الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 29

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 29

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 29، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

بطلان استدلال غير المسلمين بأقوال الأنبياء

يناقش الشيخ ابن مريم بريك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في بطلان استدلال غير المسلمين بأقوال الأنبياء على صحة دينهم، موضحا أن الإقرار بنبوة أحد الأنبياء يستلزم الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

الرد على القائلين بإلهية المسيح وانتقاد الاتحاد بين اللاهوت والناسوت

يتناول الرد على من يعتقدون بإلهية المسيح، ويجادل بأن دلالة الأنبياء على رسالة محمد أقوى من دلالتها على إلهية المسيح، كما ينتقد فكرة الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح.

إبطال عقيدة ألوهية المسيح وانتقاد الحلول والاتحاد

يؤكد المؤلف بطلان عقيدة ألوهية المسيح مستدلاً بالقرآن والتوراة والإنجيل والمعقول، وينتقد عقيدة الحلول والاتحاد وتناسخ الأرواح، ويعتبرها دخيلة على دين أهل الكتاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: جواب الصفيح، فصل. وقد ذكرنا أنه لا يجوز أن يحتجوا بشيء من القرآن، وما نقل عن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا مع التصديق برسالته، وأنه مع التكذيب برسالته لا يمكن الإقرار بنبوة غيره، ولا الاحتجاج بشيء من كلام الأنبياء، فتكذيبهم يستلزم تكذيبهم بغيره. فإذا ثبتت نبوة غيره ثبتت نبوته، وذلك يستلزم بطلان دينهم، فكان صحة دليلهم يستلزم بطلان المدلول، وفساد المدلول يستلزم فساد الدليل. فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه، وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه، وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل. فإن الباطل لا يقوم عليه دليل صحيح. فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله لزم بطلان دينهم، وإذا بطل دينهم لم يجز أن يقوم دليل صحيح على صحته. وإن لم يكن رسول الله لم يجز الاستدلال بقوله، فثبت أن استدلالهم بقوله باطل على التقديرين. ونحن نذكر هنا أنه لا يجوز استدلالهم بقول أحد من الأنبياء أو الرسل على صحة دينهم. وأيضا فإن الذين احتجوا بقولهم مثل موسى وداود والمسيح وغيرهم، إما أن يكونوا عرفوا أنهم أنبياء بدليل على نبوتهم، كالاستدلال بآياتهم وبراهينهم التي تسمى بالمعجزات، وإما أن يكونوا قد اعتقدوا ذلك بلا علم ولا دليل، وإما أن يكونوا احتجوا بذلك على المسلمين لأنهم يسلمون نبوة هؤلاء. وعلى كل تقدير لا يصح استدلالهم بقولهم. أما على الأول فلأنه أي طريق ثبتت به نبوة واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، فإنه تثبت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بمثلها وأعظم منها. وحينئذ فإن لم يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أن كل دليل يدل على نبوة موسى وداود وعيسى وغيرهم يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لزم أن يكونوا قد نقضوا دليلهم، فجعلوه قائما مع انتفاء مدلوله. وإذا انتقضوا الدليل بطلت دلالته، فإنه إنما يدل إذا كان مستلزما للمدلول، فإذا كان تارة يوجد مع المدلول وتارة لا يوجد لم يكن مستلزما له، فليكون دليلا. فإن من جعل المعجزات دليلا على نبوة نبي، وقال المعجزة هي الفعل الخارق للعادة المبرهن بالتحدي السالم من المعارضة، ونحو ذلك مما يذكر في هذا المقام، وجعل ذلك دليلا على نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، قيل له: إن كان هذا دليلا فهو دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن دليلا لم يكن دليلا على نبوة موسى وعيسى. فإنه قد ثبت عن محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات ما لم يثبت مثله عن غيره، ونقل معجزاته متواتر أعظم من نقل معجزات عيسى وغيره، فيمتنع التصديق بآياته مع التكذيب بآيات محمد صلى الله عليه وسلم. وإن قالوا: معجزات محمد صلى الله عليه وسلم لم تتواتر عندنا، قيل: ليس من شرط التواتر أن يتواتر عند طائفة معينة، بل هذا كما يقول المشركون والمجوس وغيرهم: لم يتواتر عندنا معجزات موسى والمسيح عليهم السلام. وإنما تتواتر أخبار كل إنسان عند من رأى المشاهدين له أو رأى من رأاهم وهلما جرى. ومعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين رأوه ونقلوا معجزاته أضعاف أصحاب المسيح عليه السلام، والتابعون الذين نقلوا ذلك عن الصحابة كذلك، فيلزموا من التصديق بمعجزات المسيح عليه السلام التصديق بمعجزات محمد صلى الله عليه وسلم، ومن التكذيب بمعجزات محمد التكذيب بمعجزات المسيح. وإن قالوا: عرفت نبوة المسيح ببشارات الأنبياء قبله، قيل: في الكتب المتقدمة من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل ما فيها من البشارات بالمسيح وأكثر، كما سيأتي بعضها إن شاء الله تعالى. وإن تأولوا تلك البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يمنع دلالتها، قيل لهم: واليهود يتأولون بشارات المسيح بما يمنع دلالتها على المسيح. فإن قالوا: تلك التأولات باطلة من وجوه معروفة، بيئ بينا لهم أن هذه باطلة أيضا بمثل تلك الوجوه أقوى. فما من جنس من الأدلة يدل على نبوة موسى والمسيح إلا ودلالته على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأكثر، فيلزم من ثبوت نبوة موسى والمسيح ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الطعن في نبوة موسى والمسيح. وإن قالوا: إن المسيح إله، قيل لهم: ثبوت كونه إلها لو كان ممكنا أبعد من ثبوت كونه رسولا، فكيف إذا كان ممتنعا؟ وذلك أنه ليس معهم ما يدل على إلهيته إلا ما ينقلونه من أقوال الأنبياء أو الخوارق، والخوارق لا تدل على الإلهية، فإن الأنبياء ما زالوا يأتون بالآيات الخارقة للعادة، ولم تدل على إلهية أحد منهم. وأما أقوال الأنبياء عليهم السلام، فلا ريب أن دلالتها على رسالته ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم أظهر من دلالتها على إلهية المسيح، فيمتنع الاحتجاج بها على إلهية المسيح دون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة المسيح. ومتى ثبت أن محمدا رسول الله بطلت إلهية المسيح، فإنه كفر من قال: إنه الله أو ابن الله. بل وكذلك متى ثبت أن المسيح رسول الله بطل كونه إلها، فإن كونه هو الله مع كونه رسول الله متناقض. وقوله: إنه إله بلاهوته ورسول بناسوته، كلام باطل من وجوه، منها أن الذي كان يكلم الناس إما أن يكون هو الله أو هو رسول الله. فإن كان هو الله بطل كونه رسول الله، وإن كان رسول الله بطل كونه هو الله. ولهذا لما كان الذي كلم موسى عليه السلام من الشجرة هو الله، لم تنطق الكتب بأنه رسول الله. وهذا وارد بأي وجه فسر الاتحاد، فإنه من المعلوم أن الناس كانوا يسمعون من المسيح كلاما بصوته المعروف، وصوته لم يختلف، ولا حاله عند الكلام تغيرا كما يختلف الإنسان وحاله عند الكلام إذا حل فيه الجن وإذا فارقه الجن. فإن الجنية إذا تكلمت على لسان المسروع ظهر الفرق بين ذلك المسروع وبين غيره من الناس، بل اختلف حال المسروع وحال كلامه، وسمع منه من الكلام ما يعلم يقينا أنه لا يعرفه، وغاب عقله بحيث يظهر ذلك للحاضرين، واختلف صوته ونغمته. فكيف بمن يكون رب العالمين هو الحال فيه المتحد به المتكلم بكلامه؟ فإنه لا بد أن يكون بين كلامه وصوته وكلام سائر البشر وصوتهم من الفرق أعظم من الفرق الذي بين المسروع وغير المسروع، بما لا نسبة بينهما. يبين هذا أن موسى لما سمع كلامه سمع صوتا خارقا للعادة وخالفا لما يعهد من الأصوات، ورأى من الآيات الخارقة والعجائب ما يبين أن ذلك الذي سمعه لا يقدر على التكلم به إلا الله. وأما المسيح فلم يكن بين كلامه وصوته مع طول عمره وكلام سائر الناس فرق يدل على أنه نبي فضلا عن أن يدل على أنه إله. وإنما علم أنه نبي بأدلة مفصلة، ولم يكن حاله يختلف. مع أنهم يقولون أن الاتحاد ملازم له من حين خلق ناسوته في بطن أمه مريم وإلى الأبد، لا يفارق اللاهوت لذلك الناسوت أبدا. وحينئذ فمن المعلوم أن خطابه للناس إن كان خطاب رب العالمين لم يكن هو رسوله، وإن كان خطاب رسوله لم يكن ذلك صوت رب العالمين. الوجه الثاني أن خطابه خطاب رسول ونبي كما ثبت ذلك عنه في عامة المواضع. الثالث أن مصير الشيئين شيئا واحدا مع بقائهما على حالهما بدون الاستحالة والاختلاط ممتنع في صريح العقل، وإنما المعقول مع الاتحاد أن يستحيلا ويختلطا كالماء مع الخمر واللبن، فإنهما إذا صارا شيئا واحدا استحالا واختلطا. الرابع أنه مع الاتحاد يصير الشيئان شيئا واحدا، فيكون الإله هو الرسول والرسول هو الإله، إذ هذا هو هذا. وإن كان الإله غير الرسول فهما شيئان. ومهما مثلوا به قولهم كتشبيههم ذلك بالنار في الحديد والروح في البدن، فإنه يدل على فساد قولهم. فإن الحديد متى أثرقت أو وضع في الماء كان ذلك مصيبا للنار، وكذلك البدن إذا جاع أو عطش وتألم كان ذلك الألم مصيبا للروح، فيلزم أن يكون رب العالمين قد أصابه ألم الجوع والعطش، وكذلك الضرب والصلب على قولهم. وهذا شر من قول اليهود: إنه فقير وإنه بخيل وإنه مسه اللغوب. أولد رحمه الله تعالى هذا الفصل كذلك ليتبع ما قبله وليؤكد لهذه الطائفة المعترضة أن ما احتج به وما لبس به لا يزيدهم إلا حجة عليهم وضعفا في حجتهم. وذكر هنا مجموعة من المسائل منها ما سبق وأكد. ومن ذلك أنه أبان رحمه الله تعالى أن الإيمان بالأنبياء يستلزم الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من جهة أن ما ثبتت به نبوة الأنبياء ثبتت به نبوة النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى، لأن الحجج التي ثبتت به نبوته ورسالته أقوى وأكثر من الحجج التي ثبتت به نبوة رسالة من سبقه من الأنبياء. وهذا ظاهر فيما مثل به فيما سبق. ثم أشار رحمه الله تعالى أن ما يزعمونه من تكذيب رسالة النبي عليه الصلاة والسلام أو الإقرار به على وجه مخصوص، أي أنه للعرب خاصة. وعلى كل التقديرين استدلالهم باطل والحجة مقلوبة عليهم. وهذا هو قوله: «فثبت أن استدلالهم بقوله باطل على التقديرين»، يعني سواء قيل نبي أو قيل ليس بنبي، إذ لو قيل النبي لازم أن يؤمن بكل ما جاء به، ومن ذلك أنه نبي ورسول للناس عامة. وإن قيل أنه غير النبي، لزمهم تكذيب بكل الأنبياء والرسل، لأن ما جاءت وثبتت به نبوته ورسالته من الحجج أقوى مما جاءت به نبوة ورسالة غيره، فيلزمهم إما التكذيب بالجميع أو الإيمان بالجميع إن أرادوا الإنصاف. وإن كان المسألة هواء فشيء آخر، وهم يدعون أنهم يريدون اتباع الحجة. وهذا ما بعده كذلك. وأما ما أشار إليه رحمه الله تعالى من مسألة ألوهية المسيح، يريد بذلك أن ما ثبتت به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم مما يزعمون فيه ألوهية المسيح، بل هذا باطل بأدلة القرآن وأدلة التوراة والإنجيل، بل بأدلة المنقول والمعقول. وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان لهذه المسألة في مواضع أخرى، لكن هنا ذكر ذلك استطرادا. لأنه لما ذكر أن إثباتهم لنبوة موسى وعيسى يستلزم إثباتهم لنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن الحجج التي ثبتت به أقوى وأكثر، ناسب أن يذكر كذلك من باب الإلزام عليهم أن ما زعموا أنه به ثبتت أو ثبت إلهية عيسى، فإنه أولا باطل، وثانيا ضعيف يلزمهم به إثبات نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم. يعني كيف سمحت لكم عقولكم مع مخالفة المعقول والمنقول لهذا الأصل الذي أنتم عليه وهو فاسد؟ كيف سمحت لكم عقولكم أن تثبتوا إلهية عيسى، وأنا أبرهن لكم أنه مخالف للمنقول والمعقول، ولم يسمح لكم عقل ولا نقل أن تؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ما أن داعي إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام من المنقول والمعقول أقوى من عقيدتكم الفاسدة في ألوهية عيسى. وهو من باب الإلزام عليهم أورد هذا، يعني هذه حججكم ضعيفة هزيلة، أوهام ومخالفة لنصوص. ومع ذلك تجعلونها من صميم عقيدة النصارى، فإذا أنتم أثبتتم مثل ذلك فيلزمكم أن تثبتوا ما دليله أقوى من دليلكم، سواء إن جاء من جهة النقل أو جاء من جهة العقل. أما من جهة النقل فكثير، وقد سبقت الإشارات، وسيأتي إن شاء الله أن النبي عليه الصلاة والسلام بشر ببشارات في التوراة والإنجيل، وأخبار المقربين من أصحاب موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ما استفاض أن هذا هو الرسول الذي حدث به موسى وعيسى، فكيف لا يؤمنون بعد هذه الحجج الكثيرة؟ هذا مراده. وأما ما أبطل به عقيدتهم في إلهية عيسى فظاهر، يعني من تناقضهم مع ظهور بطلان ذلك مما يقتضيه توحيد الرب سبحانه وتعالى، فإن هذا مناف لعقيدة التوحيد أصلا، وهو باطل عقلا، إذ كيف يكون المخلوق إلها في وقت واحد؟ وبين رحمه الله بالمعقول بهذه الأمثلة، مع ضرب بعض الأقيسة الصحيحة التي تدل بالأولى على بطلان هذه العقيدة الفاسدة عند النصارى. فهم مهما داروا بالمعقول أو بالمنقول وجدوا أنها عقيدة فاسدة. ومعنى اللاهوت والناسوت، يعني صفات الألوهية وصفات المخلوقية، فالناسوت هو الجانب الإلهي في عيسى عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، علوة كبيرة. والناسوت هو الجانب الآخر الذي يدل على بشريته فيه عليه الصلاة والسلام. وهي عقيدة فيها معنى الحلول والاتحاد وتناسخ الأرواح، مما هو في الحقيقة من عقيدة أرباب وثنية الهند، فهو ليس من دين أهل الكتاب، بل ودخيل عليهم، دخل عليهم من هذه العلوم والأديان الفاسدة. واسعة إن شاء الله زيادة البيان في فصول لاحقة.