الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 53، الدرس الثالث والخمسون:من( قال الإمام سلم رحمه الله:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... قال فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مشورة النبي لأصحابه في أمور الحرب وأهمية الشورى في الإسلام. كما يشير إلى أن الشورى تكون مع أهل الحل والعقد.
يتناول هذا الفصل مشورة النبي لأصحابه في القتال وتدبير أمور الحرب، ويبرز فضل الأنصار وطاعتهم للنبي وحسن السياسة الشرعية.
يتناول هذا الفصل مسائل فقهية متعددة منها انتداب طائفة للقيام بمهام معينة، والتعامل مع المال في المسجد الحرام، وتعليم النساء من الرجال الأجانب.
يتناول هذا الفصل مسألة تشكيل الملك في صورة البشر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجيب على تساؤلات حول هذا الأمر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن بن هادي الوادي، رحمه الله تعالى، في كتاب «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام مسلم، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: «إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر، لأخذناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد، لفعلنا». قال: «فنادب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، وردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف. فإذا قال ذلك، ضربوه، فقال: نعم، أنا أخبركم، هذا أبو سفيان. فإذا تركوه، فسألوه، فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف في الناس. فإذا قال هذا أيضًا، ضربوه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فلما رأى ذلك، انصرف، قال: «والذي نفسي بيده، لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم». قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا مصرع فلان»، قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا. قال: «فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم». أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في «مسندي الصحيح المسند من دلائل النبوة» في هذا الفصل، في الكلام على الأدلة التي فيها بعض ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من الغيب، فوقع بمثل ما أخبر. ووجه الشاهد منه في موضعين: الموضع الأول: إخباره عليه الصلاة والسلام عن أمر الغلام، وأنه صدق فضربوه، وكذب فتركوه. وثانيها: في إخباره عن مصارع المشركين ومواضع موتهم، فما أخطأ أحد منهم الموضع الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى «فما ماط»، أي: ما تعد أحد منهم المكان الذي حده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهمها: ما كان عليه نبي عليه الصلاة والسلام من مشورة أصحابه في أموره كلها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه. والمشورة أمر الله بها في كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. وهكذا نبي عليه الصلاة والسلام في سنته القولية والفعلية، وفيها مصالح كثيرة، فإن الشورى سبب لحصول خير كثير، ودفع شر مثله وأكثر. ولكن الشورى تكون مع أهل الحل والعقد، وليس ذي الشورى لكل الناس، وإنما هي لأهل الحل والعقد ممن هم أهل الشورى ومظنة ذلك. وعلى هذا، فالقضايا تختلف، وأهل الشورى يختلفون في القضايا، فرب قضية يحتاج إشراك بعض من له اختصاص ليس عند غيره، مثلًا: قضية لها تعلق بجانب طبي، فيشرك في هذه المشورة جوانب من المختصين من الأطباء. أو شورى في أمر يتعلق بالهندسة، فيشرك فيها أهل الاختصاص في ذلك. وهكذا شورى شرعية في مسائل شرعية، فتكون لأهل الحل والعقد من أهل العلم الشرعي. وهكذا كل قضية بحسبها. بل والقضايا الشرعية وما تتعلق بسياسة الراعي للرعية تختلف من قضية وأخرى. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخص مجلسًا لأبي بكر وعمر فقط، يجلسه بعد العشاء. وهذا يدل أنهم من خواص شورته عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون الراعي له بطانة خير يستشيرهم ويستعين بهم على مصالح الدنيا والدين، كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله الذي يوحى إليه، فمن دونه من باب أولى. وفيه كذلك من المسائل: حسن السياسة الشرعية وتدبير الخلق في مثل هذه المقامات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نازل في أهل المدينة، وليس هو منهم عليه الصلاة والسلام، ولكنهم نصروه وناصروا أهله وقومه، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فلذلك كان من حسن السياسة الشرعية في هذا المقام أن يعرف رأيهم في القتال، هل هم مستعدون لذلك أو يرون في هذا مشقة وكلفة، مع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أحب أن يسمع منهم شيئًا يدل على الرضا والإذن. وما جاء في الحديث أن أبا بكر تكلم فأعرض، وعمر تكلم فأعرض، ليس هو على ظاهره بمعنى أعرض فأعطاهم ما يكرهون، لا، وإنما جاء مفسرًا في بعض الروايات: أن أبا بكر تكلم وعمر تكلم، فلم يعلق النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، يعني سكت. فسكونه يدل أنه ينتظر شيئًا آخر. فلما تكلم أبو بكر وعمر، وهما من هما في المهاجرين، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم بشيء، علم الأنصار أنه يريد رأي الأنصار، ليس رأي أهل مكة، ليس يريد رأي المهاجرين. فعند ذلك قام سعد بن عبادة، فقال: «إيانا تريد يا رسول الله؟» يعني: إن كنت تقصد رأينا، فذكر قوله: «والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخذناها»، يعني: نحن تحت أمرك وفي كمال طاعتك، حتى لو أردت أن نخوض البحر، أي: نسير إلى جهة البحر وندخله لدخلناه. وهذا من كمال إخباره بطاعتهم واستجابتهم ورغبتهم لمتابعته عليه الصلاة والسلام. وقوله: «ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد»، برك الغماد: موضع، قيل: إنه في الضفة الأخرى من جهة بحر القلزم، وهو البحر الأحمر، كان يضرب به المثل في البعد. ومعناه: لو أمرتنا أن نذهب إلى أبعد مكان لذهبنا، مثل ما يقال اليوم: الصين، تمثيلًا للبلاد البعيدة. فكذلك كان يضرب المثل بهذا الموضع للبعد. والمراد: كمال المتابعة والطاعة، ولو إلى مكان بعيد. وفيه كذلك ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الشجاعة والإحساس والإدراك لما ينبغي أن يكون عليه، فإنه ربما يمنع الكريم الحياء أن يطلب ما يريد، فلا ينبغي عليه أن يكون مترددًا ومتأخرًا فيما يجب أن يكون منه، بل يجب عليه أن يبذل ما ينبغي أن يكون في مثله، أي: من المقامات. ويدلك هذا على فضل الأنصار، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، وسعد بن عبادة كذلك، رضي الله عنه. وهكذا كذلك فيه من المسائل: حسن السياسة الشرعية في أمر القتال والغزو، وتدبير كذلك بالاستعانة بأهل الخبرة. وفي هذه القصة في بعض الروايات: سبب نزولهم عين بدر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلًا، فأشار إليه بعض أصحابه: أنه ليس بالمنزل، ولكن بأدب، فسأله: هل هو منزل أنزله الله إياه، أم أنه الحرب؟ فقال: الثاني. فأشار إليه أن ينزل إلى ماء بدر فيشرب ويشربون، ولا يشرب الأعداء، فكان في ذلك الخير. وفيه كذلك من المسائل: جواز أخذ العيون ورسل الأعداء وسؤالهم والتغليظ عليهم ولو بالضرب، لكنه الضرب غير المبرح الذي لا يكسر عظمًا ولا يجرح لحمًا، ولا يكون معه كذلك مثلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة. فضرب الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، لهذا الغلام حتى يتكلم عن الجيش الذي قدم منه، مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على جوازه. وهكذا كذلك فيه من المسائل: جواز انتداب طائفة من المسلمين لمثل هذا المقام، وأنه ليس محل مذمة حتى يقال: إن مثل هذا العمل لا يقوم به إلا أهل المذمة. فكما رأينا: فإن هذا قام به من هو من خيار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وفيه من المسائل كذلك: ما ينبغي الحذر منه من الكذب الذي قد يكون بسبب الشدة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم: أنهم إذا ضربوه كذبهم، وإذا تركوه صدقهم. فدل على أن بعض الشدة تكون سببًا للكذب، إذا كان الإنسان يريد ما يريد ولو بغير حق، فربما بالغ في التغليظ، فوجد جوابًا كاذبًا واعترافًا غير صحيح. وربما كذلك غير تغليظ يكون معه الصدق، فيظن أنه ليس بالصدق. فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنهم بعد قوله: «والذي نفس بيده، إنكم لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم». وفيه كذلك من المسائل: علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، بما أخبر به في هذه الغزوة من مواضع قتل المشركين، فوقع كل واحد منهم في مصرعه الذي حده له رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا والذي قبله هو الشاهد من هذا الحديث. والله تعالى أعلم. يقول: ما حكم من دخل الحمام وفي جيبه كتاب مثل «حصن المسلم»؟ هل يأثم؟ ورأينا بعض العلماء يجوزون ذلك، ويستدلون دليلًا عقليًا، ويقولون: للمرء الذي يدخل الحمام ربما أنه حافظ القرآن. لذلك يقولون: النهي هو أن يقرأ فيه. الجواب: لا ينبغي أن يدخل به إلى الحمام، ويمكن وضعه وحفظه خارجه. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. لكن إذا لم يجد مكانًا يضعه فيه خارجًا وخاف من سرقته، فعند ذلك يحاول أن يخفف الشر، ولو يضعه على طرف جدار الحمام قبل أن يدخل من أعلى حتى ينظر إليه من داخل، ونحو ذلك مما يخفف به الشر. فالضرورات تبيح المحظورات بقدرها. يقول: في بلاد النساء يتعلمن من الرجال الأجانب؛ لأنهن لسن بمقدمات أو لعله بمتقدمات في العلوم بسبب شغل في المنزل والأولاد، بسبب عدم مدارس والجامعات يدرسن به النساء. فهل هناك محذور؟ إذا كان من خلف حاجز وحجاب، فلا بأس إذا كان لا يمكن تعليم النساء لهن. وأما إذا كان من دون حاجز وحجاب، فلا، ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء. يقول: بعض الناس عندنا إذا جاء رجل غريب سأل منه المال، خصوصًا في المسجد الحرام، فأعطاه خوفًا أن يكون السائل ملكًا أرسله الله يختبره، وهم يعتقدون ذلك. السؤال: هل تشكل الملك في صورة البشر يقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا مانع أن يقع، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أنه في بني إسرائيل وقع مثل ذلك، فلا يمنع أن يقع في هذه الأمة. لكن لا ينبغي أن يكون الإنسان متعلقًا بمثل هذه الأوهام والخواطر، بل ينبغي أن يعمل بمقتضى ما دل عليه الدليل الشرعي. فمن كان يستحق العطاء أعطاه، سواء في الحرم أو في غير الحرم، ومن كان لا يستحق العطاء لم يعطه. وإذا قال: كيف أميز بين من يستحق العطاء ومن لا يستحق العطاء؟ قال بعض أهل العلم: من اتخذ المسألة مهنة لا يستحق العطاء أن يعطى، يعني: من تعرفه أنه اتخذ المسألة مهنة، فأنت تعينه على الشر لا على الخير. وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم المسألة بهذا المعنى. وأما المسألة على أحد أوجهها الثلاثة التي جاء ذكرها في حديث قبيصة، فيجوز أن تعينه على الخير وتتصدق عليه. يقول: هل تشكيل الملك في صورة البشر يقع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعت؟ لا مانع، لكن لا ننشغل بهذا.