كتاب الجهاد 14

كتاب الجهاد 14

الدرس في كتاب الجهاد 14، الدرس الرابع عشر:( الحديث الحادي عشر بعد الأربعمائة:عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ... فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلى المتوكلين وقد ادخر قوت أهله). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الفيء وأموال بني النظير

يتحدث هذا الفصل عن شرح حديث عمر بن الخطاب حول أموال بني النظير ومعنى الفيء وأصله اللغوي ودلالته الشرعية. الفيء هو المال المأخوذ من الكفار بغير قتال.

غزوة بني النظير وأهميتها

يتناول هذا الفصل غزوة بني النظير ونتائجها، موضحًا كيف حصل المسلمون على أموالهم بلا مشقة وأهمية الصلح مع الجيران حتى وإن كانوا كفارًا.

أحكام صرف الفيء وبيت المال في الإسلام

يناقش هذا الفصل أحكام صرف الفيء والخراج والجزية، مبينًا جواز صرفها في مصالح المسلمين العامة وتحري الإمام للأصلح في صرفها.

التوكل على الله وادخار القوت

يشرح هذا الفصل جواز ادخار القوت وعدم تعارضه مع التوكل على الله تعالى، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى وجوب الاعتناء بالأهل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المُنْلف رحمه الله تعالى: الحديث الحادي عشر بعد الأربعمائة، قال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النظير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل. أورد رحمه الله تعالى -أي الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله- هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الجهاد. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فقد أخرجه في باب قول الله جل وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية. فقال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان غير مرة عن عمر عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه، فذكر الحديث. غير أنه ليس فيه قوله: «خالصًا»، ولكن قال: «خاصة». وهكذا لفظ الحديث في الصحيحين. فلفظ «خالصًا» مما انتشر عند مخرجي هذا الحديث، ولكنه ليس كذلك في الصحيحين. وهكذا كذلك ليس عنده قوله: «يعزل»، وإنما فيه: «فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح» إلى آخره. ففيه تقديم وتأخير وتغيير بعض الألفاظ. فهذا اللفظ الذي ذكره ليس هو لفظ البخاري ولا لفظ مسلم. قال الشارح رحمه الله: الغريب، قال أولًا: قوله «بني النظير» بفتح النون وكسر الراء المعجمة بعدها مثناة تحتية، إحدى طوائف اليهود الذين سكنوا قرب المدينة، فوادعهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه على أن لا يحاربه ولا يعين عليه، فنكثوا العهد كما هي عادة اليهود، فحاصرهم حتى نزلوا على الجلاء على أن لهم ما حملت إبيلهم غير السلاح، هذا كان إجلاؤهم على هذا. قال ثانيًا: مما أفاء الله، عندي: أفادة، عندكم: أفاءة. قال: الفيء الرجوع، سمي به المال الذي أخذ من الكفار بغير قتال؛ لأنه رد لمصالح المسلمين. وما أخذه من اللغة واضح، فالفيء مأخوذ من الرجوع، ومنه الظل؛ لأنه يتراجع، يطول ثم ينقص، ولكن هو رجوع خاص، رجوع إلى محله الذي انطلق منه. فالظل ينطلق من أين؟ من الشاخص، ثم يرجع إلى أين؟ إلى الشاخص. فكذلك الفيء هو المال الذي يرجع إلى المسلمين بغير قتال؛ لأن بقاءه في يد المسلمين هو الأصل، وذهابه إلى الكفار على خلاف الأصل؛ لأنهم لم يعبدوا الله فلم يستحقوا نعمة الله، لم يعبدوا الله فلم يستحقوا نعمة الله، فرجوعه إلى المسلمين رجوعه لأصله، ولهذا سمي فيئًا؛ ولأنه بغير قتال. قال ثالثًا: إذن هو المال المأخوذ من الكفار بغير قتال، ويدخل في معناه -كما تقدم معنا- أشياء كثيرة، فيدخل فيها كل ما لم يكن بغير قتال، حتى ما يجده المسلمون من مال الكفار الذي لم يكن بقتال، حتى ولو كان أصل الكافر حربيًا، كالذي ترميه البحار ونحوه. قال رحمه الله تعالى: قوله «لم يوجف»، الإيجاف: الإسراع بالسير. والمعنى: أنكم حصلتم هذا المال بغير مشقة؛ لأن بني النظير -كما ذكر- لا يبعد عن المدينة أكثر من ميلين، حتى أنهم ذهبوا مشيًا على الأقدام، قيل: لم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «ركاب» بكسر الراء: الإبل. وقوله: «الكراع» بضم الكاف وفتح الراء بعدها ألف ثم عين: اسم للخيل، هو لا يطلق على الخيل المجرد، ولكنه يطلق على جميع أو جمع من أنواع الخيول، والغالب تكون بعدتها، فهو لا يطلق إلا على الخيل المعد للقتال، ولهذا يقرن بينه وبين السلاح: «ما بقي في الكراع والسلاح»، كما جاء في حديث كثيرة. قال ابن فارس: فأما تسميتهم الخيل كراعًا؛ فلأن العرب تعبر عن الجسم ببعض أعضائه، أي أطراف الأقدام «كراع»، لكن قال بعض أهل اللغة: أن هذا إنما يطلق في البقر والغنم خاصة، في البقر والغنم خاصة، ولكن لا مانع أن يكون هذا كذلك يطلق في الخيل، فيكون من ذكر البعض المراد به الكل، والمشار به قوتها، وكذلك استخدامها لها في القتال. لكن كما تقدم هو لفظ صار أخص من معناها اللغوي، فيطلق ويراد به الخيل المعدة للقتال. قال: المعنى الإجمالي: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وجد حولها طوائف من اليهود، فوادعهم -مهاذنهم- يعني في أول الإسلام، في أول الإسلام في المدينة وهجرة النبي عليه الصلاة والسلام، قال: على أن يبقيهم على دينهم ولا يحاربوه ولا يعينوا عليه عدوًا. وفيه كذلك أهمية الصلح مع الجيران وإن كانوا من الأعداء الكفار؛ لأن هذا يدخل الأمان على المسلمين، ولأن نقضه موجب للعقوبة التي تكون فيها كذلك مصلحة للمسلمين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في إجلاء يهود. قال: فقتل رجل من الصحابة يقال له: عمر بن أمية الضمري، رجلين من بني عامر، يظن أنهما من أعداء المسلمين. قال: فتحمل النبي صلى الله عليه وسلم دية الرجلين، وخرج إلى قرية بني النظير يستعينهم على الديتين، فبينما هو جالس في أحد أسواقهم ينتظر وعانتهم، إذ نكثوا العهد وآرادوا اغتنام فرصة قتله -يعني حال غفلة المسلمين- فيقتلون النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في بعض الروايات: أرادوا أن يدنوه من جدار ويرموا فوق رأسه حجرًا، فجاءه الوحي من السماء بغدرهم -يعني بما خطط له اليهود- فخرج من قريتهم موهمًا لهم وللحاضرين من أصحابه أنه قام لقضاء حاجته. وفي هذا حكمة في التصرف في مثل هذا الموقف. قال: وتوجه إلى المدينة، فلما أبطأ على أصحابه خرجوا في أثره، فأخبرهم بغدر اليهود -قبحهم الله تعالى- وحاصرهم في قريتهم ستة أيام، حتى تم الاتفاق على أن يخرجوا إلى الشام والحيارة وخيبر، وهؤلاء هم بنو النظير. وأما بنو قريظة، وإن كان وقع معهم الصلح، لكن لما لم يكن هناك ما يدل على أنهم أعانوا وأقروا بني النظير على هذا الصنيع، لم تشملهم العقوبة. قال: فكانت أموالهم فيئًا باردًا حصل بلا مشقة تلحق المسلمين، إذ لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، فكانت أموالهم لله ولرسوله، يدخر منها قوت أهله سنة، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين عامة. قال: وما يستفاد من الحديث: أولًا: أن أموال بني النظير صارت فيئًا لمصالح المسلمين العامة؛ إذ حصلت بلا كلفة ولا مشقة تلحق المسلمين المجاهدين. فكل ما كان مثلها مما تركه الكفار فزعًا من المسلمين أو صلحوا على أنها لنا -يعني يكون حكمها حكم الفي-؛ لأنه يدخل في معنى الفي. وقد تقدم معنى أنه يدخل فيه معاني كثيرة من الأموال السلطانية التي دخلت على المسلمين بغير قتال من الكفار، فيدخل فيه هذا المعنى. قال: والجزية والخراج فهو لمصالح المسلمين العامة -يعني كذلك الجزية والخراج من هذا المعنى- مما يدخل في الفي. وقد تقدم معنى أو شيئًا من ذلك. والخراج هو له معاني كثيرة، والمراد به المال المجبي لأوقات محدودة، قد يكون مرة واحدة، وقد يكون مرات في دور سنة أو نحوها، وله معاني. فقد يطلق الخراج ويراد به الفيء، وقد يطلق ويراد به الجزية، وقد يطلق ويراد به ما يدخل على المسلمين من صلح مع الكفار، سواء كان بمعنى الجزية أو حتى كان كأجرة أو ثمن للأرض التي تأخذ عنوة. وهناك تفاصيل كثيرة في أحكام الخراج. والخراج مأخوذ من لفظه: ما يخرج من الكفار للمسلمين. وقد يدخل فيه أشياء أخرى، ولكن يكون لها وجه. وقد ألف الحافظ ابن رجب رحمه الله كتابًا نافعًا عظيمًا سماه «الاستخراج في أحكام الخراج». قال رحمه الله: ثانيًا: يكون للإمام منه ما يكفيه ويكفي من يمون. كأن هذا ناقص. هكذا يعني كأنه ينبني على الحديث وعلى ما ذكر قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعله في مصالح المسلمين، وهكذا من بعده يجعله الإمام فيما يكفيه ويكفي من يمون. وهل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بمن ينوبه؟ الصحيح أنه كذلك بمن ينوبه. وأخذ من بعض روايات الحديث: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره، ذكر أنه يكون في عماله، فقيل: المراد به من ينوبه في العمل، وقيل: من يقوم على الوقف من ناظر ونحوه. قال ثالثًا: أن يتحرى الإمام في صرف الفيء وبيت مال المسلمين المصالح النافعة -يعني الأصلح فالأصلح- ولهذا قال: ويبدأ بالأهم فالأهم. ولكل وقت ما يناسبه، فقد يقدم في وقت معين السلاح وما كان بمعنى إذا كان المسلمون يحتاجون لذلك في وقت قتال. وفي وقت الأمن والأمان قد يصرف ذلك إلى أشياء وأبواب أخرى للمسلمين فيها مصالح. فالإمام ينظر الأصلح. وكما تقدم معنا: هذه أموال تتعلق بالإمام، فهو يجتهد بما علمه الله، وإن كان ليس عنده علم يستعين بأهل العلم حتى يضعها في الأصلح بالعلم الشرعي، ليس بالعاطفة ولا بالهوى، ولكن بالعلم الشرعي. وقوله: «يتحرى» يعني يجتهد، وقد يخطئ. وإذا أخطأ فهو بين الأجر والأجرين. لا يجوز الاعتراض على ذلك؛ لأن الاعتراض على ذلك يؤدي لمفسدة أكبر، يؤدي لمفسدة أكبر. فمفسدة هذا الاعتراض مما يكون فيه تهييج المجتمع أعظم من الخطأ مع الخير الكثير الذي يغمره هذا الخطأ، وهو خطأ عن غير عمد. فكيف إذا كان الغالب أن ما يصدره صاحب العلم هو صواب؛ لأنه يبصر ما لا يبصر غيره، ويرى ما لا يرى غيره. فلذلك قد يرى البعيد أن تصرفه خطأ وليس كذلك؛ لأنه يعلم من قربه لما حوله من أمور ما لا يرى غيره. وهذا له نظائر كثيرة، ولا أدل على ذلك من قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام، فإنه يدل على هذا المعنى، ونظائره كثيرة. قال رابعًا: جواز ادخار القوت، وأنه لا يمافي التوكل على الله تعالى؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم -على المتوكلين- قد ادخر قوت أهله، وهذا ظاهر في هذا الحديث، وله معاني في أحاديث أخرى كثيرة. وفيه كذلك وجوب الاعتناء بالأهل. والله تعالى أعلم.