الدرس في شرح السياسة الشرعية 8، الدرس الثامن:من( ولذلك كان يستعمل الرجل الرجل لمصلحة راجحة ... بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها فإنه لا يجب تحصيلها لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح أهمية مراعاة المصلحة عند اختيار الولاة واستنابة النواب، ويبين ضرورة الجمع بين الصفات المختلفة مثل الشدة والرحمة. يُستدل على ذلك بسيرة النبي ﷺ والصحابة.
يُناقش أهمية اختيار الأشخاص المناسبين لتولي القضاء والفتوى، مع التركيز على صفات مثل العلم والورع والقوة. يُحذر من خطورة تولية غير المؤهلين في هذه المناصب.
يُناقش تفاصيل تولية القاضي وضرورة تقديم الأصلح بحسب الحاجة، سواء كان ذلك من حيث الدين أو العلم. يُوضح أن تولية غير الأهل قد تجوز للضرورة إذا كان أصلح الموجود.
يعتذر الكاتب عن الإطالة في الفصل ويوضح أن ذلك كان ضرورياً للانتهاء منه بشكل كامل. يختم بالتأكيد على أن الله أعلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان. ومثال ذلك ما تقدم من إمارة عمر بن العاص في غزوة ذات السلاسل. وأصل الحديث في الصحيحين. وكذلك إمارة أسامة بن زيد، وأصل الحديث كذلك في الصحيحين. قال: وهكذا أبو بكر، خليفة رسول الله ﷺ، رضي الله عنه، ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات، كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها، بل عتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه. لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين؛ ليعتدل الأمر. وهذا علم من عمومات الأدلة، وباستقراء سيرة السلف، رضي الله عنهم. وسيأتي أنه يضرب بعض الأمثلة لهذا، لكن العمومات تدل عليه. فمن تأمل فعل النبي ﷺ في بعض إماراته وتأميره، فإنه يجد هذا المعنى. فلما أرسل زيدًا، رضي الله عنه، أرضاه، جعل الإمارة لزيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر، فإن أصيب فابن رواحة. وفيه هذا المعنى لمن تأمل تراجم هؤلاء الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. حتى قيل: إن جعفرًا راجع النبي ﷺ في تأمير زيد عليه، فأمره النبي ﷺ أن يمضي. هكذا جاء معناه في الصحيح. فكان جعفر نائبًا لزيد. وهكذا كذلك من تأمل فعل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وجد هذا المعنى. ثم عمومات الشريعة تقتضيه؛ لأجل أن يعان صاحب القوة باللين، وصاحب الرحمة يعان بصاحب القوة. قال: ولهذا كان أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه. لأن خالدًا كان شديدًا كعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، رضي الله عنه. وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه؛ ليكون أمره معتدلًا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله ﷺ الذي هو معتدل. حتى قال النبي ﷺ: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة». فجمع بين وصف الرحمة والملحمة. وهذان الوصفان فيهما معنى الشدة، أو معنى القوة وكذلك الرحمة. والحديث كما أشار أصله في صحيح مسلم، وبعضه خارج الصحيح، وهو حديث صحيح. قال: وقال: «أنا الضحوك القتال». كذلك هذا فيه معنى اجتماع الصفتين، فيه معنى اجتماع هاتين الصفتين. وهذا الحديث وإن كان بعضهم أشار إلى ضعفه، لكن معناه صحيح بعمومات الأدلة. قال: وأمته وسط. قال الله تعالى فيهم: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا﴾. يعني هذا هو الغالب على هذه الأمة، وهو الذي ينبغي أن تكون عليه. فهذا وصف مدح، أن يكون فيهم شدة على الكفار، ورحمة بينهم. وشدتهم على الكفار لا لكونهم كفار مطلقًا، ولكن كونهم كفار حربيين. ولهذا فشدة الكافر، الشدة مع الكافر الذي هو غير حربي لها معنى آخر، كالمعاهد والمستأمن والذمي. قال: وقال تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾. يعني على التفصيل. فالكافر الحربي بالسيف والسنان، والكافر غير الحربي بغير ذلك. قال: ولهذا والشاهد منه جمع بين الصفتين، الشدة والرحمة. قال: ولهذا لما ولي أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي ﷺ من لين أحدهما وشدة الآخر. حتى قال فيهما النبي ﷺ: «اقتدوا بالذين من بعد أبي بكر وعمر». يعني بهما معًا. قال: وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم، ما برز به على عمر وسائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين. وخبر حروب الردة له أحاديث كثيرة، بعضها في الصحيحين، وبعضها خارج الصحيحين. حيث راجع عمر، رضي الله عنه، أبا بكر: كيف تقاتل قومًا يقولون: لا إله إلا الله؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه، بحديث النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». فقال: «لا أقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة». قال: رحمه الله تعالى: والحديث الأول «اقتدوا بالله من بعده» كذلك، كما أشار إليه المعلق، أصله بالسنن، وهو حديث مشهور صحيح. قال: وإن كانت الحاجة بالولاية إلى الأمانة أشد، قدم الأمين، مثل حفظ الأموال ونحوها. فأما استخراجها وحفظها، فلابد فيه من قوة وأمانة. فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته -يعني من الشدة- قال: وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. فإذا في مسألة الأموال تفصيل، الأصل فيها تقديم الأمين. وتقدم معنا أن معنى الأمانة تتناولها هنا أشياء كثيرة تجمل في الصفات، أو في أمور مجملة. وذكر منها أربعة أمور. من يذكرها؟ نعم، من يذكرها؟ عند من مما ذكر؟ السؤال: وصف الأمانة يقتضي أمورًا كثيرة تجمل في أربع. أول شيء خشية الله، كما تقدم معنا من كلام شيخ الإسلام. وثانيها: أن لا يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا. وثالثها: عدم خشية الناس. ورابعها: العدل. نعم، يعني يجمل بذلك. قال: رحمه الله تعالى: وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين، جمع بين المصلحتين. يعني ينظر في ذلك ما يقضى بحسب المصلحة. فكل ولاية تحتاج مراعاة الأصلح. فإذا كانت الأموال الأصل فيها الأمانة، ولكن في بعض المواضع قد يحتاج إلى شدة وقوة. مثل استخراج الأموال من الناس. ما يصلح أن يكون جامع الزكاة من يرسل بجمع الزكاة رجل حي رحيم. فالحي سيَرجع فاضي. صحيح أم ليس بصحيح؟ صحيح. لأن الناس يحتالون -إلا من رحم الله- يحبون المال حبًا جَمًّا. ربما يبخل بعضهم على نفسه وعلى أولاده وعلى زوجته. وهذا كثير يبتل به الناس. تجد واحدًا عنده الشيء الكثير، ومع ذلك ثيابه رثة، وأموره في حال يرثى لها، وأولاده كذلك، وغير ذلك. فما بالك بإخراج الزكاة؟ عظيم من العظائم. وربما بعضهم يحتال بالفتاوى. مثل اليوم تجد بعضهم إذا قيل له في زكاة الذهب، قال: هذا ذهب ملبوس، والملبوس -قال بعضهم- للعلم ليس فيه زكاة، خصوصًا للنساء يكثر فيهن الشح في هذا الباب. خلاص أفته الآن وتتعلل بنحو ذلك. بل بعض الرجال فيقول: زكاته استعماله، وأنا أجعل أهل البيت يستعملون هذا الذهب، وأعطيه بالأعراس لبعض أقاربي، ونحو ذلك من التأويلات والحيل. فمقام جمع المال يحتاج إلى رجل قوي مع الأمانة. قوة بل القوة تغلب الأمانة. قال: رحمه الله: وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين، جمع بين المصلحتين. وهكذا في سائر الولايات، إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين عدد. فلابد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى. إذا لم تقع الكفاية بواحد تام. وهذا نافع في المواضع التي تتنوع فيها حاجة هذه الولاية، فيحتاج إلى تنوع الأوصاف. فمثلًا إذا أراد أهل العلم أن يقيموا لجنة فتوى، فينبغي أن يكون في لجنة الفتوى مع الكفاءة العلمية، كذلك القوة والأمانة، ومراعاة هذين الأصفين. فتكون هناك لجنة مكونة من أكثر من واحد؛ حتى توزن تلك المسائل التي تعرض عليها بحسب أحوالها وأوصافها. فيكون في اللجنة من فيه هذه الصفات، فتخرج الفتوى مناسبة للمقام. وهكذا كذلك إذا كانت لجنة في حل الخصومات، كذلك يجمع فيها الأصلح، ولو تعدد العدد. كما قال: إذا لم تقع الكفاية بواحد تام. فإذا وقعت الكفاية بواحد فذاك. فإذا لم تقع، فإنهم ربما يعددون ذلك. ومنه كما أشار شيخنا -رحمه الله- في الشرح، في مواضع الاستشارات الشرعية والعلمية بحسبها. فربما يكون الأفضل في ذلك أن يكون في هذا لجان، ليس واحدًا، بل يكون مجموعة، يكون مجموعة عندهم -يعني هذه المسؤولية- هذه الولاية، وهذا الحكم. قال: رحمه الله: ويقدم في ولاية القضاء الأعلم، والأورع، والأكفى. فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف فيه الأورع. وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. فإذا يحتاج القضاء أن يكون فوقهم من هو أعلم منهم. فيقسم مسائل القضاء، يقسم مسائل القضاء. فيقول: مثلًا مسائل الطلاق عند فلان، ومسائل المعاملات والبيوع عند فلان، والمسائل العلمية عند فلان. وقد كان مثل ذلك عند بعض أهل العلم، أنهم يقسمون الفتاوى بحسب الأنسب والأصلح لها. وكذلك القضاء، تقسم القضايا والخصومات بحسب الأصلح والأمثل فيها. ولم يزل أهل العلم على ذلك. فمن طريقة بعض المشايخ حصر مسائل الطلاق -مثلًا- في بعض المشايخ، وبعض القضاة؛ لأهميتها ووقوع الاشتباه فيها. فمثلًا كان في فترة سابقة لا يفتي في قضايا الطلاق إلا عدد محصور من العلماء في أرض نجد والحرمين. وفي بعض المدن ربما يكلف واحد فقط، فيفتي في المدينة الفلانية فلان لا يتعدى، وفي المدينة الفلانية فلان لا يتعدى. وأذكر أنه كان في مدينة عنيزة ترجع فتاة والطلاق وقضاياها إلى شيخنا محمد بن صالح تيمية -رحمه الله-. وهكذا ينبغي أن يعتنى بهذا الباب بحسب الأصلح، وما يكون فيه حفظ دين الناس ومصالحهم. فإذا كان كذلك، فما بالكم بمن يخوض في هذا الباب بغير علم؟ فإنه توسع بعض الناس في هذا الباب توسعًا عظيمًا. فبعض إخواننا في الغرب ربما ما طلب العلم الشرعي أبدًا، ما عرف العلم الشرعي على المشايخ. بعضهم ربما درس في مصر اللغة العربية سنة أو سنتين ورجع، فإذا هو شيخ الإسلام. وقضايا الطلاق والخلع وغير وغير ذلك، يحصل فيها غرائب وعجائب. ويكثر هذا والابتلاء به. والواجب في مثل هذا المقام إرجاع هذا إلى أهل العلم؛ حتى ولو بعد أهل العلم. كون المسألة تتعلق أيامًا، واليوم عندنا وسائل الاتصال بأهل العلم كثيرة. لكن تحل القضية على الوجه الشرعي الذي يحبه الله، لا على تعالم من لا علم عنده. وتكون بذلك الفتن، وربما كذلك ما هو أعظم من حصول اختلاط الأنساب، والتلاعب بالأعراض والأبضاع، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة العظيمة. قال: رحمه الله تعالى: وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات». والحديث لا يصح عن النبي ﷺ كما أشار المعلق عندكم. وقد ذكره أو ذكر معناه العلامة الألباني -رحمه الله- في «الضعيفة» كما أشار عندكم في التعليق. وذكر معناه كذلك الشيخ بكر أبو زيد فيما لم يصح فيه حديث. وذكره كذلك في «المطالب العالية». وأشار إلى تضعيف العلماء لأحاديث هذا الباب، وأنها موضوعة، ولا تصح -يعني ما فيه ذكر العقل ونحوه- لكن مقصوده -رحمه الله- المعنى، والمعنى تدل عليه عمومات يغني بها عن هذا الحديث الذي لا يصح. فوجود البصر النافذ في الفتوى عند الشبهات مطلوب شرعًا. وقد قال النبي ﷺ: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». وكذلك الصبر عند الشهوات مطلوب. الصبر عند الشهوات مطلوب. والصبر مراتب، ومنه الصبر عما حرم الله. قال: رحمه الله: ويقدمان على الأكفى إن كان القاضي مؤيدًا تأييدًا تامًا من جهتي والي الحرب أو العامة. ويقدم الأكفى إن كان القضاء يحتاج لقوة ويعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع. فإن القاضي المطلق يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرا. بل وكذلك كل وال للمسلمين، في أي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه. والكفاءة إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبة. وفي الحقيقة فلابد منهما -يعني قهر ورهبة وإحسان ورغبة- والجمع بينهما هو الأكمل. ثم المسائل يقضى فيها بحسبها. وبه نعرف أن اتزان هذه الصفات، وكذلك ضبطها بالضوابط والمعايير الشرعية بحسب ما تحتاجه أحوال المسائل هو المطلوب. ولكن هذا قد يعز ويقل. قال: وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ والمراد بالجاهل ليس صاحب الجهل المطلق، ولكن من عنده جهل نسبي. قال: فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين. وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قدم العالم. لماذا؟ لأن المجتمع إذا كان عنده علم، لكن عنده فساد -كمجتمع فيه شبه باليهود- اليهود عندهم علم، لكن ما عندهم دين. فيصلح أن يكون قاضيهم من صاحب دين؛ لأنه لو أخطأ في العلم، ربما راجعه أي واحد من المجتمع. مسائل العلم معروفة عندهم. فإذا أخطأ راجعه أي واحد. فيختاجون إلى من عنده دين أكثر من العلم؛ لأن العلم موجود عند الكثير منهم. ومجتمع يغلب فيه الدين، لكن فيه جهل. فهنا يمكن عليهم قاضي عنده علم، ولو عنده فسوق؛ لأنه لو فسق سيقوم عليه المجتمع. فالمجتمع دين المجتمع ماذا؟ دين. ما يقبلون فيهم الفسوق. فلذلك يراعى في هذا الأصلح. وقوله: «لخفاء الحكومات» يعني فيما يتعلق من خصومات وأقضية بحسب تلك الخصومات من الأروش، وأروش الجنايات، ونحوها على ما هو معروف في تفاصيل مسائل الفقه. قالوا: أكثر العلماء يقدمون ذا الدين. فإن لإما متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا أهلا للشهادة. واختلفوا باشتراط العلم: هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل؟ على ثلاثة أقوال. وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع. والصواب في هذا التفصيل: فإن التفصيل يقتضي ما تقدم. الأصل تقديم الدين. العالم فإذا لم يمكن، فالدين؛ لأن الدين إذا صار عنده دين، فإن دينه سيمنعه من أن يتكلم بغير علم. دينه سيمنعه من أن يتكلم بغير علم. فما لم يعلمه سأل أهل العلم. ولكن إذا كان المجتمع كما تقدم يغلب عليه الدين، ويقل فيه العلم. ما في علم، وعندهم دين. ولا يمكن أن يستعين من عنده دين بأحد. فهنا قد يقال: يمكن الآخر الذي تقدم، من عنده شيء من الفسوق، وعنده علم؛ لأنه إن فسق فسيقومه الناس. وهكذا كذلك العكس. إن كان العلم موجودًا، ولكن الدين غير موجود. فهنا يمكن الدين. فالمهم بحسب الأصلح، بحسب الأصلح، وما تقتضيه المصلحة في هذا المقام. ولهذا كان التفصيل هو أعدل هذه الأقوال، وهو قول من قال بمعنى الأمثل فالأمثل بحسب ما تصلح به الأحوال. قال: ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود. فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال؛ حتى يكمل في الناس ما لابد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها. كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه. وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه. وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز. فإنما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوه، فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هنا لا يتم إلا بها. وهذه مسألة أخرى، وهي: إذا وجد العجز، فعند ذلك ممكن أن يولى حتى غير الأهل للضرورة. فالضرورات تبيح المحظورات، ولكن بثلاثة شروط. الشرط الأول: أن لا يوجد من هو أصلح منه، فهو أصلح الموجود. الشرط الثاني: أن يكون ذلك لا على ضرر يتعدى إلى غيره؛ لأن وجوده عند ذلك كعدمه. يعني مثلًا غير أهل من جهة الفسق، إذا كان فسقه لنفسه فكما تقدم. لكن إذا كان فسقه للمجتمع، فهذا يضر. فهذا يضر. والشرط الثالث: أن يكون ذلك -كما ذكر- للضرورة. يعني ممكن أن نقول: تدرأ به المفسدة الكبرى. فيكون هو المفسد للصغرى. أما إذا كان لا تندرأ به مفسدة كبرى، فلا شك أن عدم توليته هو الأولى؛ لأنه قد يكون تولية أمثال هؤلاء تقع به المفسدة الكبرى. فمثلًا: مجتمع ليس عندهم قاضي، لكن مشاكلهم قليلة. وإذا صابهم شيء سألوا من هو بعيد عنهم ممن هو أهل لذلك. فلا يصلح في مثل هذا المجتمع أن يقال: للضرورة نولي بيننا رجل ولو كان ما عنده أهل، ولا كفاءة؛ لأنه لو تولى تركوا صاحب الكفاءة البعيد، وخبط فيهم هذا خبط عشواء. وهكذا يقال مثله فيما تقدم. وهذا هو معنى تولية الأمثل فالأمثل. وأما قوله: «وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه» وكما يجب الاستعداد إلى آخره، استعداد للجهاد إلى آخره. المقصود أن هذه الأمثلة نص عليها العلماء، وهي تدل على هذه القاعدة. فهي بمعنى قول الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾. فيجتهد الإنسان بحسب الموجود. وكما يقول العامة: الجود بالموجود. فلا يمكن أن تعطى المصالح الناس، وتحصل لهم الضرورات المتتابعة بسبب تعطيل الولايات والإمارات ونحوها. فلابد من قيامها. فإذا لم يكن قيامها إلا بأمثال هؤلاء ممن هم أفضل الموجود، ولو قصرت بهم الصفات. فالضرورة تقتضيه. الضرورة تقتضيه. ثم فرق -رحمه الله- بين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. فالوجوب شرط الاستطاعة -كالحج مثلًا- فهو من الوجوب، ليس من الواجب. وما لا يتم الوجوب إلا به ليس بواجب. فليس على الإنسان أن يجمع مال الحج لأجل أن يجب عليه الحج، ثم يحج. هذا مما لا يتم الوجوب إلا به، فهو ليس بواجب. بينما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وله أمثلة كثيرة، وهي مسألة معروفة مشهورة في كتب الأصول. مثلًا: شراء الماء للوضوء. الوضوء من الواجبات، بل شرط للصلاة. فإذا كان يستطيع شراء الماء ليتطهر، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وشراء الثوب لستر العورة، وغير ذلك مما لا يتم الواجب إلا به. وأما ما لا يتم الواجب إلا به فلا، كجمع النصاب للزكاة. وكذلك إيجاد حد الاستطاعة للحج، ونحو ذلك. فأراد أن يفرق بين هذا وهذا. فهذا أمر الشرع به. فدفع حاجة الناس من الولايات والإمارات واجب. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إذن يولى الأصلح والأمثل، ولو قصرت صفات الكمال فيه. هذا هو المقصود من التنبيه على هذا. طيب، نقف إلى هنا. والله تعالى أعلم. وسامحونا على الإطالة، فقد اقتضاه لأجل أن ننتهي من هذا الفصل. والله أعلم.