الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 37، الدرس السابع والثلاثون:من( قال الإمام أحمد رحمه:حدثنا أيو بكر بن عياش ... وإسماعيل بن مسلم هو البصري ثقة وليس بالملكي ذاك ضعيف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي هذا الفصل معجزتين للنبي صلى الله عليه وسلم، الأولى إحلاب شاة لم ينزو عليها الفحل، والثانية بركة في تمر قليل، مما يدل على نبوته وكرمه.
يتناول هذا الفصل أحاديث نبوية تظهر بركة الطعام القليل الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، مثل تكثير التمر واللبن، مما يدل على تأييده الإلهي.
يُبرز هذا الفصل أهمية الدعاء وفضله، وكيف أن الله تعالى يجعل البركة في الشيء القليل لمن يتوكل عليه، مع الإشارة إلى فضل الصحابة في طلب العلم.
يذكر هذا الفصل أن عدد سور القرآن الكريم هو مئة وأربعة عشر سورة، مشيرًا إلى أهمية العلم المتراكم والتدرج في المنهج التربوي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل، من نادي الوادع، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثني عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال: «يا غلام، هل من لبن؟» قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن. قال: «فهل من شاة لم ينزو عليها الفحل؟» قال: فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبه في إناء، فشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: «اقلص»، فقلص. يعني ارتفع، لأن الشاة التي لم ينزو عليها الفحل يكون ضرعها مرتفعًا، فإذا حملت ونزى عليها الفحل، فإن ضرعها ينزل، إيذانًا بحملها ووجود وإتيان اللبن في ضرعها، وكونه أمره بالقلص حتى لا يتهم الراعي بشيء. قال: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول. قال: فمسح رأسي، وقال: «يرحمك الله، فإنك غليم معلم». يعني شاب صغير حريص على العلم. ثم قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد، قال: ابن سلم، عن عاصم، بإسناده، قال: فأتاه أبو بكر بصخرة منقورة، فاحتلب فيها -يعني مثل الوعاء، حجر مثل الوعاء- فشرب به، قال: فشرب، وشرب أبو بكر، وشربت -يعني ابن مسعود- قال: ثم أتيته بعد ذلك، قلت: علمني من هذا القرآن. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن على كل أحيانه، فسمع منه القراءة، فأحب القرآن، قال: «إنك غلام معلم». قال: فأخذت من فيه سبعين سورة -يعني تعلمها منه عليه الصلاة والسلام- قال: هذا حديث حسن. فقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا يونس، قال: حدثنا حماد -يعني ابن زيد- عن المهاجر، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يومًا بتمرات، فقلت: أدعو الله لي فيهن بالبركة. قال: فصفهن بين يديه، قال: ثم دعا، فقال لي: «اجعلهن في مزود، وأدخل يدك، ولا تنثره». قال: فحملت منه كذا وكذا -يعني بارك الله في هذا التمر القليل الذي كان في الكيس الصغير، فصار يأكل منه فترة طويلة ولا ينقص- قال: وسقيت في سبيل الله، ونأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي كيس صغير، أضعه في الحقو، فيه تمرات، ومع ذلك كل فترة يأكل منه تمرة، ويبقى كأنه ما نقص. قال: فلما قتل عثمان، رضي الله عنه، إن قطع عن حقوي، فسقط. ومعناه أنه بقي سنين طويلة حتى وصل إلى عهد عثمان، رضي الله تعالى عنه، ونهاية خلافته. قال: هذا حديث حسن، وقد حسنه الترمذي، رحمه الله. وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن مسلم- عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من تمر، فجعلته في مكتل لنا، فعلقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره، أصابه أهل الشام، حيث أغاروا على المدينة. قال: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات، وإسماعيل بن مسلم هو البصري، ثقة، وليس بالمكي، فذاك ضعيف. أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الأحاديث الثلاثة، وفيها دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وصدق رسالته، في البركة بالشيء القليل أن يصير كثيرًا، وأن يوجد الشيء على خلاف عادته. وهذا يدل على تأييده عليه الصلاة والسلام بعدد من الآيات والمؤيدات التي تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. أما حديث ابن مسعود بروايته، ففيه أن هذا الضرع صار فيه اللبن على خلاف ما يعهد الناس ويعرف، وهذه بركة جعلها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، ولا ينافي ذلك ولا يعارضه ما جاء في الرواية السابقة في قصة الشاة التي احتلبها النبي عليه الصلاة والسلام. فإن قال: هناك عناق حملت أول الشتاء، وهنا ظاهرًا أن شاة لم تحمل أبدًا. فإما أنهما قصتان، قصة لابن مسعود، وقصة لراعي آخر، وإما أنهما لابن مسعود، لكن كانت في شاتين، شاة حملت وأسقطت، وشاة أخرى لم ينزو عليها الفحل، وبهذا يجتمع ولا يكون هناك معارضة. وهكذا حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، بروايتيه الأول والثاني، وهما قصتان في المزود -أي الكيس الصغير الذي يضعه في حقوه- صفهن ودعا وبرك، فبارك الله عز وجل له فيه، وفي المكتل -أي وعاء آخر أكبر- كان يوضع في سقف البيت، دعا النبي عليه الصلاة والسلام فيه، وأعطاه إياه، فكان فيه البركة حتى بقي إلى أن كان في الشام. رضي الله عنه أرضاه. وكل هذا يدل على ما أيد به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب من تكثير الطعام القليل من لبن أو تمر أو غيره. وفي هذه الأحاديث كذلك مسائل أخرى، من أهمها خمس مسائل. فيه ما ينبغي أن يحرص عليه الداعي إلى الله من الدعوة إلى الله عز وجل في كل وقت وحين، في سفره وفي حله وترحاله. فانظر كم من الناس تابع النبي عليه الصلاة والسلام في غير دعوة في مسجد، حتى لا يظن النظام أن الدعوة إلى الله مقصورة على المساجد بخطبة أو درس أو محاضرة، لا، بل الدعوة إلى الله في كل مكان، أنت في سيرك وذهابك وإيابك وحلك وترحالك وإقامتك وسفرك، تدعو إلى الله، تلقى هذا في الطريق بكلمة طيبة ومعاملة حسنة، تدخل معه فتدعوه إلى دين الله، إن كان كافرًا فإلى الإسلام، وإن كان مسلمًا فإلى السنة، وإن كان سنيا فإلى العلم والاستقامة، وإن كان مستقيما فإلى التعاون على الخير والبر، بما يكون فيه دعوة الآخرين. وكل هذا مما يقع ليس في المسجد فقط، في العمل، في المسجد، في السيارة، في السوق، في الشارع، في أي مكان. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام علم ابن مسعود سبعين سورة، ما أنه لقيه أين في الطريق، وهو مسافر، وهو يرعى الغنم. رضي الله عنه أرضاه. وهكذا كذلك من مسائل هذه الأحاديث، فيه فضل الدعاء، وأن له شأن عظيم، ولا ينبغي للمسلم أن يستقل أمره ويزهد فيه. فكم من خير ديني ودنيوي يقدره الله عز وجل للعبد بدعوة يدعو بها. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة». دعاء المسألة بقولك: رب اغفر لي، رب اعطني، رب ارزقني، رب هب لي، رب ادفع عني، ونحو ذلك من دعاء المسألة، أو دعاء العبادة بما يكون من قيامك لله عز وجل بطاعات وأعمال صالحة تعينك وتستعين بها على أمر دينك ودنياك. وفيه كذلك من المسائل ما يجب الإيمان به من بركة الله عز وجل ما جعلها لنبيه عليه الصلاة والسلام، وهو الدليل من دلائل نبوة وصدق رسالته، وما يجعله الله عز وجل كذلك لمن شاء من أوليائه. فإن اتباع الأنبياء لهم كرامات هي ليست كدلائل نبوة الأنبياء، لكنها من جنسها. فيجعل الله عز وجل لهذه الأمة، وهو تأييد لصدق رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ما هو كذلك. فيه بعض ما يجعل لنبيه عليه الصلاة والسلام. وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة، أي أنهم يعتقدون عقيدة لله عز وجل أن الله سيبارك لهم في الشيء القليل، ثم يدعون الله عز وجل ويصبرون ويحتسبون، فيجعل الله البركة في الشيء القليل. فمثلًا إذا سافر قوم وكان عندهم مال قليل أو طعام قليل أو شراب قليل، فيعلق قلبهم بالله عز وجل مع الأخذ بالأسباب، اعقلها وتوكل. ومن الأخذ بالأسباب مثلًا الاقتصاد في رحلتهم في أكلهم وشربهم أو نفقتهم، فيجعل الله عز وجل البركة في هذا القليل، أولًا بالأخذ بالأسباب، وثانيًا بالدعاء، وثالثًا بالاعتقاد أن يكون عنده عقيدة وصدق توكل وثقة بالله عز وجل أن الله عز وجل لن يضيعهم، ويستجيب دعاءهم، ويعينهم وينصرهم. فيكونوا كما أرادوا باذن الله سبحانه وتعالى. فإذا وجدت هذه الخصال الثلاث باذن الله تعالى يحصل لهم ما حصل لمن سبقهم. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل فضل ابن مسعود وفضل أبي هريرة، رضي الله تعالى عنهما، فلهم السابقة في العلم وفي الصحبة، فكذلك ينبغي أن يكون لهم ما يكون من الفضل. وفيه كذلك من المسائل فضل الحرص على العلم والصبر عليه، وكيف أن من حرص وصبر أثمر باذن الله تعالى. فهذا ابن مسعود يدل هذا الحديث، فضلًا عن غيره من الأحاديث الأخرى، ما كان عليه من الصدق والحرص على الخير، ومن ذلك تعلم العلم. فانظر ماذا كان بعد ذلك؟ كان من علماء الصحابة، يرجع الناس إليه، رجع إليه الصحابة، فضلًا عن غيرهم من من بعدهم. وهكذا أبو هريرة، رضي الله عنه، أحد المكثرين السبعة الذين كان عندهم العلم الكثير عن النبي عليه الصلاة والسلام من جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. واخيرًا، كذلك من المسائل بيان أن هذا العلم لا ينال براحة الجسد، فإنهم نالوا ذلك بصبر وتأني واستمرار. فسبعين سورة يتعلمها ليس بالأمر السهل، وهكذا سائر السور الأخرى. وكم سور القرآن؟ مئة وأربعة عشر سورة، فهذه المنازل تكون بالتدرج، وهكذا سائر العلم. والله تعالى أعلم.