الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 109، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول النصارى بأن صفات الله متعددة ومتناقضة، ويرد على تمثيلهم لصفات الله بشعاع الشمس. يبين أن هذا التمثيل باطل وأن قولهم بالإله الواحد مع إثبات ثلاثة آلهة تناقض.
يتناول انتقاد معتقدات النصارى حول التثليث والتجسد، مشيرًا إلى تناقضات في أقوالهم حول طبيعة المسيح وعلاقته بالله. يشير إلى استحالة اتحاد اللاهوت بالناسوت وتجزئة الله وفقًا لعقيدتهم.
يناقش تناقض قول النصارى في الولادة والبنوة ويبين مخالفته للمعقول والمنقول عن الأنبياء. ينتقد فكرة التبعض والتجزئة في وصف عيسى عليه السلام واعتباره إلهًا بسبب بعض صفات الرب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل، وأما قولهم: كل صفة منها غير الأخرى، فهذا إن أرادوا به أن صفات الرب سبحانه وتعالى قد تباينه وتنفصل عنه، وهو حقيقة قولهم، ويقولون مع ذلك إنها متصلة به، فهو جمع بين النقيضين، وتمثيلهم بشعاع الشمس تمثيل باطل، وهو حجة عليهم لا لهم. فإن الشعاع القائم بالهواء والأرض والجبال والشجر والحيطان ليس هو قائمًا بذات الشمس، والقائم بذات الشمس ليس هو قائمًا بالهواء والأرض. فإن قالوا: بل ما يقوم به من العلم يفيض منه على قلوب الأنبياء علومًا، كما يفيض الشعاع من الشمس، قيل لهم: لا اختصاص للمسيح بهذا، بل هذا قدر مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء، وليس في هذا حلول ذات الرب، ولا صفته القائمة به بشيء من مخلوقاته، ولا أن العبد بما حل فيه من العلم والإيمان يصير إلهًا معبودًا. وإن أرادوا أنها قائمة به وتسمى كل واحدة غير الأخرى، فهنا نزاع لفظي: هل تسمى غيرًا أو لا تسمى غيرًا؟ فإن من الناس من يقول: كل صفة للرب عز وجل فهي غير الأخرى، ويقول الغيران: ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، أو ما جاز العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر. ومنهم من يقول: ليست هي الأخرى، ولا هي؛ لأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما مع عدم الآخر، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود. والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إذا قيل لهم: علم الله وكلام الله، هل هو غير الله أم لا؟ لم يطلق النفي ولا الإثبات؛ فإنه إذا قال: غيره، أوهم أنه مباين له، وإذا قال: ليس غيره، أوهم أنه هو. بل يستفصل السائل، فإن أراد بقوله غيره أنه مباين له منفصل عنه، وصفات الموصوف لا تكون مباينة له منفصلة عنه، وإن كان مخلوقًا فكيف بصفات الخالق؟ وإن أراد بالغير أنها ليست هيه، فليست الصفة هي الموصوف، فهي غيره بهذا الاعتبار. واسم الرب تعالى إذا أطلق يتناول الذات المقدسة بما يستحقه من صفات الكمال، فيمتنع وجود الذات عريًا عن صفات الكمال. فاسم الله يتناول الذات الموصوف بصفات الكمال، وهذه الصفات ليست زائدة على هذا المسمى، بل هي داخلة في المسمى، ولكنها زائدة على الذات المجردة التي تثبتها نفات الصفات. فأولئك لما زعموا أنه ذات مجردة، قال هؤلاء: بل الصفات زائدة على ما أثبتتموه من الذات. وأما في نفس الأمر، فليس هناك ذات مجردة تكون الصفات زائدة عليها، بل الرب تعالى هو الذات المقدس الموصوف بصفات الكمال، وصفاته داخل في مسمى أسمائه سبحانه وتعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. مرة معنا في فصل سابق إبطال هذا التمثيل لصفات الرب عز وجل بشعاع الشمس، ولكن كان ضمنًا، وهنا أورده في فصل خاص زيادة في الإيضاح والبيان لهذا المعنى، وهو ظاهر إن شاء الله. نعم، وأحد الإخوة سأل عن الجرس الماضي في قوله لما ذكر العدد نعم، نعم، لما قال: بأن الأربعة زوج والثلاثة فرد، إن كان ظاهرًا، لكن العلم بأن خمسمائة وثلاثة وأربعين نصف ألف وستة وثمانين، يريد رحمه الله بهذا أن بعض الأشياء قد تعلم إذا كانت سهلة، وبعضها قد يخفى إذا كان يحتاج إلى تفكر وتأمل. فكون الأربعة زوج والثلاثة فرد هذا معروف، أو قل: أن الستة زوج والثلاثة فرد، وأن الثلاثة نصف الستة هذا ظاهر، يعني ممكن أن يتصور بسهولة من دون احتياج إلى تأمل وتفكر وطول بحث ونظر، بخلاف أن خمسمائة وثلاثة وأربعين نصف ألف وستمائة أو ألف وستة وثمانين، فهذا يحتاج منك لحساب حتى تتأكد أن هذا الكلام صحيح أم لا. وكلما زاد العدد احتاج منك وقفة وتأمل أكثر في التثبت من كون هذا صحيح أو ليس بصحيح. فقوله: وهم اعترفون بأن من العرضيات ما يلزم بلا وسط العرضيات، كما قلنا الأوصاف كالعلم إلى آخره. وأما إذا كبر العدد فإنه يفتقر إلى دليل، وهذا الدليل قد يكون الحساب، والحساب يحتاج إلى نظر، ولهذا قال: وقد يفتقر إلى تأمل وفكر. هذا المعنى طيب. نعم، قال: فصل، وقولهم: فالإله واحد خالق واحد ورب واحد، هو حق في نفسه، لكن قضوه بقولهم في عقيدة إيمانهم: نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد إله حق من إله حق من جوهر أبيه مساوي الأب في الجوهر، فأثبتوا هنا إلهين، ثم أثبتوا روح القدس إلهًا ثالثًا، وقالوا: إنه مسجود له، وصاروا يثبتون ثلاثة آلهة، ويقولون: إنما نثبت إلهًا واحدًا، وهو تناقض ظاهر، وجمع بين النقيضين بين الإثبات والنفي. ولهذا قال: طائفة من العقلاء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى، وذلك أن الذين وضعوها لم تصوروا ما قالوا، بل تكلموا بجهل، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين. ولهذا قال بعضهم: لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولًا. ولقال آخر: لو سألت بعض النصارى وأمرته وابنه عن توحيدهم، وامرأته، لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم، لقال الرجل قولًا، وامرأته قولًا آخر، وابنه قولًا ثالثًا. هذا كذلك ظاهر. نعم، قال: فصل، وقولهم: لا يتبعض ولا يتجزأ، مناقض لما ذكروه في أمانتهم ولما يمثلونه به؛ فإنه يمثلونه بشعاع الشمس، والشعاع يتبعض يتجزأ. فإنما يقوم منه بهذا الموضع بعض وجزء منه، ويمكن زوال بعضه مع بقاء بعض؛ فإنه إذا وضع على مطرح الشعاع شيء فصل ما بين جانبيه، وصار الشعاع الذي كان بينهما على ذلك الفوقان فاصلًا بين الشعاعين السافلين. يبين ذلك أن الشعاع قائم بالأرض والهواء، وكل منهما متجزء متبعض، وما قام بالمتبعض هو متبعض؛ فإن الحال يتبع المحل، وذلك يستلزم التبعض والتجزء فيما قام به. ويقولون أيضًا: إنه اتحد بالمسيح، وإنه صعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب. وعندهم أن اللهوت منذ اتحد بالناسوت لم يفارقه، بل لما صعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب كان الصاعد عندهم هو المسيح الذي هو ناسوت ولاهوت إله تام وإنسان تام. فهم لا يقولون: إن الجالس عن يمين الأب هو الناسوت فقط، بل اللاهوت المتحد بالناسوت جلس عن يمين اللاهوت. فأي تبعيض وتجزي أبلغ من هذا؟ وليس هذا من كلام الأنبياء حتى يقال: إن له معنى لا نفهمه، بل ومن كلام أكابرهم الذي وضعوه وجعلوه عقيدة إيمانهم. فإن كانوا تكلموا بما لا يعقلونه فهم جهال لا يجوز أن يتبعوا، وإن كانوا يعقلون ما قالوه فلا يعقل أحد من كون اللاهوت المتحد بالناسوت جلس عن يمين اللاهوت المجرد عن الاتحاد، إلا أن هذا اللاهوت المجرد منفصل مباين للاهوت المتحد، وليس هو متصلًا به، بل غايته أن يكون مماسًا له. بل يجب أن يكون الذي يماس اللاهوت المجرد هو الناسوت مع اللاهوت المتحد به، فهذا حقيقة التبعيض والتجزئة مع انفصال أحد البعضين عن الآخر. وأيضًا فيقال لهم: المتحد بالمسيح أهو ذات رب العالمين أم صفة من صفاته؟ فإن كان هو الذات فهو الأب نفسه، ويكون المسيح هو الأب نفسه، وهذا مما اتفق النصارى على بطلانه؛ فإنهم يقولون: هو الله وهو ابن الله، كما حكى الله عنهم، ولا يقولون: هو الأب والابن، والأب عندهم هو الله. وهذا من تناقضهم. وإن قالوا: المتحد بالمسيح صفة الرب، وصفة الرب لا تفارقه، ولا يمكن اتحادها ولا حلولها في شيء دون الذات. وأيضًا فالصفة نفسها ليست هي الإله الخالق رب العالمين، بل هي صفته، ولا يقول عاقل: إن كلام الله أو علم الله أو حياة الله هي رب العالمين الذي خلق السماوات والأرض. فلو قدر أن المسيح هو صفة الله نفسها لم يكن هو الله، ولم يكن هو رب العالمين، ولا خالق السماوات والأرض، والنصارى يقولون: إن المسيح رب العالمين خالق كل شيء، وهو خالق آدم ومريم، وإن كان ابن آدم ومريم، فإنه خالق ذلك بلهوته، وهو ابن آدم ومريم بناسوته. فلو قدر أن المسيح وصفة الرب لم تكن الصفة هي القالق، فكيف والمسيح ليس هو صفة الله نفسها، بل هو مخلوق بكلمة الله، وسمي كلمة الله؛ لأن الله كونه بكن. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: 34-35]، وسماه روحه؛ لأنه خلقه من نفح روح القدس في أمه، لم يخلق كما خلق غيره من أب. قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 45-47]. وإن قالوا: المتحد به بعض ذلك دون بعض، فقد قالوا بالتبعيض والتجزية، فهم بين أمرين: إما بطلان مذهبهم، وإما اعترافهم بالتبعيض والتجزية مع بطلانه. وأيضًا فقوﻟﻬﻢ: «إله حق من إله حق من جوهر أبيه مولود غير مخلوق مساو للأب في الجوهر ابن الله الوحيد المولود قبل كل الدهور»، يقال لهم: هذا الابن المولود المساوي للأب في الجوهر الذي إله حق من إله حق، هل هو صفة قائمة بغيرها أو عين قائمة بنفسها؟ فإن كان الأول فالصفة ليست إلهًا، ولا هي خالقة، ولا يقال لها مولود من الله، ولا أنها مساوية لله في الجوهر، ولم يسم أحد من الأنبياء ولا أتباع الأنبياء صفات الله لا ابنًا له ولا ولدًا، ولا قال: إن صفة الله تولدت منه، ولا قال عاقل: إن الصفة القديمة تولدت من الذات القديمة. وهم يقولون: إن المسيح إله خلق السماوات والأرض لاتحاد ناسوته بهذا الابن المولود قبل كل الدهور المساوي الأب في الجوهر. وأذا كله نعت عين قائمة بنفسها كالجواهر القائمة بنفسها، لا نعت صفات قائمة بغيرها. وإذا كان كذلك كان التبعيض والتجزئة لازمة لقولهم؛ فإن القول بالولادة الطبيعية مستلزم لأن يكون خرج منه جزء. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدً، وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوْ مَنْ يُنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 9-19]. وأما هذا المعنى الذي يثبته من يثبته من علماء النصارى، ويسمونه ولادة وبنوة، فيسمونه الصفة القديمة الأزلية القائمة بالموصوف ابنًا، ويسمونها تارة النطق، وتارة الكلمة، وتارة العلم، وتارة الحكمة، ويقولون: هذا مولود من الله وابن الله، فهذا لم يقوله أحد من الأنبياء وأتباعهم، ولا من سائر العقلاء غير هؤلاء المبتدعة من النصارى. ولا يفهم أحد من العقلاء من اسم الولادة والبنوة هذا المعنى. والأنبياء لم يطلقوا لفظ الإبن إلا على مخلوق. وهم يقولون: هو أب للمسيح بالطبع، ولغيره بالوضع، فلا يعقل جمهور العقلاء وغيرهم من هذا المعنى إلا البنوة المعقولة بانفصال جزء من الوالد، وهذا ينكره من ينكره من علمائهم. لكنهم لم يتبعوا الأنبياء، ولم يقولوا ما تعقله العقلاء، فظلوا فيما نقلوه عن الأنبياء، وظلوا أتباعهم فيما قالوه. وعوامهم وإن كانوا لا يقولون: إن ولادة الله مثل ولادة الحيوان بانفصال شيء يوجد، فيقولون: ولادة لهوتية بانفصال جزء من لهوت حل في الناسوت، لا يعقل من ولادة غير هذا. وأيضًا فقوﻟﻬﻢ: «ونؤمن بروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب الذي هو مع الأب مسجود له وممجد ناطق في الأنبياء»، فقوﻟﻬﻢ: «المنبثق من الأب الذي هو مع الأب مسجود له وممجد»، يمتنع أن يقال هذا في حياة الرب القائم به؛ فإنها ليست بثق منه كسائر الصفات؛ إذ لو كان القائم بنفسه منبثقًا لكان علمه وقدرته وسائر صفاته منبثقًا منه. بل الإنبثاق في الكلام أظهر منه في الحياة؛ فإن الكلام يخرج من المتكلم، وأما الحياة فلا تخرج من الحي. فلو كان في الصفات ما هو منبثق لكان الصفة التي يسمونها الإبن ويقولون: هي العلم والكلام أو النطق والحكمة، أولى بأن تكون منبثقة من الحياة التي هي أبعد عن ذلك من الكلام. وقد قالوا أيضًا: إنه مع الأب مسجود له ممجد. والصفة القائمة بالرب ليست معه مسجود لها. وقالوا: هو ناطق في الأنبياء. وصفة الرب القائمة به لا تنطق في الأنبياء، بل هذا كله صفة روح القدس الذي يجعله الله في قلوب الأنبياء، أو صفة ملك من الملائكة كجبريل. فإن كان هذا منبثقًا من الأب، والانبثاق الخروج، فأي تبعيض وتجزي أبلغ من هذا؟ وإذا شبهوه بانبثاق الشعاع من الشمس، كان هذا باطلًا من وجوه؛ منها أن الشعاع عرض قائم بالهواء والأرض، وليس جوهرًا قائمًا بنفسه، وهذا عندهم حي مسجود له، وهو جوهر. ومنها أن ذلك الشعاع القائم بالهواء والأرض ليس صفة للشمس، ولا قائمًا بها. وحياة الرب صفة قائمة به. ومنها أن الانبثاق خصوا به روح القدس، ولم يقولوا في الكلمة: إنها منبثقة، والانبثاق لو كان حقًا لكان بالكلمة أشبه منه بالحياة. وكلما تدبر العاقل كلامهم في الأمانة وغيرها، ووجد فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى إلا على أجهل العباد، ووجد فيه من مناقضته التوراة والإنجيل وسائر كتب الله ما لا يخفى لمن تدبر هذا وهذا، ووجد فيه من مناقضة صريح المعقول ما لا يخفى إلا على معاند أو جهول. فقولهم متناقض في نفسه، مخالف لصريح المعقول، وصحيح المنقول عن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين. وهذا كذلك تتم لما سبق، وهو ظاهر كما ترون. وفي ثناياه استطرادات هي كزيادة توضيح لهذا القول الباطل. فخلاصته زعمهم أن الصفة تصير عينًا، هذا شيء مخالف للمعقول، وكذلك المنقول، يعني الكتب المنزلة من عند الله، والعلم الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فليس شيء يعرف لا من صفات الرب، ولا من صفات المخلوقين من الأوصاف أنها تقوم بنفسها، فضلًا أن تنتقل أو ينتقل بعضها إلى أعيان فتكسبه معنى عين الأصل كما يزعمون. فهم يزعمون أن صفة الرب حلت في عيسى، فصار في عيسى من صفة الرب ما يجعله إلهًا بهذا المعنى. وهذا كما قلنا أشبه ما يكون بخيالات الفلاسفة التي لها معنى في الأذهان، ولكن ليس لها حقيقة في الوجود؛ فالذهن يسترسل في الخواطر والأفكار بما لا منتهى له، لكن هل يلزم من هذا الاسترسال أن يكون له معنى في الوجود؟ الجواب: لا. فلو أن إنسان استرسل أن صفة من الصفات ممكن أن توجد في الوجود كعين، هذا ممكن في الذهن؛ في الذهن ممكن الذهن ما يمنعه شيء يتصور تصورات لا حقيقة لها، لكن هل له وجود في الواقع؟ هل له نظير ووجود؟ جواب: لا. فكذلك هذا الذي ذكره. ومسألة التناقض ظاهرة؛ فزعمهم أنه لا يتبعض ولا يتجزأ، بيّنه المؤلف رحمه الله: أن هذا كذب، فهم أشد الناس قولًا بالتبعيض والتجزأ. وماذا بعد التبعض والتجزأ إذا لم يكن في مثل قولهم: أن عيسى فيه بعض صفة الرب جعلته إلهًا؟ هذا عين التبعيض، وعين التجزأ. طيب، إلى هنا إن شاء الله.