الدرس في كتاب الجهاد 6، الدرس السادس:(الحديث التاسع والتسعون بعد الثلاثمائة:عن سهل بن سعد رضي الله عنه...ونشر شريعته لهداية البشر فهو ذروة سنام الإسلام كما في حديث معاذ بن جبل). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشارح بتوضيح معنى الرباط في سبيل الله وأحكامه الفقهية، ويشرح المفردات الواردة في الحديث النبوي الشريف.
يشرح فضل المرابطة في سبيل الله، مبينا أن ثوابها أعظم من الدنيا وما فيها، وأن النعيم الموعود للمجاهدين في الآخرة لا مثيل له.
يبرز أهمية الجهاد والرباط في سبيل الله، موضحا عظمة ثوابهما مقارنة بحقارة الدنيا، وأن الجهاد ذروة سنام الإسلام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث التاسع والتسعون بعد الثلاثمائة. قال عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما فيها». أورد رحمه الله هذا الحديث، وهو في سياق ذكره -كما تقدم- لفضائل الجهاد في سبيل الله. والحديث في الصحيحين، على قاعدته في إخراج الأحاديث التي في الصحيحين من أحاديث الأحكام. وهذا اللفظ أخرجه الإمام مسلم، فقال: حدثنا عبد الله بن نمير أنه سمع محمد بن إسحاق حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي فذكره بلفظه. وقال في آخره: «خير من الدنيا وما عليها وما عليها». قال الشارح رحمه الله: الغريب، قال: قوله «رباط يوم في سبيل الله» الرباط بكسر الراء وفتح الباء الموحدة الخفيفة، هو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم. وهناك أحكام كثيرة تتعلق بالرباط فيما يجب، وما يحرم، وما يستحب، وما يكره، وما فيه الفضل الخاص، وما ليس فيه الفضل، وفي مدة الرباط، وغير ذلك من تفاصيل وأحكام تذكر في كتب الفقه وشروح الحديث فيما يناسب تفاصيل هذه المسألة. لكن معناه بالجملة هو هذا: ملازمة المكان -أي الذي شرع المرابط فيه- وقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا. وإذا كان واجبًا قد يكون واجبًا عينيًا يتناوبون، وقد يكون واجبًا كفائيًا. قال: قوله «سوط» بفتح السين وسكون الواو، أداة برب فوق القضيب ودون العصا. والقضيب هو العصا الصغيرة، والعصا معروفة، فالصوت بينهما. فإذا هي عصا متوسطة، وغالبًا ما يكون من الخيزران كما هو مشهور عندنا، أو يكون كذلك من أذناب بعض البهائم كالبقر ونحوه. قال: الثالث «الروحة» بفتح الراء، السير من الزوال إلى الليل، ويراد به المرة الواحدة، يعني إذا أطلق قيل: هذه روحة فلان، يراد به مرة واحدة. وأما إذا أريد التكرار فإنه يقارن رواحًا. والمراد أن هذا الفضل في مرة واحدة، فما بالك إذا تكررت المرات؟ هذا الفضل في مرة واحدة، فكيف إذا تكررت المرات؟ فإنه يتكرر هذا الفضل فيعظم. قال: وقوله «الغدوة» بفتح الغين، السير في أول النهار إلى الزوال، ويراد بها المرة الواحدة. هذا هو الغالب أن الغدوة سير أول النهار. وقد يطلق على سير النهار مطلقًا ولو كان بعد الزوال إذا قابل سيرًا في الليل، فيقال: كلما غدا وراح. كما في الحديث: «أعد له نزلًا» -أي الذاهب إلى المسجد- كلما غدا وراح، فغدا أو راح يشمل الذهاب في النهار وما بعد النهار. قال: المعنى الإجمالي: يبين النبي صلى الله عليه وسلم فضل المرابطة في سبيل الله بأن ثواب مرابطة يوم خير من الدنيا وما فيها؛ لما في ذلك من حراسة المسلمين والإقامة في وجوه الأعداء الذين يتربصون الدوائر والفرص بالمسلمين، فيهجمون عليهم، ولما فيها من المخاطر بالنفس لحفظ المسلمين وصيانتهم من عدوهم. وهذا في فضل يوم واحد، فما بالك إذا كانت أيام؟ هذه روحة وغدوة في يوم واحد أو في مرة واحدة، فكيف إذا تكررت؟ فإنه يتكرر ويعظم معه الفضل والأجر. قال رحمه الله: ثم يبين صلى الله عليه وسلم حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة؛ ليزهدهم فيها رغبة فيما عنده، فيرخصوا أنفسهم في سبيله وفي سبيل إعزاز دينه. «فموضع السوط فيها خير من الدنيا وما فيها» معناه: أن ما عده الله للمجاهدين في سبيله في جنات النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ومنه أن موضع السوط خير من الدنيا وما عليها؛ المكان الذي يوضع ويعلق فيه السوط خير من الدنيا وما فيها؛ يعني لبهائه وجماله وعظيم النعيم الذي أعد لأهله فيه. قال رحمه الله: فيرخص أنفسهم في سبيل وفي سبيل إعزاز دينه «فموضع السوط فيها خير من الدنيا وما فيها»؛ لأن هذه فانية وتلك باقية -يعني الدنيا والآخرة باقية- قال: ولأن هذه منغصة وتلك منعمة -يعني الآخرة والدنيا منغصة- قال: ولأن ما في هذه من المتاع والنعيم لا يقارن بنعيم تلك الدار التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وثواب الروحة أو الغدوة في سبيل الله مرة واحدة خير من الدنيا وما فيها؛ لما للمجاهد من عظيم الأجر وجزيل الثواب؛ لأن المجاهدين باعوا أنفسهم الغالية لله تعالى بثواب الجنة، وأرخصوها في ابتغاء مرضاة إعلان لكلمته وإظهارًا لدينه؛ ليغفر لهم ذنوبهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وهذا ظاهر في الحديث. قال: ما يستفاد من الحديث: قال: فضل الرباط في سبيل الله؛ لما فيه من المخاطر بالنفس بصيانة الإسلام والمسلمين، فهو من الأعمال الفاضلة العظيمة في الجهاد في سبيل الله. قال: لذا فإن ثواب يوم واحد خير من الدنيا وما فيها. قال: الثاني: حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة؛ لأن موضع السوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها. ولو لم يكن بينهما إلا أن هذه فانية وتلك باقية؛ فإن الرغب في الباقي وإن كان خزفًا خير من الفاني وإن كان صدفًا -يعني الخزف رخيص والصدف نادر ثمين- ومع ذلك إذا كان هذا يفنى وهذا يبقى؛ فالخير في الذي يبقى. فكيف إذا كان الذي يبقى مما يكون به عظيم الإنعام مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟ قال: ثالثًا: فضل الجهاد في سبيل الله وعظم ثوابه؛ لأن ثواب الروحة الواحدة أو الغدوة خير من الدنيا وما فيها. وهذا واضح وظاهر، فكيف إذا تكرر؟ فإنه يعظم ويزداد الثواب والأجر. وفهم قوله «الواحدة» من هذه الصيغة التي تدل على المرة الواحدة. قال: رابعًا: رتب هذا الثواب العظيم على الجهاد؛ لما فيه من المخاطرة بالنفس طلبًا لرضا الله تعالى، ولما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله ونصر دينه ونشر شريعته لهداية البشر. وهذا هو المقصود من هذا الجهاد، فلذلك إذا صارت النية مختلفة فإن الثواب يختلف. ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد بيّن أنه: «ما كان لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فهو في سبيل الله». قال: لهداية البشر، فهو ذروة سنام الإسلام -كما في حديث معاذ بن جبل- يعني المشهور المعروف. ولم يكن ذروة سنام هذا الدين إلا لأنه به ينصر وتنشر الشريعة وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وفي هذا مصالح عديدة تتحقق لبني الإنسان في الدنيا فضلًا عن الآخرة، ولهذا صار ذروة سنام هذا الدين. والله تعالى أعلم.