبصق في وجهه، تألمت النفس بذلك. فإذا شبه اتحاد الرب المسيح باتحاد النفس بالبدن، وهم يقولون: إن المسيح وكل أحد إذا ضرب وصلب، تألم بدنه، تألمت نفسه أيضا. فإن كل الألم مع نفس المسيح وجسده، كالنفس مع الجسد، وجب أن يكون الرب يتألم بتألم الناس، ويجوع بجوعه، ويشبع بشبعه. فإن ألم الجوع ولذة الشبع يحصل للنفس إذا جاع البدن وشبع. وأيضا: فالمسيح عندهم إله تام، وإنسان تام. والإله إله قبل الاتحاد، والإنسان إنسان قبل الاتحاد. فهم يقولون: إنهما بعد الاتحاد إله تام كما كان، وإنسان تام كما كان. فنظير هذا: أن يكون الإنسان المركب من بدن ونفس، نفسا تامة وبدنا تاما. وأن تكون الحديدة المحماة، حديدا تاما ونارا تامة. وهو باطل. بل الإنسان مركب من نفس وبدن، والإنسان اسم لمجموع، ليس الإنسان روحا، والإنسان بدنا. فلو كان الاتحاد حقا، لوجب أن يقال: إن المسيح نصفه لاهوت، ونصفه ناسوت، وهو مركب من هذا وهذا. ولا يقال: إن المسيح نفسه إنسان تام، والمسيح نفسه إله تام. فإن تصور هذا القول على الوجه التام، يوجب العلم الضروري، حيث جعل المسيح الذي هو المبتدأ الموضوع المصبر عنه المحكوم عليه، هو إنسان تام وإله تام، يوجب أن يكون نفس الإنسان هو نفس الإله. ولو قيل هذا في مخلوقين، فقيل: نفس الملك نفس البشر، لكان ظاهر البطلان. فكيف إذا قيل في رب العالمين، لا سيما وكثير من النصارى لا يقولون: إن جسد المسيح مخلوق، بل يصفون الجميع بالإلهية. وهذا مقتضى قول أئمتهم القائدين: إن المسيح إله تام. لكنهم تناقضوا، فقالوا مع ذلك: وهو إنسان تام. فكأنهم قالوا: هو الخالق ليس هو الخالق، هو مخلوق ليس هو مخلوق، فجمعوا بين النقيضين. وهذا حقيقة قول النصارى، لا سيما واتحاد اللهوت بناسوت المسيح عندهم اتحاد لازم، لم يفارقه البتة. فيكون ذلك أبلغ من الاتحاد العارض. ومن أن الرب كان متحدا بجسد لا روح فيه، ثم بالجسد مع نفخ الروح فيه، ثم بالجسد بعد مفارقة الروح له، وحيث دفن في القبر، ووضع التراب عليه. ومعلوم أن الإنسان إذا كانت فيه النفس، وجعلت في التراب معه، تألمت النفس ألما شديدا، ثم تفارق البدن. ومن العجائب أنهم يقولون: إن المسيح صلب ومات، ففارقته النفس الناطقة، وصار الجسد لا روح فيه، واللهوت مع هذا متحد لم يفارقه، وهو في القبر، واللهوت متحد به. فيجعلون اتحاده به أبلغ من اتحاد النفس بالبدن. والنفس عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل صفاتها وأحوالها، ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون البدن. وعند مفارقة البدن تتغير صفاتها وأفعالها. فإن كان تمثيلهم مطابقا، لازم أن يكون الرب قد تغيرت أوصافه وأفعاله لما اختلطت بالمسيح، كما تتغير صفات النفس وأفعالها. ويكون الرب قبل هذا الاختلاط كالنفس المجردة التي لم تقترن ببدن. وأيضا: فالنفس والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والفاسدة، لهم الثواب وعليهم العقاب. والثواب والعقاب على النفس أكمل منه على البدن. فإن كان الرب كذلك، كان جميع ما يفعله المسيح باختياره فعل الرب، كما أن جميع ما يفعله البدن باختياره فعل النفس. عن التي تخاطب بالأمر والنهي، فيقال لها: كلي واشربي وانكحي، ولا تأكلي ولا تشربي ولا تنكحي. فإن كان الرب مع الناسوت كذلك، كان الرب هو المأمور والمنهي بما يؤمر به المسيح. وكان الرب هو المصل الصائم العابد الداعي. وبطل قولهم: يخلق ويرزق بلاهوته، ويأكل ويعبد بناسوته. فإن النفس والبدن لما اتحدا، كانت جميع الأفعال الاختيارية للنفس والبدن. فإذا صلى الإنسان وصام ودعا، فالنفس والبدن يوصفان بذلك جميعا، بل النفس أخص بذلك. وكذلك إذا أمر أو نهى، فكلاهما موصوف بذلك. وكذلك إذا ضرب، فألم الضرب يصل إليهما، كما تصل إليهما لذة الأكل والجماع. بل أبلغ من ذلك: أن الجن إذا دخل في الإنس وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنس يتغير حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه ليس هو صوته وكلامه المعروف. وإذا ضرب بدن الإنس، فإن الجن يتألم بالضرب، ويصيح ويصرخ ويخرج منه ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى. ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه. فإذا كان الجن تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنس، فكيف بنفس الإنسان. وعندهم اتحاد اللهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس بالجسد. فهل يقول عاقل مع هذا الاتحاد: إنهما جوهران لكل منهما أفعال اختيارية لا يشركه الآخر فيها. ويقولون مع قولهم بالاتحاد: إن الذي كان يصلي ويصوم ويدعو ويتضرع ويتكلم ويتألم ويضرب ويصلب هو نظير البدن. والذي كان يأمر وينهى ويخلق ويرزق هو نظير النفس. هذا مع قولهم: إن مريم ولدت اللهوت مع الناسوت، وأنه اتحد به مع كونه حيا، وقبل حياته، وعند مماته، والجسد في ذلك كله كسائر الأجساد الآدميين، لم يظهر فيه شيء من خصائص الرب أصلا. بل ولا بعد اتيانه بالآيات، فإن تلك كانت تجري مثلها، وأعظم منها، على يد الأنبياء. فهذا أقرب أمثالهم، وقد ظهر فساده. وأبعد منه، وأشد فسادا، تمثيلهم ذلك بالنار والحديد. ومعلوم عند كل من له خبرة: أن النار إذا اتصلت بشيء من الأجسام؛ الحيوانية والنباتية والمعدنية، مثل جسد الإنسان، وغيره، ومثل القشب والقصب والقطن، وغيره، ومثل الحديد والذهب والفضة. فإنها تغير ذلك الجسد، وتبدل صفاته عما كانت؛ تحرقه أو تذيبه أو تليينه. والنار المختلط به لا تبقى نارا محضة، بل تستحيل وتتغير أيضا. فقول هؤلاء: ومثل ما تختلط النار والحديد فيلتحمان جميعا، فيكونان جمرة واحدة من غير أن تكون النار تغيرت إلى أن تكون حديدة ثقيلة تشج وتقطع، ولا الحديدة تغيرت واستحالت إلى أن تكون نارا تحرق، كلام باطل ملبس. فإن الجمرة ليست حديدة محضة، ولا نارا محضة، بل نوعا ثالثا. وقوله: لم تتغير النار إلى أن تصير حديدة، ولا الحديدة إلى أن تصير نارا، تلبيس. فإن الاختلاط لا يتضمن الاستحالة والتغير، كاختلاط الكثيفين الذي سلمه، مثل الماء والخمر، والماء والعسل، والسمن والعسل، والذهب والورق، والنحاس والرصاص. قد قال فيه: إنه لا الخمر خمر، ولا الماء ماء بعد اختلاطهما، ولكنهما استحلا جميعا عن جوهرهما، فصارا إلى أمر متغير، ليس هو أحدهما بعينه، ولا أحدهما خالصا من الفساد والاستحالة عن حاله. فيقال له: فهذا الذي سلمت فيه الفساد والاستحالة، لم يصر الخمر فيه ماء، ولا الماء فيه خمرا. فكذلك مورد النزاع، إذا لم تصر النار حديدة، ولا الحديدة نارا، لم ينفعك هذا النفي، ولم يكن هذا مانعا من الاستحالة إلى نوع ثالث، ومن الاستحالة والفساد، كما ذكرته في اختلاط الكثيفين. فإنه معلوم: أن ما خالطته النار واتحدت به، غيرته وأحالته وأفسدت صورته الأولى. والنار الملتحمة به ليست نارا محضة. ومعلوم أيضا: أن الجمرة التي ضربتها مثلا للمسيح، فقلت: إن الله وعيسى اتحدا اتحاد النار والحديد، حتى صار جمرة. فمعلوم: أن الجمرة إذا ضربت بالمطرقة، أو وضعت في الماء، أو مدت، فإن هذه الأفعال تقع بالمجموع، لا تقع على الحديدة بلا نار، ولا نار بلا حديدة. فيلزم من ذلك: أن يكون ما حل بالمسيح من ضرب، وبصاق في الوجه، ووضع الشوك على الرأس، ومن أكل وشرب وعبادة، ومن مش وركوب، ومن حمل وولادة، وغير ذلك مما حل بالمسيح، ومن موت إما متقدم وإما متأخر، إذا نزل إلى الأرض، ومن صلب على قولهم. أن يكون جميع ذلك حل بالمسيح الذي هو عندهم إله تام، وإنسان تام، من غير فرق بين لاهوته ولا ناسوته، كما يكون ما يحل بجمرة النار من حمل ووضع، وطرق بالمطرقة، ومد وتصوير بشكل مقصوص، وإلقاء في الماء، وغير ذلك، حال بمجموع الجمرة. لا يقول عاقل: إن ذلك يحل بالحديد دون النار، بل هو حال بالجمرة المستحيلة من حديدة ونار، ومن خشبة ونار، وليست حديدة محضة، ولا نار محضة، ولا مجموع حديد محظ ونار محظة، بل جوهر ثالث مستحيل من حديد ونار، كسائر ما يستحيل بالاتحاد والاختلاط إلى حقيقة ثالثة. فلا فرق بين الشيئين إذا اتحدا واختلطا، وصارا شيئا واحدا، من أن يكون كثيفين، أو يكون أحدهما كثيفا والآخر لطيفا. لا بد في ذلك كله: أن يحصل لكل منهما من التغير والاستحالة ما يوجب الاتحاد، وأن يكون المتحد المختلط المركب منهما شيئا ثالثا، ليس هو أحدهما فقط، ولا هو مجموع كل منهما على حاله. فقولهم: إنه مع الاتحاد إنسان تام وإله تام، كلام فاسد معلوم الفساد بصريح العقل. وكلما ضربوا له مثلا، كان المثل حجة على فساد قولهم. بل مع الاتحاد ليس بإنسان تام، ولا إله تام، لكنه شيء ثالث مركب من إنسان استحال وتغير، وإله استحال وتغير. وإذا كان كل من هذين باطلا، بل إنسانية المسيح باقية تامة كما كانت، لم تستحل ولم تتغير، ورب العالمين باق بصفات كماله، لم يستحل ولم يتصف بشيء من خصائص المخلوقات، ولا استحال عما كان عليه قبل ذلك، كان قولهم ظاهر الفساد. إلى هنا. بسم الله الرحمن الرحيم. ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في هذا الفصل، كما نرى، كلام ابن البطريق. وهو سعيد بن البطريق، وقد تقدم أنه أحد المؤرخين من النصارى، وهو كانت له جهود عند النصارى في الردود على بعض فرق النصارى، كاليعقوبية وغيرهم. وكانت له كذلك معرفة ببعض كتب الفلاسفة والطب، وغير ذلك مما جعله يبرز بين النصارى. وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يذكر كلامه، كما تقدم معنا، وسيأتي - إن شاء الله - ليستدل به أولا على تناقضات النصارى، ورد بعضهم على بعض. وثانيا: كذلك ليبطل ما زعم ابن البطريق وأمثاله أنه حق، وترجيح لخلاف النصارى. والصواب أنه كذلك باطل من باطل النصارى. ونرى هنا في الكلام الذي نقله عن ابن البطريق، وهو يرد على بعض النصارى لعدم فهمهم في مسألة معنى الاتحاد المزعوم في كون الله تعالى - الله عن قوله علوا كبيرا - حل في المسيح. فهو يزعم بذكر أنواع الخلطة التي ذكرها، كما مرت معنا، يوضح ويبين معنى الاختلاط المزعوم. فبين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - أن دعواه في النوع الثالث من أنواع الخلطة، والذي استدل بها على أنها هي التي وقعت في المسيح، دعوة باطلة مخالفة للمعقول والمنقول. فأما المنقول فواضح، وأما المعقول فبتكذيب هذه الأمثلة التي مثل بها، وظهر بما بيّنه - رحمه الله تعالى - أن هذه الأمثلة التي ضربها لا تخرج عن معنى المثال الأول، أو النوع الأول من أنواع الخلطة، وهو اختلاط الطبيعتين الثقيلتين، واحتيالهما وفسادهما. فاختلاط النار بالحديد أو الخشب لا يعني حلولا واتحادا كما يزعمه النصارى في أمر المسيح عليه السلام، ولكنه خلطة فساد واحتيال، مثل خلطة الذهب بالورق إذا اختلط، والخمر بالماء. فلا هو خمر، ولا هو ماء، وكذلك يقال: حال وجود النار مع الحديد، لا هو حديد، ولا هو نار. ولهذا جمع بين الوصفين؛ بين وصف النار، وبين وصف الحديد. ولكن الشبهة ها هنا في كون النار إذا خرجت وأبرد الحديد، رد الحديد إلى ما كان عليه. فيقال: الأولى أن يقال: إن من أنواع خلطة الاختلاط والفساد ما يمكن فصله. فإذا أمكن فصله، فإنه يرجع كل وصف إلى ما كان عليه. فقبل الفصل هما ذهب وورق، ونار وحديد، وبعد الخلط هما خلط، لا هو ماء وخمر، ولا هو خل ولا عسل، ولا ذهب ولا ورق، ولا نار ولا حديد. وبعد الفصل - إن أمكن الفصل - يرجع كل إلى وصفه؛ الذهب ذهبا، والورق ورقا. ولا يصح أن يقال: حصل هنا حلول واتحاد، ولكن يقال: حصلت خلطة واحتيال. وقد بيّن شيخ الإسلام - رحمه الله - معنى ذلك في فصول سابقة، وأكد هذا التبيين كذلك في هذا السياق الذي ذكره - رحمه الله تعالى - فأبان أن الذي ذكره وزعموه باطل، وأنه منافي للمعقول، فضلا عن المنقول. وقوله - رحمه الله -: ليس المقصود المنازعات اللفظية، يريد أن يقول: حتى تعبيره بهذا التقسيم الثلاثي، فيه شيء من التناقضات - يعني التناقضات اللفظية - كونه يقول: إنه متحد ومختلط، ثم يقول: غير مختلط. ومع ذلك فليس هذا هو المهم، ولكن أهم منه تلك التناقضات المعنوية التي أشار إليها في هذا التقسيم الثالث. فهو تقسيم غير صحيح، فلا يوجد معنى للحلول بهذا الوصف الذي ذكره ابن البطريق. وبين شيخ الإسلام في مسألة اختلاط النفس بالجسد: أن هذا يستلزم كونه شيئا واحدا، لا ينفصل أحدهما عن الآخر بالأحاسيس وغيرها. وهو يريد أن يبرهن للنصارى، وأمثالهم ممن تشبه بهم من ضلال المسلمين القائلين بالحلول والاتحاد: أن ما يصيب الجسد يصيب النفس، بل تألم النفس وفرحها أعظم من تألم وفرح الجسد. وبهذا يبطل قول النصارى: بأن الحلول الاتحاد الذي وقع للمسيح اقتضى وجود معنى منفصل للاهوت، وهو ما يريدون من صفات الألوهية، والناسوت، وهو ما يريدون من صفات الجسد الإنسية. فهذا باطل كل البطلان. ووضح ذلك شيخ الإسلام بما أشار إليه من الألم الذي قد يصيب الجسد، فيظهر أثر هذا الألم - حسيا كان أو معنويا - على الروح والنفس. وكذلك الراحة والطمأنينة والفرح والسرور الذي يتنعم به الجسد، يصل إلى الروح، بل وصوله إلى الروح أعظم من ذلك. وسيأتي معنا في جوابه - إن شاء الله - على الأمثلة الآتية زيادة إضاحة. إلى هنا. والله تعالى أعلم.