الدرس في شرح الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الكلام بشرح رسالة الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية وأهميتها ومحتواها. يُبين سعة علم ابن تيمية وتبحره في علوم الإسلام.
يناقش مسألة الغلو في آل البيت النبوي ويحذر من الإفراط في إكرامهم بما قد يؤدي إلى الشرك. يُوضح أهمية إكرامهم وفقًا للكتاب والسنة.
يُشدد على أهمية الوصية بالتقوى كأمر جامع يجمع خصال الدين، ويبين أهمية اتباع السيئة بالحسنة لمحو الذنوب. يُوضح أن التقوى هي حقيقة الإيمان وبرهان الإسلام.
يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم التعليق على رسالة الوصية الصغرى لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الأول. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا رسالةٌ صغيرةٌ في حجمها، كبيرةٌ وعظيمةٌ فيما احتوته، وهي لعلمٍ كبيرٍ من الأعلام، وإمامٍ مشهورٍ من كبار العلماء، وهي رسالة الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ربما سميت بأسماء أخرى نسبةً للسائل، وهو أبو القاسم المغربي السبتي، أو سميت بمحتواها من معاني، وسميت بالصغرى تفريقًا عن الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، التي هي أربعة أضعاف أو أكثر من هذه الوصية. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لا يخفى علينا سعة علمه وتبحره في علوم الإسلام، بأدلة الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح رحمهم الله ورضي الله عنهم خاصة. ولذلك كانت أجوبته رحمه الله تعالى تحوي علمًا كثيرًا غزيرًا، على سعة علمه رحمه الله، تكون مختصرةً، ولكن في ثناياها من العلم الكثير، وكذلك الفوائد العديدة والإشارات والإلماحات التي تدلُّك على تبحر هذا الإمام رحمه الله تعالى رحمةً واسعة. ولهذا اعتنى العلماء بإفراد بعض تلك الأجوبة والفتاوى له رحمه الله تعالى، وتناقلوها؛ لأنها في الغالب تكون قد احتوت على فوائد أكثر من مجرد جواب سؤال، وهذا هو الواقع في هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التي بين أيدينا. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ولد سنة إحدى وستين وستمائة للهجرة، في العاشر من ربيع الأول، وقيل غير ذلك. وقد قُرئت هذه الرسالة عليه رحمه الله تعالى في سنة سبعٍ وتسعين وستمائة، يعني معناه أن جوابه هذا كان وهو بين الخامسة والسادسة والثلاثين من عمره رحمه الله تعالى. قارن هذا مع ما حوته هذه الرسالة من علمٍ غزير وفوائد عديدة وتنبيهات وإشارات فريدة تدلُّك على منزلة هذا العالم. زد على ذلك ما في هذه الرسالة من سؤال السائل، ووصفه بالأوصاف الكبيرة والألقاب الجليلة التي تدلُّك على منزلة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ذاك الزمان، وهو لم يبلغ سن الأربعين. وقد وصف بهذه الأوصاف العظيمة، فماذا كان علمه وأين وصلت مرتبته حين توفي رحمه الله؟ وقد توفي في سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة للهجرة، يعني معناه بعد تأليف هذه الرسالة بأكثر من اثنين أو ثلاثة وثلاثين سنة. وهذا يدلُّك أنه رحمه الله تعالى كان على تبحرٍ عظيم في معرفة علوم الإسلام، وكذلك على منزلةٍ عظيمة بين الناس عامة وأهل العلم خاصة، رحمه الله رحمةً واسعة. وهذه الرسالة كانت سؤالًا من أحد الفضلاء والمشايخ النبلاء الذين سألوا الشيخ رحمه الله تعالى. وكان السؤال يحوي فائدة للسائل ولمن ينقل إليه السؤال، وأشبه هذا السؤال بسؤال جبريل عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم. وكان جبريل حين سأل، الغرض والقصد إفادة الناس أكثر من إفادة نفسه. وكذلك ها هنا، فجملة الجواب معلومة للكثير من حملة العلم، فضلاً عن العلماء. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أراد بهذا السائل أن يصل إلى ما فيه المنفعة للناس. لما لا يخفى عليه من سعة علم الشيخ وتبحره، وكذلك بديع أجوبته التي تخرج من مشكاة النبوة، وتكون مدعمة بأدلة الكتاب والسنة والآثار المروية عن سلف الأمة. وهذا المقصود مقصود النبي، ولهذا نرى هذا المعنى موجودًا في السؤال، وكذلك وجد في الجواب. فابتدأ هذا السؤال بسؤال أبي القاسم المغربي السبتي، الذي سميت هذه الوصية باسمه، وتارةً يقال السبتي نسبة إلى هذا السائل رحمه الله تعالى رحمةً واسعة. وابتدأت هذه الوصية بهذا السؤال الذي صُدِّرَت به هذه الفتوى. وكما مر معنا أنها رويت بعدة نسخ، فيها اختلاف يسير في بعض الألفاظ، لكن بالجملة هي تشبه بعضها بعضًا، إن لم تكن متماثلة. قال رحمه الله تعالى: «يتفضل الشيخ الإمام بقية السلف، وقدوة الخلف، أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب، تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية، بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي، ويرشدني إلى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث، وكذلك في غيره من العلوم الشرعية، وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات، ويبين لي أرجح المكاسب، كل ذلك على قصد الإيماء والاختصار، والله تعالى يحفظه، والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته». وجاء في بعض النسخ: «يتفضل سيدي الشيخ الإمام بقية السلف...» هكذا في بعض النسخ. ماذا عندك؟ العبارة: «يتفضل سيدنا الشيخ» طيب، فهذه النسخة فيها زيادة بعض الألفاظ كما تقدم، وسبقت الإشارة، لكنها بالجملة ألفاظ متقاربة، ومعاني ليست ببعيدة. فلفظ التسييد حُذف من بعض النسخ، فربما كان الحذف بإشارة من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أو من بعض الفضلاء للسائل في حياته، أو ثالثًا: قد تكون حُذفت من بعض الفضلاء بعد نقل هذه الفتوى. وسواء أكان الأول، أي من الشيخ رحمه الله نفسه، أو كان الثاني، أي من السائل، أو كان الثالث، من أحد الناقلين، وكل هذا يدلنا أن الأفضل والأكمل ترك هذه اللفظة. فإن نبينا صلى الله عليه وسلم، الذي قال عن نفسه: «أنه سيد ولد آدم ولا فخر» مع ذلك عليه الصلاة والسلام، كما صح عنه، كره هذه اللفظة. ولم تثبت لفظة تسييد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما ذُكر به عليه الصلاة والسلام في الأدعية والأذكار. حتى ما يقوله بعض العامة من لفظ التسييد في التشهد والتحيات، فهو ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ينافي قول النبي صلى الله عليه وسلم لقوم سعد بن معاذ: «قوموا لسيدكم»، فهذا من باب الإخبار أن سعد بن معاذ هو سيد قومه. وهذه السيادة سيادة بما كان من منزلته، فهو رئيس قومه، ثم هو مريض، ومرضه مرض موت، تعرفون أنه مات من مرضه رضي الله عنه وأرضاه. ذلك الذي كان بسبب إصابته في كاحله، ومع ذلك ما قاموا له ليعينوه، فأراد أن ينبههم لإعانته أولًا، ولأنه يستحق ذلك مع ما عليه من فضل، أنه سيد قومه ثانيًا. فالتنبيه لأجل هذا مثل ما تقول لمن هو معلم: «قوموا لمعلمكم، وفسحوا له»، فهو معلم، ولا يخفى، ولكن لأنه لم يفسح له، صارت تنبيهًا بمنزلته؛ لأجل زيادة الاعتناء بما ينبغي أن يكون من إكرامه. وهكذا كذلك في حديث سعد بن معاذ. وأما لفظ التسييد لكل من هو من آل البيت، فهذا من البدع والمحدثات على الصحيح. فلم يكن ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وهم أعدل الناس، وأتقى الناس، وأحرص الناس على إكرام النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيت النبوة. ومع ذلك ما عرفنا في شيء من أدلة وآثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين، أنهم ينادون ويلقبون كل من كان من آل البيت بالسادة أو السيد، مثل ما يقولون اليوم: «السادة آل فلان، والسيد فلان»، تخصيص لفظ السيادة لمن هو من آل البيت، لم يصح في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ولا في زمن التابعين، ولا أتباع التابعين، ولا عن أحد من المعروفين من أئمة الدين. وإنما أحدث في الأزمنة المتأخرة، وكان سببًا للغلو في آل البيت. ولا يعني ذلك أننا لا نكرم آل البيت، بل آل البيت أدلة الكتاب والسنة في إكرامهم كثيرة. لكن ليس معنى الإكرام أن نحدث ألقابًا أو أقوالًا أو أفعالًا تفضي إلى الغلو. وهذا الذي يحذر منه ويحذر من المصير إليه، فهناك فرق. وهذا عدل أهل السنة والجماعة، فهم يذكرون فضائل أهل البيت، وقد ألف علماء أهل السنة في فضائل أهل البيت من أدلة الكتاب والسنة، ونقولات العلماء، والشيء الكثير. لكن العدل مطلوب، ذكر فضائل أهل البيت لا يعني الغلو فيهم بوضع ألقاب أو أوصاف أو تسميات أو كذلك أفعال تفضي إلى الغلو المنهي عنه. فالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيد ولد آدم، قال: «قولوا بقولكم، ولا يستهينكم الشيطان»، وهو أولى بالسيادة عليه الصلاة والسلام، ولكنه أراد أن يغلق باب الغلو حماية لحم التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك؛ لأن الغلو يفضي إلى الشرك. الغلو يفضي إلى الشرك، وهل دخل الشرك عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا بالغلو؟ لهذا قال الله عز وجل في آياتهم كثيرة: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم». الغلو في الدين، ومنه الغلو في الألقاب والتسميات، سبب للإفضاء إلى ما هو محذور. ومن ذلك انظروا تخصيص علي رضي الله عنه بقولهم: «كرم الله وجهه»، وكذلك غيرها من الألفاظ التي تلق على الحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. فينبغي الانتباه لمثل هذا، مع ما لا يخفى أنه تسلق بنسب أهل البيت من ليس منهم؛ لأجل أن يتعيشوا بالتصاقهم بنسب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكونوا من أهل بيته. ولذلك تكلم العلماء المحققون وأهل الأنساب العارفون في تصفية تلك الأنساب المنسوبة لآل البيت، وليس هم من آل البيت؛ وذلك لأجل تصفية أمثال هؤلاء الذين يتكسبون ويتعيشون باسم آل البيت. وما أكثرهم خصوصًا في الأزمنة المتأخرة. فلو ثبت لا يعني ذلك الغلو، ولا يعني المبالغة في الإطراء، فضلًا ما نراه من وصول بعضهم إلى التمسح بركبهم وأقدامهم، والسجود لهم، وغير ذلك الذي هو مظهر من مظاهر الوثنية. وللأسف، وفي هذه المقدمة من هذا السؤال من هذا الشيخ رحمه الله تعالى إشارة، وكما قلنا في بعض النسخ فيها بعض الاختلاف، إشارة إلى عظيم منزلة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عند المسلمين عامة، وأهل العلم خاصة. ويؤكد ذلك كما تقدم أنه وُصِفَ بهذه الأوصاف، ولُقِّبَ بهذه الألقاب، وهو في هذا السن الذي سبقت الإشارة إليه، فقد كان عند إجابة هذا الجواب بين الخامسة والسادسة والثلاثين من عمره رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فكيف كانت منزلته حين بلغ السبعين؟ وقد مات رحمه الله كما تقدم في سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله رحمة واسعة. وهكذا كذلك في هذا السؤال، سؤال العارف والعالم كيف يسأل؟ فقد طلب هذه الأسئلة وعلى وجه الإيماء والاختصار؛ لأجل أن يعم النفع ويحصل المقصود. وقد حصل رحمه الله، فقد طارت هذه الفتوى وهذا الجواب في الأمصار، فصار الناس يتداولونها ويتناقلونها ويتدارسونها. وفي هذا فضل أهل العلم، وفضل سؤال أهل العلم، وكم انتفع الناس بهذه الفتوى؟ فكان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من ذلك نصيب بما أجاب، وكان لهذا السائل كذلك نصيب فيما سأل. وما أجمل أن يكون السائل فاتحًا باب خير، وما أسوأ أن يكون السائل فاتح باب شر. فبعض الأسئلة قد تكون سببًا للفتن، ولذلك ينبغي أن ينتبه السائل ما يسأل، سواء قصد أو لم يقصد، فربما كانت بعض الأسئلة سببًا للفتن، ودخول الفتنة في السؤال من جهة سوء السؤال، أو كذلك ما يفضي إليه السؤال بحسب الزمان والمكان. فينبغي أن ينتبه لهذا، ولا يعني ذلك أن العالم لا ينتبه لهذا الفتن، ولكن كما تقدم العالم يجيب بحسب ما يرد عليه من السؤال. فقد يكون العالم لا يدري أن هذا السؤال ينزل به إنسان لا يستحق هذا الجواب، وقد وقع مثل هذا في زمن الأئمة، كما في فتنة القول بخلق القرآن التي نسبت للإمام البخاري رحمه الله. والإمام البخاري منها براء، فكان بعض العلماء ولئمًا يسألون سؤالًا لا يُسَمَّى فيه المسؤول عنه، ثم ينزل الجواب على من لا يستحقه، فتكون بذلك الفتن. وتكون الفتن؛ لأن الجواب الموهم قد يستغله من يريد الفتن. أما الجواب الواضح فإنه لا يمكن استغلاله، فلذلك ينبغي الانتباه من هذا المسلك. فكم قد أضر بالدين وأضل من المسلمين، واستغله الكثير من الجهلة والسيئين، يتلقطون بعض فتاوى أهل العلم ليضرب بها فتاوى أخرى، فتكون الفتن بسبب مثل هذه الأسئلة الخاطئة. لكن ينبغي للمسلم أن يحرص كما كان أهل التوفيق يحرصون على السؤال بما ينفع، ويجتنبون ما يضر أو ما لا ينفع. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليقل خيرًا أو يصمت»، الصمت سلامة وأمان، والكلام بما لا ينفع يضر. ثم أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا الجواب، قال: «الحمد لله رب العالمين، أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، وفي هذا النفس السلفي الذي يدلك على أن أهل السنة في كل زمان ومكان منهجهم واحد وطريقتهم واحدة، وكذلك مصادر التشريع عندهم واحد». فأول ما ابتدأ شيخ الإسلام بالإحالة إلى الكتاب والسنة، فيقول رحمه الله: «أنه لا يعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله، أي في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، لمن عقلها واتبعها». وفي هذا إشارة إلى أن السائل ومن خلفه ممن ينتفع بهذا السؤال، عليه تتبع ما أوصى الله عز وجل به بكتابه، وما أوصى به رسولنا صلى الله عليه وسلم في سنته. فيكون هذا جوابًا مجملًا فيه موافقة لما أراده السائل، مع ما فيه من الإيماء، فهو اختصار وإيماء، ما هو الإيماء؟ أنه لم يحوي في هذه الإجابة كل الوصايا التي أوصى الله عز وجل بها بكتابه، ولا التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. لكنه أحال إليها، وذلك أولًا للاختصار، وثانيًا لأن العالم مهما بلغ من العلم قد يفوته بعض العلم، فيحيل إلى الأصل. وثالثًا لأن الرجوع إلى الأصل سبب لتحصيل المراد، وغيره مما قد يكون أنفع وأكمل. فكان في هذه الإحالة ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الاختصار، الفائدة الثانية: تبرئة النفس من الإحاطة، الفائدة الثالثة: أن فيه كذلك الرجوع إلى الأصل الذي لن يخلو ذلك من احتواء كل ما أوصى الله عز وجل به، وأوصى به رسول صلى الله عليه وسلم، مع ما لا يخفى من الرجوع إلى الأصل من الفوائد المصاحبة والمكملة والنافعة التي لن يعدمها لمن رجع إلى الأصل. ثم اختار رحمه الله تعالى أعظم وصية من هذه الوصايا، وهي الوصية بالتقوى، قال رحمه الله: «قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، هذه وصية الله عز وجل للأولين والآخرين». كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، فوصية الله للأولين والآخرين هي الوصية بالتقوى. فالوصية بالتقوى وصية بأمر جامع يجتمع عليه خصال كل الدين. فتقوى الله سبحانه وتعالى هو خلاصة التمسك بهذا الدين، والصدق فيه، أن تعمل بنور الله سبحانه وتعالى العلم من الكتاب والسنة، وبصدق وإخلاص ما يوصلك إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. فهو حقيقة الإيمان، وبرهان الإسلام، وبه الوصول إلى أعلى مراتب هذا الدين، وهو الإحسان. فكلما كان المرء أتقى لله كان أعلى درجة، فلا يزال الإنسان يرتقي في سلم الإيمان ومراتب الإسلام والدين، حتى يصل إلى أعلى المراتب بالوصول إلى أعلى مراتب التقوى. ولهذا كانت المعية الخاصة بل قال بعض أهل العلم: خاصة الخاصة لمن أهل الإحسان والتقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، قدم التقوى على الإحسان؛ لأن التقوى برهان الإحسان، وجود التقوى برهان الإحسان. فمن كمل تقواه صدق في إحسانه، فمرتبة الإحسان التي هي المراقبة، هي حقيقتها إكمال التقوى، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما جاء في حديث جبير الصحيحين في قصة جبريل. ومعناه من حديث ابن عمر عن أبيه عمر رضي الله عنه بصحيح مسلم. ثم قال: «ووصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا لما بعثه إلى اليمن، فقال: «يا معاذ، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، وهذا حديث صحيح جاء في السنن وغيرها من طرق كثيرة يرتقي بها إلى الصحة. والشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا أوصاه بالتقوى: «اتق الله حيثما كنت»، وهذا يدلك أولًا، وهذا من فوائد هذه الإجابة، النفس السلفي عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. الجواب مدلل بأدلة الكتاب والسنة، وفيه تربية السائلين والمسلمين عمومًا على الاعتناء والاحتفاء والتعظيم لأدلة الكتاب والسنة. هي تربية ومنهجية ينبغي أن يسلكها العالم والسائل، وأن يعمم ذلك على المسلمين، حين يتكرر على المسلم: «قال الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، الدليل من كتاب الله، الدليل من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا سيفرق بين علماء السنة وعلماء الضلال، علماء الضلال ما عندهم إحالة إلى الكتاب والسنة، تسمع الإحالات: «حدثني قلبي عن ربي، رأيت في المنام منامات، إحاءات، نقولات ليست مدللة من الكتاب والسنة»، ثم يبنون عليها دينًا، بل ربما تشريعًا، كما تصنع الباطنية والصوفية والشيعة والرافضة وأمثالهم. يصبح من ينتسب إلى العلم منهم في الصباح، وإذا بهم يحكون لهم رؤية، ويأتي لهم بذكر جديد وتشريع جديد بما رأى في المنام ونحو ذلك. فالتربية على أدلة الكتاب والسنة أمر مهم. ثم كذلك كما جاء في السؤال، فجاء الجواب برهان وتأكيد لما في السؤال، فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، نفسه السلفي وتعظيمه لأدلة الكتاب والسنة، تجعله دائمًا وأبدًا وتأكيدًا لتعظيمه يحيل إلى أدلة الكتاب والسنة. وتأمل ذكر معاذ رضي الله عنه، الذي كان حب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم مقسمًا: «والله إني لا أحبك»، ثم علمه الذكر المشهور. ولما أرسله كذلك ابتدأ في وصيته بالتقوى. والشاهد من هذا أراد أن يدلل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهذا من فقه أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ مع معاذ الوصية بالتقوى. والله عز وجل ابتدأ في وصيته في كتابه بالوصية بالتقوى، وافتتحت عدد من السور بالتقوى. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبة الحاجة التي يفتتح بها خطبه كذلك بالتقوى، يورد ثلاث آيات فيها الأمر بالتقوى، ويرتبها على ترتيب نزولها: آية سورة النساء، وآية آل عمران، وآية الأحزاب، يكررها عليه الصلاة والسلام تنبيهًا لعظيم منزلة التقوى في هذا الدين. وكما تقدم معنا قبل قليل أن التقوى هي الوصية الجامعة لمن أراد الله عز وجل به الخير في بلوغ أعلى مراتب هذا الدين. وقوله: «اتق الله حيثما كنت»، يناسب المقام، أرسله إلى اليمن، أي تقوى الله في كل مكان، ليس في المدينة وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم والمسلمين. بل حتى لو كنت عند الكافرين الذين تدعوهم إلى الإسلام، أو كنت في بلاد غير المسلمين، فإنك كذلك تحتاج إلى التقوى. وفي هذا زيادة التذكير بالأمر بالتقوى، الأمر بالتقوى ذكر بها أهل الإسلام، ومعاذ من علماء الصحابة يعلم ذلك بما في كتاب الله ومما كان يكرره رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هو من باب التأكيد، من باب التأكيد، وفيه كذلك الإشارة إلى أن المسافر يحتاج إلى التذكير بالتقوى أكثر من المقيم. وأن الغائب يحتاج التذكير إلى التقوى أكثر من الحاضر، لماذا؟ لأن المقيم الحاضر أسباب التقوى حوله كثيرة. فمعاذ رضي الله عنه في المدينة، عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكفي رؤيته أن تذكر بالتقوى، وتكفي مجالسته ووصاياه والعلم الذي يأخذه منه مباشرة أن يكون مذكرًا بالتقوى. وجود مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن حولهم من المسلمين، كل هذا مذكر بالتقوى. لكن إذا ذهب وخرج عن المدينة وغاب عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأهل الصلاح والخير، فهنا تقل أسباب التقوى، فيحتاج الإنسان إلى التذكير بالتقوى أكثر. فلهذا من أحسن ما توصي به المسافر الأمر بالتقوى، فكيف إذا كان سيسافر إلى بلد ليس فيه سنة، فيه بدع، ليس فيه طاعة، فيه معاصي، بل وربما ليس فيه إسلام، بل فيه كفر. وهنا يتأكد الأمر بالتقوى أكثر؛ لأن أسباب الزيغ عن التقوى كثيرة. وكم من أناس زلوا في أسفارهم وبعدهم، ويجرئهم الشيطان على الوقوع في الذنوب والمعاصي في السفر لا في الحضر، وفي الغيبة لا في الحضور، وفي بلاد تقل فيها الطاعة أو تكثر فيها البدعة، أو ربما أعظم من ذلك يوجد فيها الكفر. وهذا ملاحظ، وهذا وللأسف ملاحظ، والناس يتفاوتون في التخلي عن أسباب التقوى. من الناس من أول ما يركب الطيارة، المرأة تخلع الحجاب، والرجل يبدأ يغير الثياب، ثم ترى مظاهر الكافرين والفاجرين من أول ركوب الطيارة. وهذا موجود، وغير موجود، والله موجود، وللأسف، وهذا من علامات خطر عدم التذكير بالتقوى وعدم العمل بما يقتضيه معنى التقوى. ثم إن معاذًا رضي الله عنه سينزل عالمًا وقاضيًا، فهو يحتاج لهذا أكثر، أن يتق الله عز وجل في علمه، أن يتق الله عز وجل في حكمه، أن يتق الله عز وجل في أمره ونهيه، رضي الله عنه أرضاه. فإنه لما أرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن أوصاهم بوصايا، وهذا من هذه الوصايا التي أوصي بها معاذ رضي الله عنه أرضاه. وفيه كذلك حاجة العالم فضلًا عن غيره بالأمر بالتقوى. فإذا كان هذا لعالم، وليس عالمًا كسائر العلماء، بل هو من نخبة وخلاصة العلماء، فمعاذ رضي الله عنه كانت له منزلة عظيمة عند الصحابة في العلم. حتى وصفه عبد الله بن مسعود بأنه كان «أمة قانة لله ولم يكن من المشركين»، لما سمعه من كان عنده، قال: «قلت أخطأ ابن مسعود»، يعني كأنه يقول: يريد الآية إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال معاذ، فكررها ابن مسعود، فقال: «لعلك وهمت واخطأت يا أبا عبد الرحمن»، قال: «أي عبد الله بن مسعود أعلمت من الأمة ومن القانت؟». ففسر عبد الله بن مسعود «الأمة» أنه من كان عن الحق ولو كان وحده. وأن «القانت» الملازم للطاعة الملازم للطاعة ولو كان وحده، كما بيّن معناه فيما جاء عند بعض أهل الرواية من المصنفات وغيرها، بإسناد صحيح عنه رضي الله عنه أرضاه. فمنزلة معاذ عظيمة، ومع ذلك أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى، فمن دونه من باب أولى، فمن دونه من باب أولى. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، هذا من عطف الخاص على العام، إتباع السيئة بالحسنة هو من التقوى. المتق لله عز وجل لا يعني أنه لا يقع في سيئة، فإنه قد يقع في سيئة، وقد وصف الله عز وجل المتقين أنه قد يمسهم طائف من الشيطان. ولكن ما هو الفرق بين المتقي وغيره؟ أنه يتذكر ويرجع إلى الله ويتوب ويستغفر. ومن التوبة والاستغفار أن يتبع السيئة الحسنة فتمحها، إذن المتقي يتوب ويستغفر، ويتبع ذلك بشيء من عمل جوارحه حتى يبرهن هذه التوبة والاستغفار، وهذا التقوى لله رب العالمين، فتمحو الحسن السيئة. وفي حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنبًا نُكِثَ في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب واستعتب سُلِّمَت تلك النكتة»، يعني أزيلت ومحيت تلك النكتة. إذن النكتة ما تزول بالاستغفار باللسان والتوبة بالقلب، لكن لا بد أن يتبعها استعتاب، الاستعتاب تعاتب نفسك. ومن المعاتبة تقدم شيء، أنت لما تأتي تستعتب إنسانًا أخطأت في حقه، هل تقف في البيت أو تأتي وتعتذر؟ ها تأتي، إذن تتقدم بين يدي من أخطأت في حقه بشيء. ولله المثل الأعلى، من أخطأت في حقه لو اكتفيت بندم القلب وتوبته، واستغفار اللسان وتوبته، وعزمت على أن لا ترجع، أكتملت هنا شروط التوبة والاستغفار، القولية والقلبية اكتملت. لكن بقي شيء، بقي هذا الذي أخطأت في حقه، ماذا بقي؟ حق آدمي، لا بد تأتي وتصلح هذا. فإذا أتيت عنده وقلت: «أخطأت في حقك، سامحني، ماذا تريد مني؟ اقتص مني، خذ حقك في الدنيا قبل الآخرة»، هل فعلت ما أكملت التوبة؟ نعم؛ لأنه بقي شيء رابع، وهو حق المخلوق. ثم هل طيبت خاطره بهذا الفعل وأصلحته أم لا؟ نعم أصلحت، ولله المثل الأعلى. فالله عز وجل يحب أن يتقرب العبد إليه بالطاعات في غير معصية، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، إذن الحب يأتي بسبب كثرة الطاعات. والذي يذنب يفعل سبب الحب، ولا الغضب يفعل سبب الغضب والبغض، إذن أنت إذا أردت أن تزيل هذا البغض وهذا الغضب، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، جاء بسبب غضب، وبسبب كذلك ذنب. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، إذن ما الذي يصلح ذلك؟ أن تبدل أسباب المحبة، تغير الغضب إلى رضا، والبغض إلى حب، وكل معاني الإساءة تتحول إلى إحسان. كيف؟ بأن تبدل أسباب الحب، ومن أعظم أسباب الحب هو التقرب إلى الله بالطاعات، التقرب إلى الله بالطاعات، والإكثار منها، أولها الفرائض، وثانيها النوافل. وما أجمل أنك إذا أذنبت فإنك تقوم الليل تستغفر وتتوب وتستعتب حتى يغفر الله عز وجل لك. يتحقق في مثل هذا المقام أنك أتبعت السيئة الحسنة. ولهذا جاء في الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، تأمل: «طرفي النهار»، معناه متى؟ أول النهار وآخره، طرفي مش طرف واحد. «وزلفًا من الليل»، زلفًا من الليل متى؟ أوساطه وآخره، معناه قيام الليل، قيام الليل، إذن دلك على ثلاثة أوقات تعينك على إكمال التوبة والاستغفار. قالها النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل، وبين له أنها ليست له خاصة بل للناس عامة. قال: «وخالق الناس بخلق حسن»، وخالق الناس بخلق حسن، وهذا كذلك مما يدلنا على ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبيان، وحسن الوصية للناس كل بحسب حاله. فمعاذ رضي الله عنه سيذهب لأناس ويحمل لهم علمًا، والدعوة بالعمل أعظم من الدعوة بالعلم، لا يشك النبي صلى الله عليه وسلم أن معاذًا عنده علم، بل لم يبعثه ولم يخصه من دون الآخرين بأن كلفوا هذه المهمة إلا لأنه أهل لهذه المهمة. ومع ذلك أوصاه أن يتق الله، وإذا وقع تقصير أن يتبع السيئة الحسن، وانظر إلى هذه المنزلة لمن يتحمل هذه الأمانة والمسؤولية. ثم «وخالق الناس بخلق حسن»؛ لأن الدعوة بالأخلاق أعظم من الدعوة بالعلم، الدعوة بالأخلاق أعظم من الدعوة بالعلم؛ لأنك بأقوالك وأفعالك ومواقفك وتصرفاتك ستكون داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن تتكلم. فإذا تكلمت زاد ذلك في تأكيد الخير الذي تحمل، فإذا من المهم للداعي إلى الله وحامل العلم ومن يمثل الدين ويوقع عن رب العالمين أن يجعل للأخلاق الحسنة الأولوية؛ لأن هذا هو المفتاح الذي تفتح به القلوب. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أرسل معاذًا إلى قوم كفار ليدعوهم إلى هذا الدين، فإن أعظم