كتاب الجهاد 5

كتاب الجهاد 5

الدرس الخامس:(الحديث الثامن والتسعون بعد الثلاثمائة:عن عبدالله بن أبي أوفى ...6-الدعاء بهذه الدعوات المناسبات عند لقاء الأعداء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله).

شرح حديث النبي حول تمني لقاء العدو

يشرح الحديث الثامن والتسعين بعد الثلاثمئة عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو وأمر بالصبر عند اللقاء وسؤال الله العافية. يُفسر النهي عن تمني لقاء العدو بالعجب والغرور وعدم الحيطة والحزم.

أسباب النصر والدعاء المناسب في القتال

يشرح أسباب النصر في القتال كما وردت في شرح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتشمل التحين للقتال وعدم الاتكال على القوة والعدة بل التوكل على الله والدعاء. كما يتضمن شرحا لدعاء توسل به النبي إلى الله بنعم الدين وإظهار طاعة الله وتقواه.

فقه الجهاد وأدعية النبي عند مواجهة الأعداء

يتناول بعض الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها عند مواجهة الأعداء، ويشرح أهمية الصبر والجهاد في مواجهة العدو، ويبين أن هذا الدين لم يترك شيئًا إلا وأنزل لنا فيه علمًا نافعًا. كما يشير إلى فضيلة الجهاد وأنه سبب لدخول الجنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الثامن والتسعون بعد الثلاثمئة، قال عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في أيامه التي لقي فيها العدو: «انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أهزمهم وانصرنا عليهم». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث وابتدأ به هذا الكتاب، وهذا من فقهه رحمه الله تعالى. وكذلك حسن ترتيبه لهذه الأحاديث، ففيه هذا الحكم الذي سيأتي إن شاء الله الكلام عليه والتعليق من الشارح رحمه الله. وهذا الحديث أقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام البخاري رحمه الله، خرجه في باب لا تتمنوا لقاء العدو، فقال رحمه الله: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله، قال: كنت كاتبا له، فكتب إليه عبد الله بن أبي أوفى وذكر الحديث. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: ينهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن تمني لقاء العدو لما في ذلك من العجب والغرور واحتقار الأعداء وازدرائهم، الذي هو انتفاء للحيطة والحزم المطلوبين. هذا وجه، ووجه آخر: أن ذلك من مواضع الهزيمة، إذ ربنا جل وعلا معيته مع المحسنين المتقين، ليس المتكبرين المغرورين. فإذن هذا المعنى فيه منقصة من جهتين: من جهة أنه يكل نفسه إلى نفسه، وهو ضعيف وفقير، ويتخلى عنه ربه جل وعلا. وثانيا: أن ذلك يستوجب الغرور الذي معه يحصل انتفاء الحيطة والحزم، وهذا حال المغرور. المغرور يرى نفسه قد كمل، فعند ذلك يدخل الخلل والنقص عليه. قال: وأمرهم أن يسألوا الله تعالى العافية، وهي السلامة من المكروهات في الدنيا والآخرة، ومنها لقاء الأعداء. ثم بين أسباب النصر. وهناك معنى آخر مر معنا: ما هو؟ المعنى الآخر: ما هو؟ ها عند من؟ المعنى الأول: العجب والغرور. والثاني: نعم؛ لأنه لا يدري بالعاقبة، هل يثبت ويتحقق صبره أم لا؟ فهو من باب عدم تمني البلاء. ويروى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه: لأن يعطى فيشكر خير من أن يبتلى فيصبر. قال رحمه الله: ثم بين أسباب النصر، قال: إذا ابتلوا بعدوهم، وهي الثبات والصبر، وتحري القتال في أوقات معينة، بعد الزوال، فإنه وقت هبوب الرياح، وفي ذلك تنشط الأجسام، ويحين وقت النصر. وأن لا يتكلوا على قوتهم وعدتهم، بل يسألوا الله تعالى العون والنصر، وخذلان الأعداء. يعني حين انتظر النبي صلى الله عليه وسلم حتى مالت الشمس. وفي هذا أمر المسلم عموما، والمقاتل في سبيل الله خصوصا، أن يتخذ الأسباب الحسية والمعنوية للنصر. فمن الأسباب الحسية: هذا التحين للزمان، ومثله المكان، ومثله القوة، ومثله سائر معاني الإعداد. ومن المعنوية: الدعاء، وعظيم الصلة بالله رب العالمين. وهذا يستلزم لزوم طاعة الله وتقواه. قال رحمه الله تعالى: ثم ذكر دعاء مناسبا لذلك الموطن، فتوسل إلى الله تعالى بكونه منزل الكتاب، الذي سن القتال لإظهار شعائره وأحكامه. عندي لإظهار طيب، إذن ذهبت من هنا إلى هنا. قال: وهو توسل بنعم الدين، وإجرائه السحاب الذي هو نعمة الدنيا، شاملا به لنعم الدنيا والآخرة. وكما أنعمت بنصرنا وهزم أعدائنا يوم الأحزاب، فانصرنا؛ فنحن نقاتل اليوم على ما نقاتل عليه بذلك اليوم. فهزمهم وانصرنا عليهم. وكلها أدعية جامعة، تدل على افتقار العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، واستعانته بعظيم صفاته جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: فهذه أسباب النصر، ببيان الوقت المناسب، والدعاء المناسب، ودفع الشر بتركه، والصبر عند حلوله. أرشد إليها القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم. ثم بين فضيلة من فضائل الجهاد، وهي أنه من أقرب الأسباب لدخول الجنة. وفي هذا كذلك حث على الصبر عند البلاء، خصوصا في مثل هذا الموضع. ولهذا قال: «تحت ظلال السيوف». قال: لأنه إرخاص للنفس النفيسة في سبيل الله تعالى. ولهذا كان عظم الجزاء مع عظم البلاء. قال رحمه الله: ما يستفاد من الحديث؟ قال: أولا: تحري مناسبة الوقت للقتال، والأولى أن يكون في أول النهار؛ لأنه كذلك فعله النبي عليه الصلاة والسلام. وكما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يخرج في أول النهار. فإن لم يكن فبعد الزوال. قال رحمه الله: فإن لم يكن فبعد الزوال، كما جاء في حديث آخر: «كان إذا لم يقاتل أول النهار، وتحضر الصلاة». والحديث رواه البخاري معلقا من حديث معقل بن النعمان، ووصله أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وجاء نحوه من حديث عبد الله بن عباس، قال: «إذا لم يلق العدو في أول النهار، فإنه يلاقيهم عندما تهب الرياح، ويكون وقت الصلاة». وهو كذلك حديث صحيح، رواه الطبراني في الأوسط، وهو مع ما قبله يصح. وزاد فيه: «وكان يقول: اللهم بك أصول، وبك أجول، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». فهذا يدل على أن من فقه الجهاد تحين الزمان المناسب، وهو يختلف من مكان إلى مكان، ومن بلاد إلى بلاد، ومن وقت إلى وقت. قال: الثاني: كراهة تمني القتال ومصادمة الأعداء؛ لأن المتمني ما يدري ما عاقبة الأمر. وأيضا دليل الغرور والعجب، وهو عنوان الخذلان، ودليل احتقار العدو، وهو عنوان قلة الحزم والاحتياط. فهذه معاني ثلاثة، وغيرها كثير من مفاسد تترتب على تمني لقاء العدو. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما أوحاه الله إليه. وبه نعرف كمال هذا الدين الذي لم يترك شاردة ولا واردة، ولا صغيرة ولا كبيرة، إلا وأنزل لنا فيها علما ننتفع به في دنيانا، وفي ديننا، وفي معادنا ومعاشنا. قال: ثالثا: سؤال العافية، وهي شاملة لعافية الدين والدنيا والأبدان، وهو مناسب في مثل هذا المقام، كما لا يخفى؛ فإن المقام مقام مواجهة الأعداء والصبر عند البلاء. قال: الرابع: الصبر عند لقاء العدو؛ لأنه السبب الأكبر في الظفر والانتصار، وهو من أعظم أسباب النصر، خصوصا في مثل هذا المقام. ولهذا قال: «فإذا لقيتموهم فاصبروا». والنصر مع الصبر. قال: خامسا: فضيلة الجهاد، وأنه سبب قريب في دخول الجنة. وفي قوله: «ظلال السيوف» إشارة إلى الإقدام والدنو من العدو، حتى تضلله سيوفهم، ولا يولي عنهم. كما تقدم هذا معنى مطلوب عند حصول البلاء. إذا وقع البلاء، فإذا أثبت تلك الرغبة، وليست المسألة مسألة كلام؛ لأن من الناس ما شاء الله يحسن الكلام، لكن إذا جد الجد ربما كان من المتخوفين. لكن هذا هو إذا وقع البلاء فأثبت هذه الرغبة؛ فإنه من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق. لا يتمنى الإنسان لقاء العدو، ولكن إذا وقع فهو يثبت؛ أنه من أشجع الناس، ومن أحرص الناس على هذا الخير حسا ومعنى. وفيه معنى آخر لطيف، وهو أن هذا الإقدام سبب لإخافة الأعداء؛ فالعدو إذا رأى خصمه مقبلا غير مدبر، وكذلك يدنو ولا يرهب، فإن ذلك يخيفه ويزعجه. بخلاف إذا رآه مترددا، فضلا إذا رآه متراجعا خائفا؛ فإن ذلك يشجعه. ربما يخاف الإنسان من هرة إذا رآه شجاعا، وترمي بنفسها فوقه، وهي هرة. فما بالك بإنسان معه سلاح، يرمي بنفسه رميا فوق العدو؟ فإنه لا شك سيرعب العدو ويرهبه. قال رحمه الله تعالى: قال القرطبي: هو من الكلام النفيس الجامع الموجز، المجمل على ضروب من المبالغة مع الوجازة، وعذوبة اللفظ. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، كلام موجز مجمل على معاني عظيمة. قال: السادس: الدعاء بهذه الدعوات المناسبة عند لقاء الأعداء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله؛ فهي سنة أخرى تسن لمن خرج لمواجهة العدو، فإنه يدعو بهذا الدعاء اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتبعا للمعاني العظيمة التي تضمنتها. إلى هنا والله تعالى أعلم.