الدرس في كتاب الجهاد 15، الدرس الخامس عشر:(الحديث الثاني عشر بعد الأربعمائة:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ...ما يستفاد من الحديث:مشروعية التمرن وتعلم الفنون العسكرية ..). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث يتعلق بإعداد الخيل للجهاد وتفسير معنى "ما ضمر" وكيفية تجهيز الخيل لقطع المسافات الطويلة. يبين أهمية الإعداد الجيد للخيل.
يشرح استعداد النبي للجهاد وتدريب الخيل على الركوب والمسابقة، ويبين أهمية الإعداد الجسدي للمقاتلين ومركوباتهم. يشير إلى دور عبد الله بن عمر في تعلم فنون الحرب.
يشرح أهمية تعلم الفنون العسكرية والعلوم الحربية استعدادًا لمواجهة العدو، ويبين أن الإسلام يحث على ذلك مع الالتزام بالضوابط الشرعية. يشير إلى اختلاف هذه الفنون باختلاف الأزمنة والأماكن.
يختتم الدرس بالإشارة إلى أن النقاط المطروحة تحتاج إلى مزيد من الوقت، ويعلن عن استكمال الموضوع في درس قادم مع الدعاء والتوكل على الله تعالى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: قال الحديث الثاني عشر بعد الأربعمائة، قال: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أجرى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما ضمر من الخير من الحفياء إلى ثنية الوداع، أجرى ما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. قال ابن عمر -رضي الله عنه-: وكنت فيمن أجرى. قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث الصحيحين التي تتضمن أحكامًا من أحكام هذا الكتاب، كتاب الجهاد. وأقرب الألفاظ هو لفظ إمام البخاري -رحمه الله- في أصل الحديث الصحيحين، وقد خرجه البخاري في باب الصدق بين الخيل، فقال -رحمه الله-: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه. قال الشارح -رحمه الله-: الغريب قوله: «ما ضمر» بضم الضاد وكسر الميم المشددة، مبني للمجهول. والمضمرة هي التي أعطيت العلف حتى سمنت وقويت، ثم قلّل لها تدريجيًا لتخف وتضمر، فتسرع في العدو. وهي طريقة يعرفها أهل الخيل، ولهم فيها كيفيات كثيرة في إذابة دهون الخيل واشتداد لحمها. فيطعمونها الطعام المقوي الذي يقوي عضلات هذا الخيل، ثم يمنعون عنها الطعام، وربما وضعوا عليها بعض السرج والجلد حتى تعرق كثيرًا لمدة شهرين، وبعضهم لمدة شهر، حتى يشتد جسم هذا الخيل، فيكون مهيئًا لقطع المسافات الطويلة؛ لأن الدهون تضيق على نفس الخيل، فيكون سببًا في منعها وعدم استطاعتها من قطع المسافات الطويلة. فهذا هو معنى التضمير، ولهم فيها كيفيات وطرق مختلفة، والمقصود هو هذا. قال -رحمه الله-: «الحفياء» بفتح الحاء وسكون الفاء، ثم ياء فألف ممدودة، مكان خارج المدينة، يعني اسم موضع. قال: «ثنية الوداع» سميت بذلك؛ لأن المسافر من المدينة يخرج معها إليها المودعون. والثنية هي الطريق في الجبل، وهو مرتفع يسير. قال: قوله «زريق» بضم الزاي المعجمة، ثم راء مهملة، فياء، ثم قاف، هم بطن من الأنصار. وقوله: «خمسة أميال» الميل نحو كيلو مترين إلا سدسًا. وتقدم في مواقيت الإحرام -يعني المواقيت المكانية- قد تقدم معنا في دروس الحج. والميل أصلا يطلق على المسافة التي يعجز الإنسان معها -من كان معتدلًا في نظره- يعجز عن التمييز بين الذكر والأنثى، هكذا ذكره أهل العلم. وقدر بالحسابات المعاصرة ما يعادل ألفًا وستمائة تقريبًا، وقليل من الأمتار. وهي مسافة معروفة. قال: المعنى الإجمالي: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مستعدًا للجهاد، قائمًا بأسبابه، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فكان يضمر الخيل، ويمرن أصحابه على المسابقة عليها؛ ليتعلموا ركوبها والكر والفر عليها، ويقدر لهم الغايات التي يبلغها جريها مضمرة وغير مضمرة؛ لتكون مدربة معلمة، وليكون الصحابة على الأهبة مدربين. قال: ولذا فإنه أجرى المضمرة ما يقرب من ستة أميال، وغير المضمرة -وهي التي أثقلها السمن- ميلًا؛ يعني ميلًا واحدًا. قال: وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أحد شباب الصحابة المتعلمين على فنون الحرب. وهكذا ينبغي للمسلمين حال كونهم مع عدو أو بين عدو، أو في تربص عدو، على تمام الاستعداد؛ كما أمر الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ بعض العدو لا يعلم، لكن الله يعلم أن هناك من يكيد للإسلام والمسلمين. وهذا الإعداد بوسائل كثيرة، ومنها ما جاء في هذا الحديث بالإعداد الجسدي للمقاتلين، وهكذا كذلك لمركوباتهم. ومنه تعلم -كما ذكر السائر- ما يحتاجه المقاتل من فنون الحرب، فيتعلم الرماية بأنواعها، وكذلك فنون القتال وخططه، وكذلك تبعات وملحقات ذلك، وهي تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. وكذلك قد يحتاج إلى فنون وعلوم ومعارف تأخذ من علوم ومعارف الآخرين؛ فالإسلام لا يمنع من ذلك، بل يحث عليه. قال -رحمه الله-: ما يستفاد من الحديث: أولًا: مشروعية التمرن وتعلم الفنون العسكرية والعلوم الحربية استعدادًا لمواجهة العدو، وهو يختلف باختلاف الأزمنة؛ فلكل زمن انسلاحه وأدوات قتاله وآلات وتعاليمه. وهذا يقتضي أن أهل الإسلام يعتنون بذلك. وهذا الاعتناء ليس فقط بالجهات المختصة -كان يقال للجيش، ولذلك يعني العسكر، ومن كان بمعنى هؤلاء-؛ بل ينبغي أن يكون هناك أهل اختصاص كالجيش والعسكر وغيرهم من جيوش المسلمين، وكذلك شيء يعم جميع المسلمين، خصوصًا أهل القدرة على القتال؛ أن تكون لهم معرفة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عمم هذا الحكم. وليس في هذا منقص، بل هذا مدح. وليس في هذا ضرر، بل فيه نفع. وليس في هذا خوف، بل فيه أمن؛ ولكن إذا ضبط بالضوابط الشرعية. فالكفار من قديم الزمان إلى يومنا هذا وهم يتفاوتون في هذا الباب؛ فمنهم من يعمم هذا الحكم، حتى يوجد في بعض بلاد الكفر اليوم من تدرس في المدارس الحكومية مادة تعلم فنون القتال وخبراته. بل في بعض الدول الكافرة من تلزم رعاياها، وكل بيت أن يمتلك سلاحًا، ويتعلم كيفية استعمال هذا السلاح؛ فلماذا لا يكون مثله وأعظم منه في بلاد المسلمين؟ ولكن بالضوابط، وكذلك الثوابت الشرعية؛ حتى تدفع المفاسد، وتحصل أعلى المصالح. والحمد لله في ديننا من الأحكام والحكم ما يمكن معها الوصول إلى هذه المصالح، بل إلى أعلى هذه المصالح، ودفع المفاسد بجميع أنواعها؛ فالمطلوب هو الانضباط بالضوابط الشرعية. قال -رحمه الله-: ثانيًا: يحتمل أن تكون المسابقة بعوض أو بغيره، وهي جائزة على كل الأمرين. طيب هذا الباب يطول، هذه النقطة وهذه وما بعدها قد انتهى الوقت، فإن شاء الله نكمل في الدرس اللاحق. طيب لهنا والله تعالى أعلم.