الدرس في شرح الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر الشيخ الوصية النبوية لمعاذ بن جبل ويبين أهمية التقوى واتباع السيئة بالحسنة. يوضح شروط التوبة الصحيحة التي تتطلب الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العودة.
التوبة لها شروط يجب استيفاؤها لمحو الذنوب وتشمل الإخلاص والوقت المناسب. الاستغفار يلعب دورًا في طلب المغفرة ويمكن أن يكون جزءًا من التوبة أو مستقلاً عنها، وبينهما عموم وخصوص.
تغيير البيئة المحيطة يمكن أن يحسن السلوك ويجنب الذنوب والمعاصي. الأعمال الصالحة يمكن أن تكون مكفرة للذنوب، والكبائر لا تكفر إلا بالتوبة.
يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم التعليق على رسالة الوصية الصغرى لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، المسماة بالوصية الصغرى، والتي هي جواب لسؤال أبي القاسم المغربي السبتي. قال رحمه الله تعالى: ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصاه بهذه الوصية، فعلم أنها جامعة، وهي كذلك لمن عقلها، مع أنها تفسير الوصية القرآنية، وهذا تقدم أن هذه الوصية التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا -على ما هو عليه من منزلة- رضي الله عنه وأرضاه، يدل على أهميتها وعظيم ما فيها، وأنها كذلك -على اختصارها- جامعة لخصال الخير، ويزداد الأمر لمن تدبرها وعقلها، وهي مع ذلك كله تفسير الوصية القرآنية التي سبقت وتقدمت. قال: أما بيان جمعها؛ فلأن العبد عليه حقًا حق لله عز وجل، وحق لعباده، ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانًا، إما بترك مأمور به، أو فعل منهي عنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيث ما كنت»، وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيث ما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية. ثم قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرًا أمره بما يصلحه. والذنب للعبد كأنه أمر حتم، فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمح السيئات. وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة -وإن كانت مفعولة- لأن المقصودة هنا محوها، لا فعل الحسنة، فصار كقوله: «ببول الأعراب صبوا عليه ذنوبًا من ماء»، وهذا شرح من المؤلف -شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى لهذه الوصية بإشارات وإيماءات فيها معان دقيقة وفوائد جمة. فقوله رحمه الله في بيان أن هذه الوصية جامعة؛ لكونها اختصرت في ذكر حقين عظيمين جامعين: حق الله عز وجل، وحق العباد. وذلك لأنه في هذه الوصية أمره بحق الله بالتقوى والتوبة من الذنب، وحق العباد بحسن الخلق. وقد تقدم الإشارة وسبقت. وقوله رحمه الله: «حق لعباده، ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانًا، إما بترك مأمور، أو فعل منهي عنه»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت»، وهذه كلمة جامعة -إلى آخر كلامه- رحمه الله تعالى، إشارة منه رحمه الله إلى أن الإنسان مهما حرص على الكمال -وقد أمر بالحرص على الكمال- لن يسلم من التقصير؛ لأن محله النقص. ولا يعني ذلك التساهل في الوقوع في التقصير، بل يجتهد ألا يقع المؤمن في التقصير؛ لعلمه أن لهذا التقصير آثاره وأضراره. فإنه يفتح عليه باب شر، والثوب النظيف النقي ليس كالثوب الذي أصابته نجاسة أو قذر، ثم قام بغسله. فإن المغسول لن يكون في النقاء مثل ما بقي على نقائه. فإذا، يحرص الإنسان على أن يبقى ثوبه طاهرًا نقيًا، وكذلك إيمان الإنسان ودينه، يجتهد ألا يخدشه. والثوب السليم ليس كالثوب المرقوع الذي قد خرق، فاحتاج إلى أن يرقع وأن يخاط. ومع ذلك لا يعني أن الإنسان كامل، ولكن يجتهد ألا ينخرق إيمانه، كما يجتهد ألا ينخرق ثوبه. فإذا، المطلوب أولا الاجتهاد في البقاء على الكمال والسلامة. فإذا ابتلي وقدر له أن وقع منه تقصير بترك مأمور أو فعل محظور، فعند ذلك أولًا يتذكر عظيمة منزلة التقوى، مما يجعله يقف لا يستزيد. والآن في فرق بين إنسان أخطأ فتذكر -تذكره للتقوى- يجعله ماذا؟ هل يستمر؟ لا، يقف. ثم يبدأ يصلح هذا الخطأ بالتوبة والاستغفار، وما سيأتي من الإصلاح. ومن ذلك أن يتبع السيئة الحسنة تمحها، فهو مثل الدواء بعد المرض. كما قال رحمه الله تعالى: فهو مثل الطبيب الذي يصلح المريض، فكذلك الإنسان يصلح نفسه الأمارة المريضة بالتوبة والاستغفار وإتباع السيئة الحسنة. وكلما كان جنس الحسنة من جنس السيئة كان أكمل وأفضل. الذي مرضه في بطنه ما يشرب دواء الرأس، والذي مرضه في عظامه ما يشرب دواء الجلد، بل يكون الدواء من جنس المرض. وكذلك ينبغي أن يكون العلاج بترك أسباب الوقوع في الذنب، مع التوبة الصحيحة الكاملة المستوفية لشروطها. وقد علمنا شروط التوبة: بأن يتوب مما مضى، ومما بقى، ومما يأتي. التوبة مما مضى بالندم الصادق الذي يوجب له انكسارًا أعظم من انكسار المريض. والتوبة مما بقى بالإقلاع عن الذنب وعدم التمادي فيه. وهنا يتذكر التقوى: «اتق الله حيثما كنت»، فيدفعه ذلك إلى التوبة الصحيحة المستوفية لشروطها. ومن شروطها التوبة فيما بقى؛ بأن يقلع عن الذنب إقلاعًا صحيحًا يمنعه من التمادي فيه. كما قال العلماء: كلبن إذا خرج من الضرع لا يمكن أن يرجع له هذا الإقلاع الصحيح. وأن يتوب مما يأتي؛ بأن يعزم على أن لا يرجع إلى هذا الذنب، فتنقطع عنده كل الخواطر -فضلا أن يكون عنده عزم- هذا هو التائب التوبة الصحيحة. وإذا كان فيه حق للمخلوقين لا تكتمل هذه التوبة إلا بشرط رابع: وهو أن يتبرأ ويتخلص ويستعتب من هذا الذنب للمخلوق. فإن كان مالًا أرجعه، أو كان حقًا استعتب فيه منه. وقد فصل العلماء في هذا: فيما إذا كان صاحب الذنب والمظلمة -أي المخلوق- قد علم بالمظلمة، فإنه يأتي ويعتذر ويرجع له حقه. وإن كان لم يعلم -مثل من سرق منه المال ولا يدري من السارق، أو اغتابه أو سبه أو شتمه ولم يعلم المشتوم والمسبوب بما وقع من الساب والشاتم- فهل المصلحة أن يخبره أو لا يخبره؟ هنا قال العلماء: الصحيح في هذا التفصيل: فإن كان هذا الاستعتاب وهذا الاعتراف بالتقصير سيصلح ما بينه وبين من اعتدى عليه، فإنه يفعل الأصلح. وإن كان ذلك سيدعو إلى زيادة النفرة والبغض والعداوة، وربما فتن أكبر، فلا حاجة أن يبلغه بذلك، ولكن يكفي أن يستغفر له. وإن كان هناك مال أن يرجعه له من دون أن يعلم -من باب درء المفسدة الكبرى بالصغرى- تخلص من الحق، ولم يرتكب مفسدة كبرى. هذه أربعة شروط إذا كان في حق للآدمي، وثلاثة شروط إذا كان حق لله. وزاد بعضهم شرطين: قال: أن تكون التوبة خالصة لله، لا تكون رياء ولا سمعة، ولا كذلك مجاملة أو غير ذلك. وبعض أهل العلم قال: لا حاجة لهذا الشرط؛ لأن التوبة الصحيحة التي استوفت الشروط الثلاثة أو الأربعة لن تكون كذلك إلا إذا كانت خالصة. فإذا، الإخلاص يدخل ضمنًا في الشروط الأربعة المذكورة. وزاد بعضهم شرطًا خامسًا: أن تكون التوبة في وقت التوبة، وذلك قبل أن يغرغر الإنسان -كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها أو يغرغر- أي الإنسان -أي يدركه الموت- وهذا على الصحيح. وكذلك شرط خارج -يعني ليس هو بعين الذنب- بل هذا لكل أعمال الإنسان، للذنب ولغيره، أعمال الإنسان لا تقبل بعد هذين الوقتين. ومن ذلك التوبة -على الصحيح- فإذا طلعت الشمس من مغربها لو أحسن الإنسان ما قبل منه -ليست التوبة فقط- حتى الإحسان والحسنات لا تقبل. وكذلك إذا بلقت النفس الحلقوم وغرغرت، فإنه لو ذكر الله أو قال: «لا إله إلا الله» أو استغفر أو تاب أو فعل أي عمل صالح، فإنه لا يقبل منه. ولهذا اكتفى جمهور أهل العلم بالشروط الثلاثة المذكورة، وزيادة الرابع في حق من كان قد تعلق به حق للمخلوقين. وها هنا مسألة بالنسبة لمعرفة موضع الغرغرة الذي لا تقبل فيه التوبة: هل المراد به حين تغرغر النفس فلا يكون كلام، أو المراد من علم بالموت ولو كان بقي له وقت -مثل الأمراض التي يستيقن أن صاحبها يموت-؟ الصحيح الأول؛ لأن الحديث جاء: «بلغ الغرغرة». وقول الله عز وجل: «حتى إذا دركه الموت قال -أي فرعون- بالتوبة قال آمنت ما نفعه ذلك»، قال الله عز وجل: «الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين»، لم يقبل الله عز وجل منه؛ لأن نفسه قد بلغت الحلقوم غرغرت. وقوله رحمه الله تعالى: «والذنب للعبد كأنه أمر حتم»، قوله: «كأنه» إشارة إلى أنه لا يسلم منه أحد، ولكن ليس مراده رحمه الله -كما تقدم- التساهل في الوقوع في الذنب، ولكن معناه أن الإنسان مهما حرص على الكمال فلن يسلم من التقصير. وليس معناه التساهل في التقصير، ولكن معناه الجد والاجتهاد والحرص والصدق في عدم الوقوع في التقصير. فإذا وقع فليبادر بالكف أولًا، وبالتوبة والاستغفار ثانيًا، وبإتباع ذلك بالحسنات ثالثًا، وغير ذلك مما جاءت به الأدلة من مكفرات الذنوب -كما سيأتي إن شاء الله-. ومثل رحمه الله بعد أن ذكر أن لفظ الحديث في تقديم السيئة؛ لأجل الإشارة إلى أن المقصود التنبيه إلى أهمية محو هذه السيئة، ليس معناه التساهل في فعل السيئة، ولكن للتنبيه على خطر السيئة وأهمية الاعتناء بمحوها. ولهذا قال: «أتبع السيئة الحسنة»، فهنا تقديم محقه التأخير لإفادة الاعتناء به. وإلا فالأصل: «افعل الحسنة لتمحو السيئة»، لكن لماذا قدم ذكر السيئة قبل الحسنة؟ لأجل أن يعتنى بأن لا تقع السيئة أولًا، وإذا وقعت أن يبادر بالكف عنها ثانيًا، وأن يجتهد في محوها ثالثًا. ثم ذكر حديث العرابي الذي باله في طائفة المسجد، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومعناه من حديث أنس كذلك في الصحيحين. فالشاهد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب ذنوب من الماء على البول، فقدم البول: «صبوا عليه ذنوبًا من ماء»، صبوا على ماذا؟ على البول. لماذا قدم ذكر البول؟ ما قال: «صبوا ذنوب من الماء على البول» هكذا الأصل، قدم ما حقه التأخير للاعتناء به. كأنه قال: انتبهوا لا تبقوا شيئًا من البول، اعتنوا بإزالة البول. وكذلك الذنب، تقديم السيئة حتى يعتنى بإزالة أثر السيئة، فلا يبقى منها شيء. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة المتقدم: «إذا أذنب العبد ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب واستعتب سُقِلت تلك النكتة»، إذن المهم أن تسقل أثر هذا الذنب. ومحو هذا يحتاج إلى اعتناء عظيم ودقيق. فليست التوبة باللسان، فتوبة اللسان ناقصة -فضلا أن يكون فيها شيء من الكذب- فتكون توبة كاذبة. قال رحمه الله تعالى: «وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات؛ فإنه أبلغ في المحو»، والذنوب يزول موجبها بأشياء -كما تقدم- الأفضل والأكمل -بل قال بعض أهل العلم: هو الأولى والأوجب- أن تكون الحسنات من جنس السيئات -كما تقدم-. معنا من عنده مرض بعظامه ما يذهب ويأخذ دواء للجلد، فالمقصود علاج نفس المرض. فلذلك يأتي بالحسنات الماحيات لنفس الذنب، من وقع بسبب أعضائه التي باشر الذنب معينًا، فعليه أن يشغل هذه الأعضاء بالطاعة. مثل الرجل الذي جاء في صحيح مسلم: قبل امرأة، أعضاؤه باشرت هذه المرأة، فكانت الحسنات هو إشغال هذه الأعضاء التي أذنبت -كلها- بطاعات. وما هي العبادة التي تشغل الجسد بالطاعات؟ الصلاة والذكر. فلذلك أمر بالصلاة: «أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل»، «إن الحسنات يذهبن السيئات». الذي أخذ مالًا حرامًا، جنسه ما هو؟ يخرج مالًا مثله يتصدق به، هذا جنس. الصلاة تعين، ولكن المال مقابله مال. الذي تكلم بكلام سيئ في إنسان، الحسنة أن تذكره بالخير، وأن تثني عليه بالثناء الحسن، هذا جنس ماذا؟ السيئة. فجنس السيئة هو دواؤها. وهكذا كذلك الذي وقع في النظر الحرام، علاجه أن يشغل النظرة بالقرآن والذكر والعلم الذي يكون علاجًا لنفس جنس الداء. وهكذا كلما كان العلاج من جنس المرض كان أنفع للإنسان، وكان كذلك أعظم له لإصلاح نفسه. ولا مانع أن يجمع معها غيرها، لكن يجتهد على أن يكون من جنسه. هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. وجاء لهذا أدل كثيرة تدل على هذا المعنى -كما تقدم بعضها- وسيأتي معنى البعض الآخر في الأمثلة الآتية. قال رحمه الله تعالى: «والذنوب يزول موجبها بأشياء، أحدها التوبة»، التوبة من الأسباب التي يمحو الله عز وجل بها الذنوب. والتوبة لها شروط -كما تقدم- فلا بد من استيفاء شروط التوبة حتى تتحقق -سَواء قلنا أنها ثلاثة، وإذا كان فيها حق آدمي صارت أربعة، أو زدنا عليها الرابع والخامس- وهو الإخلاص، وماذا؟ والوقت، الحرص أن تكون في الوقت. فكذلك والتوبة مأخوذة من لفظها: التوبة العود، يتوب يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب. مثل الثوب الذي كان سليمًا فانخرق، فإصلاحه بإيش؟ برقع ذاك الخرق، رقع ذاك الخرق. أو كان جديدًا نظيفًا فاتسخ، فإصلاحه بإزالة ذاك الوسخ أو الدرن أو الخبث. قال رحمه الله: «والثاني الاستغفار من غير توبة»، فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتب. فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال. الفرق بين الاستغفار والتوبة: أن الاستغفار -كما هو من لغته- طلب المغفرة. فالألف والسين والتاء في اللغة العربية لها معاني، ومن معانيها طلب حصول الشيء. فالاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة الستر، المغفرة الستر مع الوقاية. ولهذا سمي المغفر الذي يستر المحارب مغفرًا؛ لأنه يستر ويحمي -يستر الرأس ويحميه من ضربات السيوف والرماح والنبال والسهام ونحوها-. فالمستغفر يطلب شيئين: الحماية والستر، أن يستر الله عليه بذنبه في الدنيا وفي الآخرة، وهذا مطلب عظيم، أن لا يهتك الله سترك، وأن يحفظ لك كرامتك. والثاني: أن يحميك ويقيك من ذلك الذنب. ولذلك قال بعض أهل العلم: أن الاستغفار يفتقر إلى التوبة، فكل توبة فيها استغفار، وليس كل استغفار فيه ماذا؟ توبة. التوبة الكاملة يدخل فيها الاستغفار، والاستغفار لا تدخل فيه التوبة، ولكنها تستلزم وتطلب التوبة. واضح، فصار بينهم عمومًا وخصوصًا، من هو الأعم؟ التوبة. فالتوبة يدخل فيها الاستغفار، والاستغفار يستلزم التوبة، الاستغفار الكامل الذي يكون مع التوبة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الاستغفار والتوبة -كما جاء في حديث أبي هريرة وابن عمر والأغر-. فجاء في حديث أبي هريرة: «يستغفر الله أكثر من سبعين مرة أو مئة مرة»، وجاء: «يستغفر ويتوب» -كما في حديث ابن عمر- مئة مرة. وجاء في رواية عند الترمذي وغيره: ذكر صيغة هذا الاستغفار والتوبة، فيقول: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»، أو: «أستغفرك وأتوب إليك»، يكرر ذلك مئة مرة. فالاستغفار والتوبة إذا اجتمعت كان الكمال -كما ذكر رحمه الله-. فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال. فينبغي للإنسان أن يجمع بين التوبة والاستغفار. فإذا جمع التوبة والاستغفار كان -بإذن الله سبحانه وتعالى- سببًا لإزالة الذنب. وهنا تأتي مسألة: إذا استغفر دون أن يتوب، هل يقبل منه هذا الاستغفار؟ الجواب: نعم، الصحيح إذا كان الاستغفار صادقًا فيه صاحبه، فإنه يكون سببًا في حصول المقصود. ولكنه لن يكون مثل التوبة، إلا إذا تضمنت الاستغفار التوبة. قد يتلفظ الإنسان بالاستغفار ويقصد في قلبه التوبة -مثل إنسان أذنب ذنبًا وندم ندامة شديدة صادقة عن هذا الذنب، وقد أقلع إقلاعًا صادقًا، وعزم ألا يعود إليه، ولكنه ما تلفظ بلفظ التوبة، فابتهل إلى الله بلسانه وبجوارحه أن يغفر الله عز وجل له ذنبه: «رب اغفر لي»، «يا رب اغفر لي»، «يا رب اغفر لي»، «أستغفرك مما فعلت» -ما تلفظ بلفظ التوبة-. فهنا التوبة دخلت بنيته وبما قصده بقلبه في الاستغفار. فمثل هذا الاستغفار لا شك أنه يكفي ويغني عن التوبة، ويتحقق معه ما يطلب من التوبة. فإذا لم يتحقق شروط التوبة -مثل إنسان يستغفر بلسانه، ولكن في قلبه شيء من المرض- فهو لم يتخلص من عدم الرجوع إلى هذا الذنب -أي العزم في المستقبل- توبته ناقصة -أليس كذلك؟ -كما تقدم معنى من شروط التوبة-. لكنه استغفر بلسانه عما مضى وعما بقى، فهو في الحاضر لم يفعل. مثل استغفار الصائمين في رمضان، استغفار الصائمين في رمضان أشبه ما يكون بحال هذا الإنسان. فهو يستغفر مما مضى، ويستغفر فيما بقى، لكن بعد رمضان الله أعلم -حتى هو لو تسأله: ها كيف حالك بعد رمضان؟ إن شاء الله يقول: الله أعلم-. إذا صدق سيقول ماذا؟ «الله أعلم»؛ لأن نفسه ضعيف، فعنده فعنده نية تنازعه وتصارعه، لا يزال في قلبه صراع في حاله بعد رمضان: هل سيرجع إلى ما كان عليه أو سيستطيع أن يتغلب على نفسه الأمارة بالسوء فيستمر على ما هو عليه في رمضان؟ فهذا ماذا؟ انتفع من الاستغفار -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله- فإنه قد ينتفع -ذكر في بعض كتب الأخرى- إذا كان صادقًا مخلصًا كيف؟ بأن يغفر له ما مضى، ويعان فيما بقى. ولكن الذي سيأتي هو ما تاب منه، فلذلك لا يأمن أن ينتكس بعد ذلك؛ لماذا؟ لأن الاستغفار لم يقترن بماذا؟ بتوبة. لكن لو قرنها بتوبة حفظه الله ووقاه من الانتكاس بعد رمضان. إذن هذا هو الفرق بين التوبة والاستغفار: أن الاستغفار قد ينتفع به صاحبه في الحاضر وفي الماضي، يغفر له ما كان ماضيًا، ويغفر له ما هو حاضر، فيجد من اللذة والإيمان والحلاوة تدمع العين ويخشع القلب، ويجد من الحياة الروحانية الإيمانية بسبب صدقه في استغفاره في الحاضر، وصدقه في استغفاره عن الماضي. ولكن ما عنده صدق فيما يأتي، ولذلك قد يبتلى، وهذا من خطر عدم التوبة الصحيحة بماذا؟ يبتلى بالانتكاسة، يبتلى -والعياذ بالله- بالانتكاسة. ويبرهن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة» -إيش؟ فيما يبدو للناس- هذا الذي جاء في رمضان في الظاهر ما شاء الله: قيام ليل، وصيام، وقراءة قرآن، ومجتهد في خدمة إخوانه -إذن ما شاء الله أعماله أعمال أهل الجنة-. «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة» -ولكن كما جاء في الحديث- فيما يبدو للناس، ما هو الذي خف على الناس؟ الصراع الذي في قلبه عن حاله بعد رمضان، هذا الصراع الذي في قلبه هو السبب في انتكاسته. هذا مثال، ولهذا أمثلة ونظائر كثيرة في أحوال الناس مع الذنوب الذي يبتلى بالنظر الحرام أو يبتلى بفعل الحرام -صغيرًا كان أو كبيرًا- ولم يستطع أن يغلب نفسه الأمارة بالسوء في الشرط الثالث، وهو أصعب الشروط: العزم على أن لا يعود. فهذا الصراع إذا لم ينتصر فيه، ويصدق في توبته، تكون النتيجة خطيرة، وهو ماذا؟ الانتكاس بعد التوبة. فإذا وقع هذا الانتكاس يرجع مرة أخرى: «اتق الله حيثما كنت»، «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، إذن يبادر بالتوبة، يبادر بالإقلاع وعدم الاتمادي، ويبادر بإتباع السيئة الحسنة حتى يعينه الله. ولهذا جاء في الحديث: أن العبد كلما أذنب وتاب، وأذنب وتاب، أذنب وتاب، فإن الله عز وجل يقول له: «افعل ما شئت فأضفرت لك»؛ لماذا؟ لأنه لا يستمر على الذنب، كلما أذنب تاب، كلما أذنب تاب، كلما أذنب. ولكنه في خطر، ما يدري متى يدركه الموت: وقت الذنب أو وقت التوبة؟ هل أحد يدري؟ ما أحد يدري. إذن هو في خطر، هو في خطر، لكنه ما دام على هذا الحال: يذنب ويتوب، يذنب ويتوب، يذنب ويتوب، وهو صادق هذا الشر صادق في توبته، فهذا مجاهد، هذا مجاهد. ومما يعين الإنسان على التوبة الصحيحة -وهذا مما سيأتي إن شاء الله- أنه ينتقل إلى البيئة التي تعينه على التوبة -كما في حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وكمل بالعابد الجاهل المئة، جاهل العالم: هل من توبة؟ قالوا: من يحل بينك وبين التوبة؟ ولكنك في أرض قوم سوء، اذهب إلى الأرض الفلانية؛ فإن فيها قومًا صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم. فأعانه على ذلك بأن ينتقل من البيئة السيئة إلى البيئة الصالحة. فمما يعين الإنسان على التغلب على ضعفه في الشرط الثالث: أن يغير البيئة، وأن يقطع الأسباب. فالإنسان الذي ذنبه النظر إلى الحرام، ما هو السبب مثلا؟ السبب إنترنت قوي، وجوال ذكي -غبي- هذا الجوال الذكي إذا كان سيريدك إلى النار، إذن إذا أنت ضعيف مع الجوال الذكي، خذ جوال حجر، وأغلق على نفسك الباب. إذن أنت انتصرت على نفسك الأمارة بالسوء. إذا كان السبب الإنترنت، اقطع الإنترنت؛ لأنه الباب الذي يضعفك. رجل مبتلى بالنساء، إذن اقطع كل طريق يوصل ويفضي إلى النساء. بعض الناس السبب وظيفته، وجوده بين النساء فتنة له، إذن اترك الوظيفة، غير الوظيفة، غير الوظيفة لتسلم من هذا الذنب. وهكذا كل ذنب تعالجه من جنسه، وتستعين بالله سبحانه وتعالى أن تغلق الأسباب التي تفضي وتوردك إليه. فتغير البيئة، تغير البيئة إذا كنت ترى نفسك أنك إذا ذهبت إلى المدينة تأتيك الذنوب والمعاصي، وإذا كنت بين أهلك وإخوانك فإنك تلزم الخير والطاعة. مثل بعض الأبناء الذي هو من أسرة صالحة، وفي بيئة صالحة، لكن عمله أو دراسته في بلد آخر، فيكون لهذا الإنسان شخصيتان: شخصية مع أهله مستقيمة، وشخصية خارج بيئته وأهله منحرفة. إذن العلاج ماذا؟ هو يعرف العلاج، العلاج أن يترك تلك البيئة، ويغير دراسته في بيئة سليمة تعينه على الاستمرار على ما هو عليه. ولذلك كل إنسان أعلم بما يصلحه، فانظر كيف تستطيع أن تغلق على الشيطان ما يريده. قال رحمه الله تعالى: «الثالث الأعمال الصالحة المكفرة»، إما الكفارات المقدرة -كما يكفر المجامع في رمضان، والمظاهر، والمرتكب لبعض محظورات الحج، أو تارك بعض واجباته- أو قاتل الصيد -بالكفارات المقدرة- وهي أربعة أجناس: هدي، وعتق، وصدقة، وصيام. كذلك من المكفرات للذنوب والمزيل لها الأعمال الصالحة المكفرة، وقسمها إلى قسمين: مكفرات مقدرة -يعني بالشرع- مثل ما مثل المجامع في رمضان له كفارة خاصة، المظاهر الذي قال لمرأة: «أنت علي كظهار أمي» له كفارة خاصة، المرتكب لبعض محظورات الحج كذلك له كفارات خاصة بحسب المحظورات. فالذي قتل الصيد له حكم، والذي حلق شعره أو كذلك -فعلى ما كان بمعناه- له حكم، والذي ترك واجبًا له حكم. قال: «أو تارك بعض واجباته» -كما تقدم- «أو قاتل الصيد» -كما تقدم- بالكفارات المقدرة، وهي أربعة أجناس -يعني تدور حول هذه الأجناس الأربعة-. هدي -يعني شيء يذبح- مثل الذي يفدي من أجل شعره: «فمن كان منكم به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك»، فالنسك هو الهدي الذي يذبح، والصدقة الذي ذكرها، والصيام كذلك الذي ذكرها هنا، أو العتق -عتق رقبة- كما في كفارة القتل الخطأ، وفي غيره مما جاء -ككفارة اليمين- ونحوه. قال: «وأما الكفارات المطلقة؛ كما قال حذيفة لعمر: فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهذه أكثرها تكون صغائر، وليست كبائر. أما الكبائر فلا تكفر إلا بالتوبة -يعني ما تكفرها هذه الكفارات-. إذن الفرق بين هذه الكفارات وغيرها من الأعمال الصالحة: أن هذه الكفارات تكفر عن الذنب ولو لم يكن معها توبة، ولو لم يكن معها توبة. ولكن إذا كان معها توبة كان أكمل وأفضل. وأما الكبائر فلا تكفرها هذه الكفارات؛ لحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن»، لكن بشرط ماذا؟ «إذا اجتنبت الكبائر»، إذن الكفارات المطلقة تكفرها الطاعات بشرط اجتناب الكبائر. وأما الكبائر فلا تكفرها الطاعات وحدها، وإنما تكفرها التوبة، وتكمل إصلاح تكفيرها إتباع السيئة الحسنة، إتباع السيئة الحسنة. وما هي الكبائر؟ قيل: أن الكبائر معدودة بنص -يعني ليست مطلقة- بل معدودة محدودة -كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، فالسبع الموبقات من الكبائر، وبعضها الشرك وكفر وردة وغيرها مما سمي كبيرة في الشرع-. وقال بعضها للعلم: الكبائر كل كبير من الذنوب -عرف بالنص أو الوصف-. أما بالنص فهذا لا إشكال فيه -مما سمي في الكتاب أو السنة أنه كبير-. وأما بالوصف -كما ذكر شيخ الإسلام وتلميذ بن القيم رحمه الله وجماعة من أهل العلم- هو كل ما اقترن بوعيد في الدنيا أو الآخرة -وعيد شديد في الدنيا أو الآخرة- أو اقترن بفعل الكافرين أو فعل الشياطين. وهذا قياسًا على ما جاء به النص؛ لأن الشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، فما دامت العلة واحدة فالحكم واحد. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم: أن الكبائر ليست معدودة محصورة بالنص، بل ما ذكر بالنص وما كان مثلها بالوصف مما فيه معنى ما جاء فيه النص. قال رحمه الله تعالى: «واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه؛ فإن الإنسان من حين يبلغ -خصوصًا في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه-». رحمه الله رحمة واسعة، إذا قال هذا بزمانه، فما دون أن نقول في زماننا: «إنا لله وإنا إليه راجعون»؛ فإن الفتن في زماننا والذنوب والمعاصي انتشرت وزادت وكثرت، فتن الشهوات والشبهات بأكثر مما كان في زمنه رحمه الله. ومصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه»، قبل سنوات ليست بعيدة والصور ما زالت محفوظة: كان نساء الكفار منتقبات -نساء الكفار ليس نساء المسلمين- كان نساء الكفار منتقبات محجبات، ما يرى من نساء الكفار الوجوه إلا نادرًا، فكيف بنساء المسلمين؟ كيف كنا؟ وأقول: الصور ما زالت موجودة محفوظة في بعض المتاحف في عدد من بلدان العالم من بلدان الكفار والمسلمين. وإذا بحثت في الشبكة ستجد هذه الصور، هذا مثال؛ لأجل أن تعرف كيف انتشر الفساد؟ أول من انتشر: الزي الذي فيه عري، عملت مقابلة في بعض القنوات التلفزيونية للكفار في بلاد الكفار، فقيل: ما رأيكم في لبس هذه الثياب؟ هل ممكن أن تلبسها؟ وكانت المقابلة مع بعض نساء الجامعات، فكلهم استقبحوا واستقذرُوا لبس تلك الثياب المتبرجة، وهم كفار. فقالوا: من يرضى أن يلبس هذا؟ لا يمكن أن نلبس هذا، ما تلبس هذا إلا امرأة ساقطة أو امرأة فاسدة، وهم كفار. أما اليوم فقد وصل الفساد إلى حد العري وأكثر من ذلك؛ لأجل أن نعلم أن الفتن زادت في آخر الزمان -مما يقتضي ماذا؟ زيادة اعتناء بحفظ النفس-. فقابض على دينه -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان- كالقابض على الجمر. وأجر الواحد كأجر الخمسين من الصحابة، قالوا: «منّا ومنهم يا رسول الله؟» قال: «بل منكم»؛ لماذا؟ لأنه جهاد عظيم. إذن على المسلم أن يبالغ في ماذا؟ حماية نفسه وأهله وأسرته. أنت إذا علمت أن العدو يتربص بك من أبواب كثيرة، كيف ستكون حراستك؟ أنت إذا ذهبت إلى بلد فيها لصوص كثير، ممكن إذا سافرت -مثل ما يفعل بعض الآباء- يذهب إلى بلاد فيها نشالون كثير، يستعد