شرح السياسة الشرعية  39

شرح السياسة الشرعية 39

الدرس في شرح السياسة الشرعية 39، الدرس التاسع والثلاثون:من( الفصل الرابع:حد السرقة ... ومنهم من يقول:دينار أو عشرة دراهم فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في حد السرقة وأحكامه

يتناول المقطع أحكام حد السرقة ووجوب قطع يد السارق اليمنى استنادا إلى الكتاب والسنة والإجماع. يُشدد على ضرورة تنفيذ الحد دون تأخير أو استبداله بعقوبة أخرى.

شروط قطع يد السارق وتفاصيل الحد

يتناول المقطع شروط قطع يد السارق، حيث يشترط لقطع اليد أن يسرق السارق نصابا طيبا، والنصاب هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء. كما يتناول آراء العلماء في تكرار السرقة وتعدد القطع.

أهمية تطبيق الحدود الشرعية في حفظ الأمن

يؤكد الشيخ على أهمية تطبيق الحدود الشرعية في الإسلام لحفظ الأمن وردع الجرائم، مشيرًا إلى أن التهاون في تطبيقها يؤدي إلى انتشار الفساد والإجرام. يضرب أمثلة من التاريخ الإسلامي وعصرنا الحالي.

اختتام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

يتم اختتام الدرس الحالي مع الإشارة إلى أن هناك درسًا لاحقًا سيتم فيه استكمال الموضوع، بإذن الله تعالى. يشير إلى استمرارية الموضوع في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال رحمه الله تعالى: الفصل الرابع: حد السرقة. قال: وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسن والإجماع. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقدم السارق لكثرة وقوعه منه، أي السرقة. قال: ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة أو بالإقرار تأخيره، لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره. وهذا إذا وصل وبلغ السلطان، كما تقدم في الفصول السابقة. وأما إذا لم يصل فعفا عنه، فإن صاحب الحق له ذلك، بخلاف حد قاطع الطريق، فإنه أي أمره أشد، فلو عفا صاحب الشأن بقي حق الله. قال رحمه الله تعالى: قال: فإن إقامة الحدود من العبادات. نعم، قال: بل تقطع يده في الأوقات. قال: تأخيره لا يجوز، ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة أو بالإقرار تأخيره، لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره. الحبس واضح، يعني حتى لا يكون تغيير وتبديل للأحكام الشرعية، والمال يفتدى به لأنه كالرشوة لتعطيل الحدود، وفيه مفاسد كثيرة كما تقدم، ولا غيره يعني مما قد يجعل كعوض لأجل ذلك، ولو بعقوبة أخرى، ولو كذلك بدفع مال كثير، لأن في ذلك تعطيل للحدود. فقد يقول قائل: إذا سرق رجل غني نأخذ منه مالا كثيرا، وهذا أفضل من قطع يده، ينتفع بالمال الفقراء والمساكين أو الدولة. فيقال: ليس هذا لأحد، بل هذا حق لله سبحانه وتعالى. والله عز وجل قد حد حدودا يجب امتثالها والوقوف عندها. والله سبحانه يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال رحمه الله: بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها، يعني من الأوقات الأخرى، حتى ولو سرق في رمضان تقطع يده. قال: فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله. فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله. كما ذكر الله عز وجل في حد الزنا. قال رحمه الله: ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه. والرحمة ها هنا بالنسبة للمقطوع أن يعينه على التوبة، وأن يمنعه من الاسترسال في السرقة، هذه الرحمة الحقيقية. ليست الرحمة أن يتركه فيسترسل في السرقة ويزداد في كذلك الإفساد ويعتدي على المظلومين. والرحمة بالمجتمع والخلق بأن يحفظ لهم أموالهم وأمنهم وغير ذلك من مصالح كثيرة تتحقق بإقامة الحدود. ونبه ها هنا أنه ينبغي أن يفعل ذلك لله وإقامة لحدوده وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ورحمة، لا شفاء لغيظ، حتى ولو كان بينه وبينه عداوة، فإنه يعدل. قال: لا شفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده. تأديب الوالد للولد فيه رحمة، والمقصود منه الإصلاح. فكذلك السلطان إذا أقام الحدود. ولهذا قد يعظ ويدكر ونحو ذلك. قال: فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير الأم به رقة ورأفة، لفسد الولد. وقوله: كما تشير الأم، يعني غالبا، غالبا أن الأم ترحم وترأف، والغالب أن الأب يشد، ولكن الشدة تضبط بالشرع. لأن بعض الآباء قد تكون شدته خارج عن حدود المأذون فيه، وكذلك رقة الأم في الغالب تخرج عن حدود المرغب فيه، والمطلوب الوسط. قال: وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحا لحاله، مع أنه يؤدبه ويؤثر أن لا يحويه إلى تأديب، يعني لو استطاع، لكن إذا تكرر من الولد ما يقتضي التأديب، اضطر أن يؤدبه حتى يحفظه ويصونه عن ما يسوءه. وكذلك السلطان مع مثل هؤلاء. قال: وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك. الحجم يعني الحجامة، فإن فيه جرح وإخراج للدم، لكنه الدم الفاسد. وهكذا شرب المريض للدواء الكريه رائحة أو مرارة أو غير ذلك للعلاج، وقطع العضو المتآكل للعلاج، وقطع العروق بالفصاد كذلك للعلاج، ونحو ذلك يعني مما هو بمعنى هذا. قال: بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، ليس فقط من الطبيب الذي يسقي، بل إنسان نفسه يكره نفسه على شرب الشيء الكريه، لماذا؟ يطلب الشفاء. لأن الله جعل له ذلك سببا، ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء. قال: وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة، مثل مشقة العبد بالطاعات لينال راحة الآخرة، ومثل مشقة عامل الدنيا لينال الراحة بعدها. فهذا يعمل ليأخذ قصطا من الراحة لنفسه وأسرته. فكل هذه أمثلة تقرب المقصود من القطع، فليس المقصود من القطع التشويه ولا الانتقام ولا شفاء الغيظ، ولكن المقصود من القطع هو ما يرجى من مصالح بعده. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قتل النفس الواحدة سبب لأن تحفظ أنفس كثيرة، لكن إذا علم الناس أنه إذا قتل سيسجن، سيكون القتل سهل. مثل اليوم في بلاد الكفر تجد كما قال بعض الإخوة: بين كل عشرة يوجد قاتل، يعني قليل أن تجد إنسان لم يقتل، يكثر القتل عندهم. صار القتل عندهم مثل المخاصمة عند المسلمين، عند المسلمين يعني ممكن تقول بين كل عشرة يوجد واحد كان له تاريخ في خصومة، حصل له لكمة أو دكمة أو شيء من هذا القبيل. لكن الكفار لعدم وجود الرادع يكثر القتل فيهم، فتجد القتل فيهم كثير، لماذا؟ لأن لا يوجد ما يردعهم عندهم، خصوصا في أمريكا كما أخبرنا. القاتل يسجن هكذا يا أبي عبد الله، أو يقتل. نعم، يقول أخونا أبي عبد الله: في بعض الولايات قد يطلب القصاص، لكنه معطل، وإلا الغالب العام السجن، الغالب العام السجن، لا أحد يقتل بالقتل. فإذا علم المجرم أنه لا يقتل، إذن من الذي يمنعه من القتل؟ لا يمنعه من القتل شيء، خصوصا إذا وقف في طريق شهوته، مال، نساء، مخدرات، أي شيء، فمن وقف في طريقه وهو ليس عنده دين قتله. ولكن حكم الإسلام جاء لحفظ الأنفس، يقتل القاتل، فتشرئب النفوس والأبصار ألا يصيبها ما أصاب هذا القاتل، خلاص درس للجميع، فيكون فيه عظة وسبب لحفظ الأنفس الأخرى. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وكذلك القطع، إذا علم السارق أنه يسرق ويسجن، سهل عليه يدخل السجن ويخرج، وإذا استطاع أن يدفع رشوة أو نحو ذلك خرج، وعند ذلك تكثر السرقات. لكن إذا علم أن أعضاه ستتساقط وتنقص، السرق الأولى قطعت يد، والثاني رجل، والثالث يد، والرابع رجل، إذن هذا شيء خطير، فهذا يمنعه من السرقة. فهذه كما ذكر وقرب بهذه الأمثلة هي عبارة عن مشاق يراد منها راحة، وأي شيء أعظم من راحة الأمن؟ لا شيء مثلها. ومن أعظم ما يجري بالأمن إقامة الحدود، إقامة الحدود الشرعية. وقد استطاع المسلمون أن يضبطوا أمن الدنيا في زمانهم بماذا؟ بإقامة الحدود. كانت البلاد فيها من الفساد والإجرام الشيء العظيم الكبير، فلما تولى المسلمون البلاد دخل الأمن وحصل الخير، حتى ربما يذهب الناس يصلون والأمتعة في محلها ما تحتاج لحارس، ما تحتاج لحارس. هذا ما يمكن يقع. انظر اليوم إذا ذهبت إلى مكة، الناس يذهبون يصلون، وأين الأمتعة؟ في أماكنها، محلات بغير أبواب، أمن عظيم. بينما في بعض دول أمريكا وإفريقيا ربما من بعد المغرب الناس إذا فتح محلات حديد، كل شيء بحديد، شبك حديد يبيع لك، ربما الحليف يناول لك بإصبعين يخاف إذا أخرج الإصبعين تقطع، تقطع الإصبع من كثرة الإجرام، ما يأمنون حتى يخرج إصبعهم. في الصين سائق التاكسي يسوق السيارة وحوله شبك حديد، شبك حديد يعني ما يأمن على نفسه حتى جعل حول نفسه شبك من الحديد وهو سائق أجرة. وتمشي وتقرأ تحذيرات في المصعد، التحذير في الدرج، التحذير في الشارع، التحذير: انتبه اللصوص، انتبه المجرمين، حتى الغريب يمشي ويلفت ما يدري من يأتي يسرقه في هذه اللحظة من كثر الضياع. الأمن مع التشديد، تشديد شديد، وكاميرات في أكثر الطرقات، ومع ذلك إجرام لا ينقطع، نفس الشيء في دول أوروبا، في دول أمريكا، ما هو السبب؟ السبب ليست هناك أحكام صارمة، ليست هناك أحكام صارمة، بخلاف دين الإسلام، كانت فيه أحكام صارمة. ظن بعض الناس أن هذه الأحكام يكون فيها تشويه للمجتمع وتعطيل لمصالح الناس، وهذا ظن خاطئ، لماذا؟ لأن السرقة عندهم أصلا تفشت بسبب عدم وجود مثل هذه الحدود، ولكن إذا وجدت، فإنها ستقل، وسيرتدع الناس. وليس شيء يردعهم مثل هذا، حتى أخبرت ما أدري هذا صحيح أو دعاية، أن أحد الدول الأفريقية ما تنزل عندها الطائرات إلا وترجع في النهار، إذا لم ترجع في نفس اليوم في النهار، ثاني يوم يشلحونها، طائرة تشلح ما تبقى في المطار. هذا صحيح يا عبد العزيز؟ أنا أخبرني أحد الإخوة عن قريب له يعمل في الطيران المصري، الطيران المصري هو الطيران الوحيد الذي يدخل أكثر بدول أفريقية، فأخبروني أنها تنزل في أحد هذه الدول الأفريقية في النهار ولابد أن ترجع في النهار ولا تبقى ليلا. إذا بقيت ليلا فإنها ما ترجع سليمة، يسرقونها ويشلحونها. فالشاهد هذا من فضل الإسلام، فهي شدة، لكن المقصود منها راحة، هذه الراحة بما يحصل من الأمن وما يحصل من الخير للناس، حتى المجرم نفسه يجد في هذا عونا له على الخير. قال رحمه الله تعالى: فهكذا شرعة الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون النية الوالي في إقامتها. فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات، بجلب المنفع لهم ودفع المضر عنهم، وابتغى بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره، ألان الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة البشرية. والمراد بالعقوبة البشرية يعني ما يكون من عداوات أو كذلك ما يكون عليه من حد أو عقاب من الله سبحانه وتعالى، ما دام هو يريد ما عند الله. قال: وقد يرضى المحدود إذا أقيم عليه الحد، يعني إذا تاب، يرى أنك قد فعلت له خيرا إذا عنته على التوبة. قال: وأما إذا كان غرضه العلو عليهم ويقامة رياسته ليعظموه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال، إن عكس عليه مقصوده. ولهذا فالغالب أن أمثال هؤلاء لا يستمرون في إقامة الحدود، من كان من السلاطين قصده الرياسة والتعظيم والتسلط على الخلق وجلب الأموال، فإنه يعطل هذه الحدود. وإذا عطلها ابتلاه الله عز وجل ومن معه بذنوبهم، فكان الشر عليهم. قال: ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ساسهم سياسة صالحة. فقدم الحجاج من العراق، وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل المدينة عن عمر كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبة له. قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا. قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأصوات إلى العشرة، يعني تأديبه للناس في التعزير. قال: هذه هيبته، وهذه محبته، وهذا أدبه، هذا أمر من السماء. وهذا الأثر ذكره كما ترون بصيغة التمريض المشعرة بجهل إسناده، على أقل الأحوال، ولم يقف على إسناد لهذه القصة، والله أعلم يحتاج إلى بحث. والشاهد من هذا أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه الله كان خليفة صالحا راشدا، أصلح الله عز وجل به البلاد والعباد، كان قصده ما عند الله، فصلح له أمر دينه ودنياه، وهكذا أمر الناس. قال: وإذا قطعت يده، أي السارق، حسمت. ومر معنا الحسم، وهو إدخال يده في الزيت الحار. وقد رويت فيه أحاديث مرفوعة لم تصح، ورويت فيه آثار، الكثير منها بين مرسل ومنقطع، وبعضها حسن. والمقصود هو قطع سيلان الدم حتى لا يهلك بجريان الدم. وقد جرى عليه عمل المسلمين، وبعضهم نقل فيه الاتفاق، وزعم بعض فيه إجماع، ولكن كما تقدم، المقصود هو حسم هذا الدم، فإن حسم بغير الزيت فإنه يمكن ذلك. وأما مسألة القطع، فكما تقدم: هل يقطع بما لا يكون به الألم؟ بعض أهل العلم منع، وبعض أهل العلم أجاز، وبعض أهل العلم فصل، فجعل ما يتعلق به حق لله أو حق للآدميين على تفصيل فيما يكون به القصاص. فإن كانت سرقة، فإنه يرى اللابأس إن قطعت بغير ألم، وإن كان قصاص لكونه قطع يد إنسان، فالجروح قصاص يقتضي أن يدوق الألم. وبعض أهل العلم يقول: أن حد السرقة كذلك مقصود منها التأديب، وهذا بأن يدوق الألم. والمهم: هذا من المسائل الاجتهادية التي ينبغي أن يتسع لها أمر الخلاف، لأنه لم يرد فيه شيء من النصوص الصحيحة الصريحة، والأمر واسع. قال رحمه الله: واستحب أن تعلق في عنقه، كذلك رويت في هذا آثار لأجل أن يكون عظة لغيره، وهذا بحسب المصلحة. قال: فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا ورابعا، ففيه قولان للصحابة ومن بعدهم من العلماء، أحدهما: تقطع أربعته في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر رضي الله عنه، ومذهب الشافعي وأحمد رضي الله عنهم، ما في إحدى الروايتين. والثاني: أن يحبس، وهو قول علي رضي الله عنه، والكوفيين، وأحمد في روايته الأخرى. وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا طيبا. أولا قبل هذا إذا تكررت السرقة، أول ما يقطع تقطع يده اليمنى لأنه سرق بها، والغالب أنه يسرق بها. ثم تقطع رجله اليسرى، وذلك حتى يحصل له الاعتدال كما ذكر أهل العلم، ولأنه جرى عليه عمل الصحابة والسلف. لأن القطع إذا كان كله في جهة واحدة أضره ذلك، يعني ما يستطيع أن يتكئ على جهة اليد مقطوعة اليمنى والرجل اليمنى مقطوعة، يتضرر. لكن اليد اليمنى تقطع اليسرى، أو قطع اليسرى إذا تقطع الرجل اليمنى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَتَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. والمعنى الخلاف يعني التعاكس، لا يكون من جهة واحدة، إن قطعت اليمنى قطعت معها اليسرى، يعني إذا احتيج إلى القطع في المرة الثانية بالنسبة للسارق. وأما قاطع الطريق فأمره آخر، ففهم من هذا هذا المعنى. وبقي الخلاف فيما إذا كان قد سرق بعد ذلك، فهل تقطع؟ ظاهر كلام شيخ الإسلام يرجح أنها تقطع، أي الرجل واليد كذلك، فيبقى من دون أطراف. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تقطع، لأنه بهذا تحصل له مضرة، ويكون فيه يعني شيء فوق الذي تعدى به. هذا المقام في الحقيقة ليس فيه نص صحيح صريح يرجح هذا أم هذا، ولهذا بعض أهل العلم أرجع ذلك إلى الإمام، يعني ينظر. إن رأى أن هذا الرجل مجرما، إجرامه قد لا ينقطع إلا بقطع أطراف الأربعة، فإنه يقطعها جميعا، يعني ما دامت تكررت منه السرقة لعله بذلك ينقطع شره. وإن رأى أنه قد انكسر، فربما أبقى له ذلك وعوض عن ذلك بالسجن أو التأديب. وعلى هذا يحمل المروي عن بعض الصحابة في هذا الباب، فيكون الجمع بين الروايات المروية عن الصحابة ومن بعدهم هو هذا الأصل، هو استمرار القطع، وهذا العدل معه، لأنه هو الذي ظلم نفسه، مثل القاتل إذا قتل فإن نفسه تزهق عدلا. وكذلك السارق إذا سرق أطرافه تقطع عدلا، لكن إذا غلب على ظنه أنه يتوب ويحسن، جاز له أن يترك أو يعفى عنه. وهذه الرخصة أخذت من وجهين: الوجه الأول ما يلحق به من ضرر، والضرورات تبيح المحظورات، خصوصا أنه رويت فيه آثار عن الصحابة. والوجه الثاني: أنه كذلك قد ثبت في هذا الباب، بخلاف القصاص، أنه يجوز العفو إذا عفا صاحب الحق، فإذا كان صاحب الحق يجوز له أن يعفو، ففي الضرورة كذلك يقال: أنه يعفى. وتقييده بالإمام له وجه بهذا المعنى، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال: وإنما تقطع يده إذا سرق نصابا، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء. وهذا لأن الثلاثة دراهم في ذاك الزمان كانت تساوي ربع دينار، لأن الدينار كان يساوي اثني عشر درهما. قال: عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم، كمالك والشافعي وأحمد. ومنهم من يقول: دينار أو عشر الدراهم. فمن سرق ذلك قطع بالاتفاق. ورؤيت في هذا أحاديث وآثار، والأحاديث الصحيحة التي في الصحيحين كما سيأتي معنا إن شاء الله هي ربع دينار أو ثلاثة دراهم، كما في حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وسيأتي معنا إن شاء الله. وربع الدينار اليوم يساوي تقريبا: الدينار عشرون دينار، يساوي نصاب الذهب، خمسة وثمانين جرام من الذهب. كم يساوي اليوم الجرام من الذهب؟ عبد القادر موجود، الجرام بعشر ألف، كم عشرة؟ طيب، عشر ألف الجرام، خمسة وثمانين جرام بكم؟ ثمانمائة وخمسين ألف، ما شاء الله. نقسمها على عشرين، ثمانمائة وخمسين قسمة عشرين، من الذكي بالحساب نبعد الصفرين، الصفر ثمانمائة وخمسين ألف تبقى خمسة وثمانين ألف، قسمة اثنين، يعني قسمة اثنين، خمسة وثمانين عبارة عن أربعين اثنين وأربعين ونصف، اثنين وأربعين ألف ونصف. هذا الجرام الواحد، الدينار الواحد، الدينار باثنين وأربعين ألف وخمسمائة، نقسمها قسمة أربعة، بعشرة آلاف ومائتين وخمسة وعشرين تقريبا، ها؟ أو أقل، عشر آلاف ومائتين تقريبا، يعني معناه الربع دينار ما يعادل عشرة آلاف ومائتين أو أقل، والثلاثة دراهم ستكون أقل. لأن مائتي درهم تساوي خمسمائة وخمسة وتسعين جرام من الذهب. فالشاهد يعني ما يعادل عشرة آلاف ومائتين أو أقل يكون القطع، أو ما يعادل ثلاثة دراهم. فإن كان أقل من ذلك فليس به القطع. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق.