الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 93

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 93

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 93، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتقاد فكرة التثليث عند النصارى وتوضيح تناقضها مع العقل

يناقش انتقاد فكرة التثليث عند النصارى ويبين تناقضها مع العقل والفطرة الإنسانية. يظهر عدم وجود دليل على التثليث في الكتب الإلهية.

تشابه أقوال اليهود والنصارى مع بعض الفرق الإسلامية في الغلو

يتناول تشابه أقوال اليهود والنصارى مع بعض الفرق الإسلامية في الغلو والتطرف. يشير إلى رفض بعضهم للعقل والنقل وتقليدهم لشيوخهم.

تفصيل انتقاد ادعاءات النصارى حول التثليث وعدم صحة استدلالهم

يناقش ادعاءات النصارى حول التثليث ويبين عدم صحة استدلالهم العقلي وتناقضهم في تفسير الأقانيم. يشير إلى أن أصل قولهم لم يكن نتيجة استدلال عقلي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: كتاب الجواب الصحيح من بدل دين المسيح، فصل. قال الحاكي عنه: فقلت: إنهم ينكرون علينا في قولنا: أب وابن وروح قدس، وأيضا في قولنا: إنهم ثلاثة أقانيم، وأيضا في قولنا: إن المسيح رب وإله وخالق، وأيضا يطلبون منا إضاحة تجزيد تجزيد تجسم كلمة الله الخالق بإنسان مخلوق. أجابوا قائلين: لو علموا قولنا هذا إنما نريد به القول الذي يعني أن الله شيء حي ناطق، لم أنكروا علينا ذلك؛ لأننا معشر النصارى لما رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئا غيرها أحدثها، إذ لا يمكن حدوثها من ذواتها لما فيها من التضاد والتقلب. فقلنا: إنه شيء لا كالأشياء المخلوقة، إذ هو الخالق لكل شيء، وذلك لننفي عنه العدم. ورأينا الأشياء المخلوقة تنقسم قسمين: شيء حي وشيء غير حي، فوصفناه بأجملها، فقلنا: هو شيء حي؛ إن ننفي الموت عنه. ورأينا الحي ينقسم قسمين: حي ناطق، وحي غير ناطق، فوصفناه بأفضلهما، فقلنا: هو شيء حي ناطق؛ إن ننفي الجهل عنه. والثلاثة أسماء وهي إله واحد، مسمى واحد، ورب واحد، خالق واحد، شيء حي ناطق، أي: الذات والنطق والحياة. فالذات عندنا الأب الذي هو ابتداء الاثنين، والنطق الإبن الذي هو مولود منه لولادة النطق من العقل، والحياة روح القدس. وهذه أسماء لم نسمها نحن بها. والجواب من وجوه: أحدها قولهم: أما قولنا أب وابن وروح قدس، فلو علموا قولنا هذا إنما نريد به تصحيح القول بأن الله حي ناطق، لما أنكروا ذلك علينا. فيقال: ليس الأمر كما ادعوه؛ فإن النصارى يقولون: إن هذا القول تلقوه عن الإنجيل، وإن في الإنجيل عن المسيح صلوات الله عليه وسلامه أنه قال: «عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس». فكان أصل قولهم هو ما يذكرونه من أنه متلقى من شرع المنزل، لا أنهم أثبتوا الحياة والنطق بمعقولهم، ثم عبروا عنها بهذه العبارات كما ادعوه في مناظرتهم. ولو كان الأمر كذلك لما احتاج إلى هذه العبارة، ولا إلى جعل الأقانيم ثلاثة. بل معلوم عندهم وعند سائر أهل الملل أن الله موجود حي عليم قدير متكلم، لا تختص صفاته بثلاثة، ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك، وهو لفظ الأب والابن وروح القدس؛ فإن هذه الألفاظ لا تدل على ما فسروها به في لغة أحد من الأمم، ولا يوجد في كلام أحد من الأنبياء أنه عبر بهذه الألفاظ عما ذكروه من المعاني. بل إثبات ما ادعوه من التثليث والتعبير عنه بهذه الألفاظ، ومما ابتدعوه لم يدل عليه لا شرع ولا عقل، وهم يدعون أن التثليث والحلول والاتحاد إنما صاروا إليه من جهة الشرع، وهو نصوص الأنبياء والكتب المنزلة، لا من جهة العقل. وزعموا أن الكتب الإلهية نطقت بذلك، ثم تكلفوا لما ظنوه مدلول الكتاب طريقا عقلية، فسروه بها تفسيرا ظنوه جائزا في العقل. ولهذا نجد النصارى لا يلجأون في التثليث والاتحاد إلا إلى الشرع والكتب، وهم يجدون نفرة عقولهم وقلوبهم عن التثليث والاتحاد والحلول؛ فإن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وما جعله الله في قلوب الناس من المعارف العقلية التي قد يسمونها ناموسا عقليا طبيعيا، يدفع ذلك وينفيه وينفر عنه. ولكن يزعمون أن الكتب الإلهية جاءت بذلك، وأن ذلك أمر يفوق العقل، وأن هذا الكلام من طور وراء طور العقل، فينقلونه لظنهم أن الكتب الإلهية أخبرت به، لا لأن العقول دلت عليه. مع أنه ليس في الكتب الإلهية ما يدل على ذلك، بل فيها ما يدل على نقيضه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ولا يميزون بين ما يحيله العقل ويبطله ويعلم أنه ممتنع، وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه ولا يحكم فيه بنفي ولا إثبات، وأن الرسل أخبرت بالنوع الثاني، ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأول. فلم يفرق بين محالات العقول ومحارات العقول. وقضاه في ذلك من قبله من المشركين الذين جعلوا لله ولدا شريكا. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقضاياهم في ذلك أهل البدع والظلال المشبهون لهم من المنتسبين إلى الإسلام، الذين يقولون: نحن نحو قولهم من الغلو في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ وغيرهم، ومن يدعي الوحدة أو الحلول أو الاتحاد القاص المعين، كدعوى النصارى، ودعوى الغالية من الشيعة في علي، وطائفة من أهل البيت كالنصيرية ونحوهم ممن يدعي إلهية علي، وكدعوى بعض الإسماعيلية الإلهية في الحاكم وغيره من بني عبد الله من ميمون القداح المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر. ودعوى كثير من الناس نحو ذلك في بعض الشيخ إما المعروفين بالصلاح، وإما من يظن به الصلاح وليس من أهله. فإن لهم أقوالا من جنس أقوال النصارى، وبعضها شر من أقوال النصارى. وعامة هؤلاء إذا خوطبوا ببيان فساد قولهم، قالوا من جنس قول النصارى: «هذا أمر فوق العقل». ويقول بعضهم ما كان يقوله التلمساني لشيخ أهل الوحدة: «يقول ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح النقل». ويقولون لمن أراد أن يسلك سبيلهم: «دعي العقل والنقل، واخرج من العقل والنقل». وينشدون فيهم: «مجانين إلا إن سر جنونهم عزيز على أقدامه يسجد العقل». هم معشر حلوا النظام، وخرقوا السياج، فلا فرض لديهم ولا نقل. وهؤلاء مقلدون لمشايخهم، متابعون لهم فيما يخرجون به عن شريعة الرسول، وما ابتدعوه مما لم يأذن به الله باتخاذ البدع عبادات، واستحلال المحرمات. وتقليد بعض النصارى لشيوخهم. وإذا اعترض على أحد منهم، يقولون: «الشيخ يسلم له حاله، يسلم له حاله». ولا يعترض عليه، كما يقول النصارى لشيوخهم. ومن هؤلاء من يقول: «نحن أولاد الله». ويقول: «المسيح هو ولد الله». وينطق أيضا برفض الشهوة، فيقول: «إنهم أولاد شهوة». ويقول: «إنه زوج مريم»، كما يقول ذلك من يقوله من النصارى. وغاية ما عندهم أنهم يحكون عن شيوخهم نوعا من خرق العادات، قد يكون كذبا، وقد يكون صدقا. وإذا كانوا صدقا، فقد يكون من أحوال أولياء الشيطان كالسحرة والكهان، وقد يكون من أحوال أولياء الرحمن. وإذا كانت من أحوال أولياء الرحمن، لم يكن في ذلك ما يوجب تقليد الولي في كل ما يقوله؛ إذ الولي لا يجب أن يكون معصوما، ولا يجب اتباعه في كل ما يقوله. وإنما هذا من خصائص الأنبياء الذين يجب الإيمان بكل ما يقولونه، فيجب تصديقهم في كل ما يخبرون به من الغيب، وطاعتهم فيما أوجبوه على الأمم. ومن كفر بشيء مما جاءوا به فهو كافر، ومن سب نبيا واحدا وجب قتله. وليس هذا لغير الأنبياء من الصالحين. فهؤلاء المبتدعة الغلات المشركون القائلون بنوع من الحلول، هم مظاهئون للنصارى بقدر ما شابهوهم فيه، وخالفوا فيه دين المسلمين. ومنهم من تكون موافقته لدين المسلمين أكثر. وأما الغلات منهم، فموافقتهم للنصارى أكثر. ومنهم من هو أكبر من النصارى. ولما كان مستند النصارى وما ينقلونه إما عن الأنبياء، وإما عن غيرهم ممن يوجبون اتباعه، كانوا إذا أوردوا على علمائهم ما يطعن في امتناع ذلك، قالوا: «هكذا في الكتاب، وبهذا نطق الكتاب». وهذه الكتب جاءت بها الرسل، يعنون المؤيدين بالمعجزات، ويعنون بالرسل الحواريين. فاعتصامهم بهم إنما هو لما ظنوه مذكورا في الكتب الإلهية. وإن رأوه مخالفا لصريح المعقول. ولهذا ينهون جمهورهم عن البحث والمناظرة في ذلك، لعلمهم بأن العقل الصريح متى تصور دينهم علم أنه باطل. فدعوى المدعين أن إنما قلنا: أب وابن وروح قدس لتصحيح القول بأن الله حي ناطق، كذب ظاهر، وهم يعلمون أنه كذب. وتصحيح القول بأن الله حي متكلم لا يقف على هذه العبارة، بل يمكنه تصحيح ذلك بالأدلة الشرعية والسمعية والعقلية، والتعبير عنه بالعبارات البينة، كما يقوله المسلمون وغيرهم بدون قولنا: أب وابن وروح قدس. ومما يبين ذلك الوجه الثاني، وهو أن النصارى المقرين بأن هذه العبارة في الإنجيل المأخوذ عن المسيح، مختلفون في تفسير هذا الكلام. فكثير منهم يقول: الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة. ومنهم من يقول: بل الأب هو الوجود، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو القدرة. وبعضهم يقول: إن الأقانيم الثلاثة: جواد، حكيم، قادر. فيجعل الأب هو الجواد، والابن هو الحكيم، وروح القدس هو القادر. ويزعمون أن جميع الصفات تدخل تحت هذه الثلاثة. ويقولون: إن نسلل على وجوده بإخراجه الأشياء من العدم إلى الوجود، وذلك من جوده. وقد رأيت في كتب النصارى هذا وهذا وهذا. ومنهم من يعبر عن الكلمة بالعلم، فيقولون: موجود حي عالم، أو موجود عالم قادر، كما يقول بعضهم ناطق. ومنهم من يقول: موجود حي حكيم. ومنهم من يقول: قائم بنفسه حي حكيم. وهم متفقون على أن المتحد بالمسيح والحال فيه هو أقنوم الكلمة، وهو الذي يسمونه الإبن دون الأب. ومن أنكر الحلول والاتحاد منهم، كالأريوسية، يقول: إن المسيح عليه السلام عبد مرسل كسائر رسل صلوات الله عليهم وسلامه. فوافقهم على لفظ الأب والإبن وروح القدس، ولا يفسر ذلك بما يقوله منازعه من الحلول والاتحاد. كما أن النصطورية يوافقونهم أيضا على هذا اللفظ، وينازعونهم في الاتحاد الذي يقوله العقوبية والملكية. فإذا كانوا متفقين على اللفظ، متنازعين في معناه، علم أنهم صدقوا أولا باللفظ لأجل اعتقادهم مجيء الشرع به، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسير الكتاب، كما يختلفون مع سائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن الأنبياء عليهم السلام. وعلم بذلك أن أصل قولهم الأب والإبن وروح القدس لم يكن لأجل تصريح القول لأن الله موجود حي ناطق، الذي علموه أولا بالعقل. يوضح هذا الوجه الثالث، وهو قولهم: إن لما رأينا حدوث الأشياء علمنا أن شيئا غيرها أحدثها. إن كان المتكلم بهذا طائفة معين من النصارى، فيقال لهؤلاء: القول بالأب والإبن وروح القدس موجود عند النصارى قبل وجودكم، وقبل نظركم هذا واستدلالكم، فلا يجوز أن يكون نظركم هو الموجب بقول النصارى هذا. وإن كان المراد به أن جميع النصارى من حين قالوا هذا الكلام نظروا واستدلوا حتى قالوا ذلك، فهذا كذب بين؛ فإن هذا الكلام يقول النصارى: إنهم تلقوه من الإنجيل، وأن المسيح عليه السلام قال: «عمدوا الناس باسم الأب والإبن وروح القدس». والمسيح والحواريون لم يأمروهم بهذا النظر الموجب لهذا القول، ولا جعل المسيح هذا القول موقوفا عندهم على هذا البحث. فعلم أن جعلهم هذا القول ناشئا عن هذا البحث قول باطل، يعلمون بطلانه. الوجه الرابع: إن هذا القول حسب بارق الله ذكر رحمه الله هذه الأوجه الثلاثة في الجواب على هذه الدعوة في قضية التثليث، وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان فيها بأن هذه الدعوة التي ادعوها، وهي دعوة لطائفة من النصارى التي تدعي أنها تنافح عن دين النصارى وعقيدتهم بالأمور العقلية. ولذلك فروا مما عليه أكثر النصارى من أن مبنى هذا القول وهذه العقيدة هو ما تلقوه من الإنجيل فيما زعمه المنسوب إلى عيسى عليه الصلاة والسلام. ففروا من ذاك المعنى الذي يوجب التناقض ويظهر ضعف القول إلى هذا المعقول المذكور. وبين شيخ الإسلام بهذه الأوجه الثلاثة رحمه الله أولا: أن هذا ليس بصحيح، فليس كل النصارى يقولون ما يقوله هؤلاء. وثانيا: أن هذا الذي ادعوه ليس بصحيح كذلك؛ لأن مسألة إثبات الخالق الحي المدبر للأشياء لا يستلزم القول بالتثليث. وهذا لو تأمله الإنسان وجده ظاهر المعنى، ولكن هو تعلق بشيء معقول مقبول في شيء لا علاقة له به؛ لأجل أن يحصل به التلبيس بأن يخلط مع الباطل شيء من الحق، فيظن السامع لهذه المقالة أن هذا الحق يقتضي أن كل القول حق. وهذا ليس بصحيح؛ فإنه لا علاقة بين هذا الحق الذي تقر به كل الأمم ممن آمن بالله عز وجل، وهو إثبات الحياة في الخالق المدبر لهذه المخلوقات، مع قضية التثليث، وزعم أن عيسى عليه الصلاة والسلام إله. فرارا كما زعموا أن ينسب الإله إلى معنى الجماد، وهذا غير صحيح وباطل، وهو مناف لعقيدة التوحيد الذي دلت عليها رسالات الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومنهم عيسى عليه الصلاة والسلام. وباقي الكلام الذي ذكره ظاهر وواضح، وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان في الأوجه الآتية. وأما ما ذكره عن فرق النصارى، يعني اختلافهم في قضية التثليث بين إثبات معنى الحلول والجمع ونفيه، فسيأتي إن شاء الله زيادة بيان له في تتمة هذا البحث. طيب لهنا والله تعالى عالم.