الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 61، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ تفسير آية يونس ويوضح المراد بأهل الكتاب، ويبين أن الخطاب ليس دليلا على شك النبي. يستدل على ذلك بآيات قرآنية متعددة ويبرز شهادات أهل الكتاب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
يذكر النص حكمة سؤال أهل الكتاب عن رسل الله السابقين، ويتضمن تفاصيل حول اعتراضات الكفار على إرسال البشر كرسل وردود القرآن عليها. كما يبرز شهادات أهل الكتاب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
يتناول الرد على استدلال النصارى بآية الشك ويوضح أن الآية لا تدل على شك النبي. كما يشير إلى معرفة اليهود والنصارى بنبوة الرسول ومع ذلك كفروا به، ويبين أن اليهود أكثر علما من النصارى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قالوا: وقال أيضا: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾. فيقال لهم: من المعلوم بالاضطرار أنه ليس المراد بهذا النصارى فقط، كما تقدم، بل اليهود يقرؤون الكتاب من قبلنا، والنصارى يقرؤون الكتاب من قبلنا، والكتاب اسم جنس، كما تقدم نظائره في قوله: ﴿أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾، وقوله: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾، وقوله: ﴿يا أهل الكتاب﴾ في غير موضع، وقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾، وقوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام﴾. ومختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب. فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد. وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا﴾. وتناول لفظ أهل الكتاب هنا لليهود، وأظهر من تناوله للنصارى لذكره لعنة أصحاب السبت. وكذلك قوله تعالى: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾، فهذا خبر عن طائفة من اليهود، قالوا ذلك. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾، وسبب نزولها أنه أراد طائفة من اليهود إلقاء الفتنة بين المسلمين، فهم داخلون قطعا، وإن كان الخطاب مطلقا يتناول الطائفتين. وأمره تعالى بسؤال الذين يقرؤون الكتاب من قبله على تقدير الشك لا يقتضي أن يكون الرسول شكا ولا سأل، إن قيل: الخطاب له، وإن قيل: لغيره، فهو أولى وأحرى، فإن تعليق الحكم بالشرط لا يدل على تحقيق الشرط، بل قد يعلق بشرط ممتنع لبيان حكمه. قال تعالى: ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل وإليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾، فأخبر أنهم لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، مع انتفاء الشرك عنهم، بل مع امتناعه، لأنهم قد ماتوا، لأن الأنبياء معصومون من الشرك به. وقال تعالى: ﴿قل غير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾، فهذا خطاب للجميع، وذكر هنا لفظ "إن" لأنه خطاب لموجود، وهناك خبر عن ميت. وكذلك قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل﴾ لا يدل على وقوع الشك ولا السؤال، بل النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا ولا سأل أحدا منهم. بل روي عنه أنه قال: "والله لا أشك ولا أسأل". ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾. وقال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمنتم واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. وقال تعالى: ﴿أولم يكن لهم آية أن يعلموا علماء بني إسرائيل﴾. وقال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبلهم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾. وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾. وقال تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾. وقال تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك﴾. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وقال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾. فالمقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون، وذلك من وجوه: أحدها أن الكتب المتقدمة تنطق بأن موسى وغيره دعوا إلى عبادة الله وحده، ونهوا عن الشرك، فكان في هذا حجة على من ظن أن الشرك دين. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾. وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. وقوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. فمنهم من هدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. الوجه الثاني: أن أهل الكتاب يعلمون أن الله إنما أرسل إلى الناس بشرا مثلهم، لم يرسل إليهم ملكا. فإن من الكفار من كان يزعم أن الله لا يرسل إلا ملكا، أو بشرا معه ملك، ويتعجبون من إرسال بشر ليس معه ملك. وذلك كما قال تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم﴾. إلى أن قال: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾. وقال تعالى: ﴿كذبت ثمود المرسلين فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر وكذلك قال الذين من بعدهم﴾. وقال تعالى: ﴿ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون﴾. وكذلك قال قوم فرعون لموسى وهارون: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون﴾. وقال فرعون: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾. وكذلك قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: ﴿أكفرتم قبل أن تؤمنوا به قالوا إنا كنا كافرين قالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر﴾. إلى قوله: ﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون﴾. فبين سبحانه أنكم لا تطيقون التلقي عن الملك، فلو أنزلناه ملكا لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ كنتم تظنونه بشرا، فيحصل اللبس عليكم. فأمر الله تعالى بسؤال أهل الكتاب عمن أرسل إليهم، أكان بشرا أم كان ملكا، ليقيم الحجة بذلك على من أنكر إرسال بشر. كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام، وما كانوا خالدين. ثم أصبناهم بالعذاب، فمنهم من أهلكناه، ومنهم من نجيناه. والوجه الثالث: أنهم يسألون أهل الكتاب عما جرى للرسل مع أممهم، وكيف كان عاقبة المؤمنين بهم، وعاقبة المكذبين لهم. والوجه الرابع: يسألون أهل الكتاب عن الدين الذي بعث الله به رسله، وهو دين الإسلام الذي اتفقت عليه الرسل، كالأمر بالتوحيد، والصدق، والعدل، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والنهي عن الشرك، والظلم، والفواحش. والوجه الخامس: يسألونهم عما وصفت به الرسل ربهم، هل هو موافق لما وصفه به محمد أم لا. وهذه الأمور المسؤول عنها متواترة عند أهل الكتاب، معلومة لهم، ليست مما يشكون فيه. وليس إذا كان مثل هذا معلوما لهم بالتواتر فيسألون عنه يجب أن يكون كل ما يقولونه معلوما لهم بالتواتر. وأيضا: فإنهم يسألون أيضا عما عندهم من الشهادات والبشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر الله بذلك في القرآن. وقال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾. وقال تعالى: ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين﴾. فقد أخبر عن عيسى أنه صدق بالرسول والكتاب الذي قبله، وهو التوراة، وبشر بالرسول الذي يأتي بعده، وهو أحمد. قال تعالى: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون﴾. إلى قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾. وقال تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وإنه لفي زبر الأولين أولم يكن لهم آية أن يعلموا علماء بني إسرائيل﴾. وقال تعالى عن من أثنى عليه من النصارى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل للرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا﴾. وقال تعالى: ﴿قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾. وقال تعالى: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين﴾. وقال تعالى: ﴿ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبلهم هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون﴾. وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾. وقال تعالى: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾. والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم. وكان قبل أن يبعث النبي تجري حروب وقتال بين العرب وبين أهل الكتاب، وتقول أهل الكتاب: قد قرب مبعث هذا النبي الأمي الذي يبعث بدين إبراهيم، فإذا ظهر اتبعناه وقتلناهم معه شر قتلة. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان منهم من آمن به، ومنهم من كفر به. فقال تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون﴾ أي يستنصرون بمحمد صلى الله عليه وسلم على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب أهل الكتاب يقول لهم: "والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله". وكذلك من أسنى منهم كعبد الله بن سلام كان يقول لغيرهم من أهل الكتاب: "والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله". وهذا أمر معروف في الأحاديث الصحاح المخرج في الصحيحين وغيرهما. فظهر بما ذكرناه تحريف هؤلاء لكلام الله، وأنه لا حجة لهم فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. كما تقدم نظائر ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الفصل كذلك جعله رحمه الله في الرد على شبهة أخرى من شبه النصارى، وهو استدلالهم بهذه الآية، وقد رد عليها من هذه الأوجه الخمسة التي سمعناها. وخلاصتها: أنه لا حجة لهم في هذه الآية، ولا في غيرها من أمثالها، بل هي حجة عليهم. أولا لما تقدم من أن الخطاب عام يشمل اليهود والنصارى، والنصارى لا يصححون ما عليه اليهود، بل هم من أعداء اليهود، فما كان جوابا في إخراج اليهود من هذا العموم، فهو جواب كذلك في إخراج النصارى. وهكذا ما ذكره رحمه الله تعالى في هذا المعنى. فالقوم مقصودهم فقط هو الاستدلال بالباطل وبالمشتبه. وهذه طريقة أهل الباطل، كما أخبر ربنا جل وعلا. وأما قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ كما أشار رحمه الله، ليس فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام في شك، ولكن هو تأكيد لإثبات اليقين. فالخطاب لقومه ولأتباعه ومخالفيه، بأن برهان صدقه عليه الصلاة والسلام موجود عند أهل الكتاب، وهم يعلمون ذلك تمام العلم. وقد تقدم معنا قريبا في كتاب صور التفسير كلام أهل العلم في هذه الآية، وأشار المعلق إلى بعض ذلك. وأما الأثر الذي ذكره: "والله لا أشك ولا أسأل" فهو ضعيف، روي عن قتادة مرسلا، ولا يصح. والخطاب لا يدل على ذلك أصلا. فليس الخطاب معناه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسؤال إن كان عنده شك. فالنبي عليه الصلاة والسلام ليس عنده شك أصلا. ولكن المعنى هو كما تقدم: إقامة الحجة على المخالفين، بأن ما بعث به عليه الصلاة والسلام حق وصدق، وبرهان ذلك فيما جاء عند أهل الكتاب. فقد أخبروا بوصفه عليه الصلاة والسلام جملة وتفصيلا: جملة برسالته ونبوته، وتفصيلا بذكر شيء من صفاته وشريعته. ومن ذلك ما أشار إليه من التوجه إلى الكعبة، فإن ذلك مما ذكر في صفة النبي عليه الصلاة والسلام. حتى قال بعض اليهود: وصدق أنه لو لم يتوجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الكعبة ولم ينسخ القبلة لعلمنا أنه ليس الرسول الذي بشر به. لما علموا فيما أنزل عليهم أن من صفات الرسول الذي بشر به أنه يتوجه إلى قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إلى الكعبة. وكل ما عند اليهود، وما عند النصارى هو حجة عليهم في أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرت صفاته جملة وتفصيلا عندهم، بما يستوجب الإيمان به عليه الصلاة والسلام. فصار في الحقيقة الاستدلال بالآية ليس فيه حجة لهم أبدا، لا من قريب ولا من بعيد، بل صار فيه حجة عليهم، إذ يلزمهم الإيمان به كما قد أخبروا به عليه الصلاة والسلام فيما أنزل عليهم، وهم يعلمون ذلك تمام العلم. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم كما في الحديث الذي أصله في الصحيح في حديث أنس وغيره: "والله إنكم لتعلمون أو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله" يعني عبد الله بن سلام، يقول ذلك، وهو يقول عليه الصلاة والسلام: "والله إني لرسول الله". كما قال لليهودي حين سأله: أما أخبرت؟ أما أعلمت أني رسول الله؟ وذكر من صفته عندهم، فأقر اليهودي أن كل الصفات تحققت، ولكن زعم تخلف صفة وهي أنه أخبروا بأن معه سبعين ألفا، ولم يروا مع النبي عليه الصلاة والسلام يعني في المدينة سبعين ألفا. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رسول الله حقا وصدقا، وأن معه سبعين ألفا من أمته، وأن ذلك يكون. وقد كان في زمانه، فضلا عن بعد ذلك. فهؤلاء السبعون وجد في زمانه، فحج معه أكثر من مئة ألف، أكثر من سبعين ألفا في حجة الوداع. وما أن الأحاديث التي وردت أنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يكتبون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، وهؤلاء في أمته وأتباعه إلى قيام الساعة. بل ليسوا بسبعين ألفا كما جاء في الأحاديث الصحيحة: سبعين وسبعين وسبعين، أضيف للنبي عليه الصلاة والسلام في ذلك عدد. فاليهود يعلمون تمام العلم، وهكذا النصارى، وهم أهل جهل، واليهود أعلم منهم، والجميع يعلمون أنه عليه الصلاة والسلام كان رسول الله حقا وصدقا.