الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح  141

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 141

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 141، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتقاد معتقدات النصارى حول المسيح

ينتقد شيخ الإسلام معتقدات النصارى حول المسيح ويستدل على بطلانها بنصوص الإنجيل. يقارن بين معجزات المسيح والأنبياء الآخرين لإثبات عدم ألوهيته.

الرد على ألوهية المسيح بمقارنة أفعاله بأفعال الأنبياء

يتم مقارنة أفعال المسيح بأفعال الأنبياء الآخرين لإثبات عدم ألوهيته. يستشهد بأقوال المسيح من الإنجيل التي تظهر تواضعه واعترافه بربوبية الله.

استدلال الحسن بن أيوب على مخلوقية المسيح

يستدل الحسن بن أيوب على مخلوقية المسيح من نصوص الكتاب المقدس. يبين أن هذه النصوص تثبت أن المسيح مخلوق وليس إلها.

صفة العلم لله تعالى

يشير المقطع إلى أن الله تعالى له صفة العلم وهي ثابتة له سبحانه. يوحي بأن الله تعالى عليم بكل شيء.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: قال وجدناكم تذكرون أن المسيح نزل من السماء، فأبطل بنزوله الموت والآثام. فإن العجب ليطول من هذا القول، وأعجب منه من قبله، ولم يتفكر فيه، وممن لم يستقبح أن يعتقد ديانة لله تبارك وتعالى على مثل هذا القول المحال البائن عما تشهد به العقول وتنبئ به المشاهدة، ويدعو الناس إليها. فما هو ببعيد من عقد ما هو أمحل أبطل منها. لأنه إن كانت القطيئة بطلت بمجيئه، فالذين قتلوه إذن ليسوا خاطئين ولا مأثومين، لأن لا خاطئ بعد مجيئه ولا خطئة. وكذلك أيضا الذين قتلوا حواريه وحرقوا أسفاره غير خاطئين. وكذلك من نراه من جماعتكم منذ ذلك الدهر إلى هذا الوقت، يقتل ويسرق ويزني ويلوط ويسكر ويكذب ويركب كل ما نهي عنه من الكبائر، غير خاطئين ولا مأثومين. فمن جحد ذلك، فليرجع إلى التسبيحة التي تقرأ بعقب كل قربان، وهو أن يا ربنا الذي غلب بوجعه الموت الطاغي. وفي الأخرى التي تقال في يوم الجمعة الثانية من الفصح: إن فخرنا بالصليب، إن فخرنا بالصليب الذي بطل به سلطان الموت، وصرنا إلى الأمن والنجاة بسببه. وفي بعض التسابيح بصلاوات ربنا يسوع المسيح، بطل الموت وانطفأت فتن الشيطان ودرست آثارها. فأي خطيئة بطلت؟ وأي فتنة للشيطان انطفأت؟ أو أي أمر كان الناس عليه قبل مجيئه من المحارم والآثام تغير عن حالته؟ قال: وإذا كان التمويه يقع فيما يلحقه كل أحد بالمعربة والبيان، فهو فيما أشكل من الأمور، وفعل بالتأويلات التي تأولها أولئك المتأولون، أوقع. وإذا كنتم قد قبلتم هذا المحال الظاهر الذي لا قفاء به عن الصبيان، فأنتم لما هو أعظم منه من المحال أقبل. وهذا إنجيلكم يكذب هذا القول، حيث يقول المسيح فيه: ما أثر من يقول لي يوم القيامة يا سيدنا، أليس باسمك أخرجنا الشيطان؟ فأقول: أغربوا عني أيها الفجرة الغاوون، فما عرفتكم قط. فهذا خلاف قول علمائكم ما قالوا، ووضعهم لكل ما وضعوا. ومثله قوله: إني جامع الناس يوم القيامة عن ميمنتي وميسرتي. وقال لأهل الميسرة: إني جعت فلم تطعموني، وعطشت فلم تسقوني، وكنت غريبا فلم تؤوني، ومحبوسا فلم تزوروني، ومريضا فلم تعودوني، فاذهبوا إلى النار المعدة لكم من قبل تأسيس الدنيا. وأقول لأهل الميمنة: فعلتم بي هذه الأشياء، فاذهبوا إلى النعيم المعد لكم من قبل تأسيس الدنيا. فهل أدخل أولئك النار إلا خطاياهم التي ركبوها؟ وهل صار هؤلاء إلى النعيم إلا بأعمالهم الجميلة التي قدموها بتوفيق الله إياهم؟ فمن قال إن الخطيئة قد بطلت، فقد بهت، وقد خالف قول المسيح، وكان هو من الكاذبين. وقال: ويا أيها القوم الذين هم أولو الألباب والمعرفة، حيث ينسبونه للربوبية وينحلونه اللاهوتية، ويجعلونه خالق الخلق أجمعين وإلههم. فبماذا ساغ ذلك لكم؟ وما الحجة فيه عندكم؟ هل قالت كتب النبوات فيه ذلك؟ أو هل قاله عن نفسه؟ أو قاله أحد عن تلامذته والناقلين عنه الذين هم عماد دينكم وأساسه؟ ومن أقدتم الشرائع والسنن عنه؟ ومن كتب الإنجيل وبينه؟ فقد أفصح وبينه في كل الإنجيل من كلامه ومخاطبته ووصاياه بما لا يحصى كثرة، بأنه عبد مثلكم ومربوب معكم، ومرسل من عند ربه وربكم، ومبدي ما أمر به فيكم. وحكى مثل ذلك من أمره حواريوه وتلاميذه، ووصفوه لمن سأل عنه، وفي كلامهم بأنه رجل جاء من عند الله عز وجل، ونبي له قوة وفضل. فتأولتم في ذلك أنه أخرج كلامه على معنى الناسوط. ولو كان كما تقولون، لأفصح عن نفسه بأنه إله، كما أفصح بأنه عبد. ولكنه ما ذكره، ولا ادعى، ولا دعى إليه، ولا ادعته له كتب الأنبياء قبله، ولا كتب تلامذته، ولا حكي عنهم، ولا أوجبه كلام جبريل الذي أداه إلى مريم، ولا قول يحيى بن زكريا. قال: فإن قلتم إنكم استدللتم على ربوبيته بأنه أحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء، وصعد إلى السماء، وصير الماء خمرا، وكثر القليل. فيجب الآن أن ينظر إلى كل من فعل في هذه الأمور فعلا، فنجعله ربا وإلها، وإلا فما الفرق؟ فمن ذلك أن كتاب سفر الملوك يخبر أن إلياس أحيى ابن الأرملة، وأن اليسع أحيى ابن إسرائيلية، وأن حزقيال أحيى بشرا كثيرا. ولم يكن أحد ممن ذكرنا بإحيائه الموتى إلها. وأما إبراء الأكمه، فهذه التوراة تخبر أن يوسف أبرأ عين أبيه يعقوب بعد أن ذهبت. وهذا موسى طرح العصى فصارت حية لها عينان تبصر بهما، وضرب بها الرمل فصار قملا لكل واحد منها عينان تبصر بهما. ولم يكن واحد منهم بذلك إلها. وأما إبراء الأبرص، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن رجلا من عظماء الروم برص، فرحل من بلده قاصدا اليسع عليه السلام ليبرئه من برصه. فأمر اليسع بأن يغتسل في الأردن بسبع مرات، ففعل ذلك فذهب عنه البرص. ورجع قافلا إلى بلده. فهذا اليسع قد أبرأ أبرصا، وهو أعظم مما فعل المسيح عليه السلام، فلم يكن في فعله ذلك إلها. قال: وأما قولكم إنه مشى على الماء، فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس عليه السلام صار إلى الأردن ومعه اليسع تلميذه، فأخذ عمامته وضرب بها الأردن، فاستيبسا له الماء حتى مشى عليه هو واليسع. ثم صعد إلى السماء على فرس من نور، واليسع يراه. ودفع عمامته إلى اليسع، فلما رجع اليسع إلى الأردن، ضرب بها الماء فاستيبسا له حتى مشى عليه راجعا. ولم يكن واحد منهما بمشيه على الماء إلها، ولا كان إلياس بصعود إلى السماء إلها. قال: وأما قولكم إنه صير الماء خمر، فهذا كتاب سفر الملوك يخبر بأن اليسع نزل بامرأة إسرائيلية، فأضافته، وأحسنت إليه. فلما أراد الانصراف، قال: هل لك من حاجة؟ فقالت المرأة: يا نبي الله، إنا على زوجي دينا قد فدحه. فإن رأيت أن تدعو الله لنا بقضاء ديننا، ففعل. فقال لها اليسع: اجمعي كل ما عندك من الآنية، واستعيري من جيرانك جميع ما قدرت عليه من آنيتهم. ففعلت. ثم أمرها، فملأت الآنية كلها ماء. فقال: أتركيه ليلتك هذه، ومضى من عندها. فأصبحت المرأة، فقد صار ذلك الماء كله زيتا. فباعوه، فقضوا دينهم. وتحول الماء زيتا أبدع من تحويله خمرا. ولم يكن اليسع بذلك إلها. وأما قولكم: المسيح عليه السلام كثر القليل حتى أكل خلق كثير من أرغفة يسيرة. فإن كتاب سفر الملوك يخبر بأن إلياس نزل بامرأة أرملة، وكان القحط قد عم الناس، وأجدبت البلاد، ومات الخلق ضرا وهزلا. وكان الناس في ضيق. فقال للأرملة: هل عندك طعام؟ قالت: والله ما عندي إلا كف من دقيق في قلة، أردت أن أخبزه لطفل لي. وقد أيقنا بالهلاك لما الناس فيه من القحط. فقال لها: أحضريه، فلا عليك. فأتته به، فبارك عليه. فمكث عندها ثلاث سنين وستة أشهر، تأكل هي وأهلها وجيرانها منه، حتى فرج الله عن الناس. فقد فعل إلياس في ذلك أكثر مما فعل المسيح، لأن إلياس كثر القليل وأدامه، والمسيح كثر القليل في وقت واحد. ولم يكن إلياس بفعله هذا إلها. قال: فإن قلتم إن هؤلاء الأنبياء ليس لهم صنع في هذه الأفعال، وإن الصنع فيها والقدر لله عز وجل، إذ كان هو الذي أجراها على أيديهم. فقد صدقتم. ونقول لكم أيضا: كذلك المسيح ليس له صنع فيما ظهر على يديه من هذه الأعجيب، إذ كان الله هو الذي أظهرها على يديه. فما الفرق بين المسيح وسائر الأنبياء؟ وما الحجة في ذلك؟ قال: فإن قلتم إن الأنبياء كانت إذا أرادت أن يظهر الله على أيديهم آية، تضرعت إلى الله ودعته، وأقرت له بالربوبية، وشهدت على أنفسها بالعبودية. قل لكم: وكذلك سبيل المسيح، سبيل سائر الأنبياء. قد كان يدعو وتضرع، ويعترف بربوبية الله، ويقر له بالعبودية. فمن ذلك أن الإنجيل يخبر بأن المسيح أراد أن يحيي رجلا يقال له العازر، فقال: يا أبي، أدعوك كما كنت أدعوك من قبل، فتجيبني وتستجيب لي. وأنا أدعوك من أجلي هؤلاء القيام، ليعلموا. وقال بزعمكم: وهو على الخشبة إلهي، إلهي، لم تركتني؟ وقال: يا أبي، اغفر لليهود ما يعملون، فإنهم لا يدرون ما يصنعون. وقال في إنجيل متى: يا أبي، أحمدك. وقال: يا أبي، إن كان بد أن يتعداني هذا الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، فلتكن مشيئتك. وقال أيضا: أنا أذهب إلى إلهي الذي هو أعظم مني. وقال: لا أستطيع أن أصنع شيئا، ولا أتفكر فيه إلا باسم إلهي. وقال: يعني نفسه: لا ينبغي للعب أن يكون أعظم من سيده، ولا للرسول أن يكون أعظم ممن أرسله. وقال: إن الله لم يلد، ولم يولد، ولم يأكل، ولم يشرب، ولم ينم، ولم يره أحد من خلقه، ولا يراه أحد إلا مات. والمسيح قد أكل وشرب، وولد، ورآه الناس، فما ماتوا من رؤيته، ولا مات أحد منهم. وقد لبث فيهم ثلاثا وثلاثين سنة. قلت: وعامة ما ذكره هذا عن الكتب، تعترف به النصارى. ولكن بعضهم ينازعه في يسير من ألفاظ. فنازعه هنا في قوله: لا ينبغي للعب أن يكون أعظم من سيده. وقال: هذا إنما قاله المسيح للحواريين. وذكر أنه لا يعرف عنه لفظ: لم يولد، ولم يأكل، ولم يشرب. قال: وقال في إنجيل يوحنا: إنكم متى رفعتم من البشر، فحينئذ تعلمون أني أنا هو. وشيء من قبل نفسي لا أفعل، ولكن كل شيء كالذي علمني أبي. وقال في موضع آخر: من عند الله أرسلتم معلما. وقال لأصحابه: أخرجوا بنا من هذه المدينة، فإن النبي لا يجل في مدينته. وأخبر الإنجيل أن امرأة رأت المسيح، فقالت: إنك لذلك النبي، إنك لذلك النبي الذي كنا ننتظر مجيئه. قال لها المسيح: صدقت، وطوبى لك. وقال لتلامذته: كما بعثني أبي، كذلك أبعث بكم. قال: فاعترف بأنه نبي، وأنه مألوه ومربوب ومبعوث. وقال لتلامذته: إن من قبلكم وآواكم، فقد قبلني. ومن قبلني، فإنما يقبل من أرسلني. ومن قبل نبيا باسم نبي، فإنما يفوز بأجر من قبل النبي. فبينها هنا في غير موضع: أنه نبي مرسل، وأن سبيله مع الله سبيلهم معه. وقال متى التلميذ في إنجيله، يستشهد على المسيح بنبوة أشعياء عن الله عز وجل: هذا عبد الذي اصطفيناه وحبيب الذي ارتاحت إليه نفسي. أنا واضع روحي عليه، ويدعو الأمم إلى الحق. فلن يحتاج إلى حجة أوضح من هذا القول الذي جعلتموه حجة لكم. فقد أوضح الله أمره، وسماه عبدا، وأعلم أنه يضع عليه روحه، ويؤيده بها، كما أيد سائر الأنبياء بالروح. فأظهروا الآيات المذكورة عنهم. وهذا القول يوافق ما بشر به جبريل الملك مريم حين ظهر لها، وقال القول الذي سقناه في صدر كتابنا. وقال يوحنا التلميذ في الإنجيل عن المسيح عليه السلام: إن كلامي الذي تسمعون هو كلام من أرسلني. وقال في موضع آخر: إن أبي أجل وأعظم مني. وقال أيضا: كما أمرني أبي، كذلك أفعل أنا. أنا الكرم، وأبي هو الفلاح. وقال يوحنا: كما للأب حياة في جوهره، فكذلك أعطى الإبن أن تكون له حياة في قينومه. وقال: فالمعطي خلاف المعطى، لا محالة. والفاعل خلاف المفعول. قال: وقال المسيح في إنجيل يوحنا: إني لو كنت أنا شاهد نفسي على صحة دعواي، كانت شهادة باطلة. لكن غيري يشهد لي. فأنا أشهد لنفسي، ويشهد لي أبي الذي أرسلني. وقال المسيح لبني إسرائيل: تريدون قتلي، وأنا رجل. قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله. قال: وقال في الرجل الذي أقامه من الموت: يا أبي، أشكرك على استجابتك دعائي، وأعترف لك بذلك، وأعلم أنك كل وقت تجيب دعوتي. لكن أسألك من أجل هذه الجماعة، ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني. قال: فأي تضرع وإقرار بالرسالة، والمسألة والطلب الإجابة من الله عز وجل أشد من هذا؟ أو أكثر؟ قال: وقال في بعض مخاطبته لليهود، وقد نسبوه إلى الجنون: أنا لست بمجنون، ولكن أكرم أبي، ولا أحب مدح نفسي، بل أمدح أبي، لأني أعرفه. ولو قلت إني لا أعرفه، لكنت كذابا مثلكم. بل أعرفه، وأتمسك بأمره. قال: وقال داود في مزموره المئة وعشرة: قال الرب: اجلس عن يميني، حتى أضع أعدائك موطئا لرجليك. عصى العظمة تبعث الرب من صهيون، ويبسط على أعدائك شعبك. يا مسيح يوم الرعب، في بهاء القدس، من اليوم الذي ولدتك يا صبي. عهد الرب، ولا يكذب: أنك أنت الكاهن المؤيد، يشبه ملكي صادق. قلت: قالوا: هذا الكاهن الذي ذكر في التوراة أن الخليل أعطاه القربان. وإذا كان المسيح مشبها به، مع تسميته كاهنا، كان ذلك من أعظم الأدلة على أنه مخلوق. قال: فأما قوله: من البدء ولدتك، فهو يشبه قول داود: تبنيني على نفسه من البدء، ذكرتك وهديت كل أعمالك. وبعضهم يقول: لفظ النص: إن الرب يبعث عصاه من صهيون. قال: وقال شمعون الصفى، رئيس الحواريين، في الفصل الثاني من قصصهم: يا رجال بني إسرائيل، اسمعوا مقالتي. إن يسوع الناصري رجل ظهر لكم من عند الله، بالقوة والأيدي والعجائب التي أجراها على يديه. وأنكم أسلمتموه وقتلتموه، فأقام الله يسوع هذا من بين الأموات. قال: فأي شهادة أبين أوضح من هذا القول؟ وهو أوثق التلاميذ عندكم، يخبر كما ترون أن المسيح رجل، وأنه من عند الله، وأن الآيات التي ظهرت منه بأمر الله أجراها على يديه، وأن الذي بعثه من بين الموتى هو الله عز وجل. قال: وقال في هذا الموضع: اعلموا أن الله جعل يسوع الذي قتلتموه ربا ومسيحا. فهذا القول يزيل تأويل من لعله يتأول في الفصل الأول: أنه أراد بقوله الناسوط. لأنه يقول: إن الله جعله ربا ومسيحا. والمجعول مخلوق مفعول. قلت: قال أبو نصر: وإنما سمي ناصريا لأن أمه كانت من قرية يقال لها ناصرة في الأردن. وربما سميت النصرانية. قال: وقد سمى الله جل ثناء يوسف ربا. قال داود في مزموره مئة وخمسة: وللعبودية بيع يوسف، وشدوا بالكبول رجليه، وبالحديد دخلت نفسه، حتى صدقت كلمته. قول الرب جربه. بعث الملك فخلاه، وصيره مسلطا على شعبه، وربا على بنيه، ومسلطا على فتيانه. وقال لوقا في آخر إنجيله: إن المسيح عرض له وللوقا تلميذه جبريل في الطريق، وهما محزونان. فقال لهما، وهما لا يعرفانه: ما بالكما محزونين؟ قالا: كأنك أنت وحدك غريب ببيت المقدس، إذ كنت لا تعلم ما حدث فيها بهذه الأيام من أمر يسوع الناصري. فإنه رجل نبي قويا في قوله وفعله، عند الله وعند الأمة. أخذوه وقتلوه على قولهم فيه. قال: فهذا قوله، وأقوال تلاميذه قد تركتموها، وعقدتم على بدع ابتدعها لكم أولوكم، تؤدي إلى الضلالة والشرك بالله جل ثناؤه. وقال داود في المزمور الثاني في زبوره، مخاطبا لله ومثنيا على المسيح: من الرجل الذي ذكرته، والإنسان الذي أمرته، وجعلته دون الملائكة قليلا، والبسته المجد والكرامات. وقال في المزمور الثاني: قال للرب: أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك. سلني فأعطيك. فقوله: ولدتك، دليل على أنه حديث غير قديم، وكل حادث فهو مخلوق. ثم أكد ذلك بقوله: اليوم. فحد باليوم حدا لولادته، أزال به الشك في أنه ما كان قبل اليوم. ودل بقوله: سلني فأعطيك، على أنه محتاج إلى المسألة، غير مستغن عن العطية. قال: فهذا ما حضرنا من الآيات في تصحيح خلق المسيح، وعبوديته، وبطلان ما يدعونه من ربوبيته. ومثله كثير في الإنجيل، لا يحصى. فإذا كانت الشهادات منه على نفسه، ومن الأنبياء عليه، ومن تلاميذه، بمثل ما قد بيناه في هذا الكتاب. وإنما اقتصرنا على الاحتجاج عليكم من كتبكم. فما الحجة فيما تدعونه له؟ ومن أي جهة أخذتم ذلك؟ واخترتم الكلام الشنيع الذي يخرج عن المعقول، وتنكره النفوس، وتنفر منه القلوب، الذي لا يصح بحجة، ولا قياس، ولا تأويل، على القول الجميل الذي تشهد به العقول، وتسكن إليه النفوس، ويشاكل عظمة الله وجلاله. هذا تتمة لما سبق من كلام الحسن بن أيوب رحمه الله تعالى. وهذه العبارات التي نقلها رحمه الله، ليس إقرارا لكل ما فيها، ولكن كما ذكر رحمه الله، هو يستدل بها عليهم، لأنها لما كانت مما بين أيديهم، ويؤمنون به، كان أدعى في قوة الحجة عليهم. فهذا لأجل هذا المعنى أورد. وإلا فكما سبق، فإن الترجمة مع ما لا يخفى من التحريف الذي وقع، يوجب التوقف في كثير ما يتناقله النصارى. لكن عندنا شواهد حق تؤكد بعض هذا الذي بين أيديهم، من مدلة عليه أدلة الكتاب والسنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وبعض هذه العبارات، كما أشار شيخ الإسلام رحمه الله، أنها ربما حرف معناها، وإن وجد لفظها فيما في أيدي النصارى. لكن ما ذكره المؤلف رحمه الله في الغالب هو حق، وحجة عليهم. ولو أنكروا نصا أو نصين، لم يستطيعوا إنكار النصوص الأخرى. فقول شيخ الإسلام مثلا: بأنهم أنكروا جملة لا ينبغي للعبد أن يكون أعظم من سيده، فهذا ثابت بلفظه. ولكن أنكروا معناه، فزعموا أنه خطاب المسيح للحواريين، وليس خطاب المسيح لله سبحانه وتعالى. فيقال لهم على وجه التقدير: لو أن هذا مسلم، فإن النصوص الأخرى تؤكد صحة هذا المعنى. وهكذا كون بعض النصوص يزعمون أنها غير موجودة باللفظ، فهذا لا يعني أن المعنى غير موجود. مثل الله لم يلد ولم يولد، ولم يأكل ولم يشرب، فهذا المعنى وإن كان زعم جماعة من النصارى أنه غير موجود فيما في أيديهم، فمعناه أولا قد ثبت في القرآن، ويؤكده كذلك معاني موجودة في أيديهم، كما أشار المعلق إلى بعض ذلك. فأشار إلى أنه وجد معناه في سفر الخروج، الإصحاح الثالث والعشرين. وهكذا أيضا قوله رحمه الله تعالى: أن عيسى عليه الصلاة والسلام صير الماء خمرا، ليس فيه دليل أن المؤلف يقر تحليل الخمر، وفعل عيسى لذلك. بقدر ما المراد منه هو فقط الاستدلال عليهم، بجنس ما يقولونه، من أنه ليس فيه دليل على ربوبية عيسى عليه الصلاة والسلام وألوهيته، لأن جنس ذلك ثبت عن غيره. وقوله قبل ذلك: فأبطل بنزوله الموت والآثام، فسر الموت بأنه الخطيئة، بقوله: وكذلك أيضا الذين قتلوا حواريه وأحرقوا أسفاره غير خاطئين، إلى أن قال: منذ ذلك الدهر إلى هذا الوقت، يقتل ويسرق ويزني، لآخره. ففسر ما معنى الخطيئة بالعبارات بعدها، بأنها فسر الموت بأنه الخطيئة. وقوله: ووصف أنه الكاهن المؤيد الذي يشبه ملكي صادق، أشار المعلق إلى أن ملكي صادق هو عظيم من عظماء أحبار بني إسرائيل. وباقي الكلام ظاهر، والمراد منه ما سمعنا إلى هنا. والله تعالى عالم.