شرح السياسة الشرعية  7

شرح السياسة الشرعية 7

الدرس في شرح السياسة الشرعية 7، الدرس السابع:من( الفصل الثالث:قلة اجتماع الأمانة والقوة في الناس ... وأمر أسامة بن زيد لأجل طلب ثأر أبيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية اختيار الشخص المناسب للولاية

يتناول هذا الفصل موضوع اختيار الشخص المناسب للولاية بناءً على متطلباتها، مشيراً إلى أهمية اجتماع الأمانة والقوة. يشرح أن الولاية تحتاج إلى أمين وقوي حسب مقتضى الحال.

استخدام الفاجر والقوي في إمارة الحرب

يشرح هذا الفصل إمكانية استخدام الشخص الفاجر والقوي في إمارة الحرب، مستشهداً بخالد بن الوليد. يبين أن القوة في الحرب لها الأولوية على الأمانة في بعض الأحيان.

أولوية القوة في إمارة الحرب وتولي المناصب

يستدل هذا الفصل على أولوية القوة في إمارة الحرب، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يولي الأشخاص المناسبين للمهام حسب ما يقتضيه المقام، مستشهداً بتعيين خالد بن الوليد وأسامة بن زيد.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. الفصل الثالث: قلة اجتماع الأمان والقوة في الناس. قال رحمه الله تعالى: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة». فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها. فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا. كما سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؟ فقال: «أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يغزى مع القوي الفاجر». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». وروي «بأقوام لا خلاق لهم». فإذا لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده. هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى في التنبيه على قلة اجتماع الأمانة والقوة في الناس، ويريد رحمه الله تأكيد ما سبق في تولية الأمثل فالأمثل، وأن من تولية الأمثل مراعاة غلبة أحد الصفتين: الأمانة والقوة، بحسب الولاية التي يولى فيها هذا المولى. كما سيأتي معنا إن شاء الله، واجتماع الصفتين معا كما ذكر وبوّب قليل في الناس، أي أن يكون قوي وفي نفس الوقت أمين. سبق معنا تفسير القوة، وأنها تأتي بمعاني كثيرة، فهي بحسب ما يحتاج إليه في موضعه، فكونها تجتمع جميعا هذا شيء صعب، وأصعب منه أن يجتمع معها جميعا الأمانة والدين. فلذلك إذا وقع القصور، ليس معناه أن تعطل الولايات، ولا تسقط كذلك المسؤوليات والرعايات، ولكن يولى الأصلح فالأصلح والأمثل فالأمثل، والأقل قوة والأخف كذلك، أو يقال الأعلى قوة بما يتيسر، والأقل فجورا والأكثر أمانة ودينا بحسب ما يتيسر. ثم صدر بهذا الأثر المروي عن عمر رضي الله عنه، أرضاه، والذي قصد منه أنه إذا كان هذا في زمن عمر رضي الله عنه، في وقت الصحابة على فضلهم رضي الله عنهم، فمن دونهم من باب أولى. فإذا قال عمر في زمانه: «اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة»، ومعناه تطاول الفجار وضعف الأبرار، وهذا قد تبتل به بعض المجتمعات. فإذا كان هذا في زمن عمر، فما بالك بمن هو دون ذلك؟ وهذا هو الواقع، فمجتمعاتنا مثلا يقل فيها أهل الخير من أهل الأمانة والقوة الذين تجتمع فيهم هذه الصفات. فلذلك لا يعني ذلك أن تعطل الولايات والرعايات، وكذلك القيام بهذه الأمانات، ولكن بحسب ما يدفع به الشر ويؤد به المقصود على أحسن الأحوال الممكنة. ثم ذكر ما سئل فيه الإمام أحمد رحمه الله، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في مواضع من كتبه، في هذا الكتاب، وفي «منهاج السنة النبوية»، كما ذكر معناه كذلك عدد من الحنابلة في كتبهم، مما يدل على اشتهار هذه الفتوى عن إمام أحمد رحمه الله. والمقصود من هذه الفتوى هو تأكيد المعنى الذي أشار إليه أولا من قلة اجتماع الأمانة والقوة، وثانيا أنه إذا قصرت هذه الصفات فإنه يراعى الأصلح والأمثل، وثالثا أن غلبت صفة القوة على الأمانة في أمير الحرب، وكذلك من يقوم بهذه المسؤولية مطلوبة أعظم من غلبة صفة الأمانة على القوة، وذلك كما ذكر رحمه الله: لأن قوته للمسلمين وفجوره على نفسه. وهذا إذا كان نوع الفجور غير متعدي، يقيد بهذا القيد، وأما إذا كان فجوره متعديا، صار بهذا ماذا؟ صار ضرره على المسلمين، وقوته للمسلمين، فتجتمعها هنا مصلحة ومفسدة. فإذا استويتا، قدم درء المفسدة على ماذا؟ على جلب المصلحة، فكيف إذا كانت المفسدة أعظم؟ فهو من باب أولى أن مثل هذا لا يمكن من ولاية، وإنما الكلام إذا كان فجوره على نفسه. وبهذا نفرق بين المعاصي والذنوب التي قد يبتل بها العبد، خصوصا من أرباب الولايات والأمانات، إذا كان على نفسه، وإذا كان متعدي إلى غيره. وبين رحمه الله أن الصلاح صلاح الضعيف لنفسه، وضعفه على المسلمين، وتقدم أن ضعف أمير الحرب يكون بقلة خبرته، وضعفه في ما يحتاجه رجل الحرب من قوة الحرب، في تمكنه في الرماية، وأنواع العدة الحسية التي يحتاجها أمير الحرب. ومثلها كذلك مما هو بمعنى الحنكة والخبرة والخداع الذي أقر مثله الإسلام في مثل هذا المقام، وتقدم معنى ذلك، فمثل هذا إذا كان عنده ضعف، فضعفه على المسلمين، وهذا يعني تغلب الكفار على المسلمين، وهذا لا شك فيه مفسدة عظيمة. فلذلك قدم درء هذه المفسدة بالمفسدة الأخف، وهي كونه فاجر لكنه قوي، هذا أولى بإمارة الحرب من التقي الضعيف، الضعيف تقي لكنه ضعيف، لا ينفع للحرب ولا ينفع للمواجهة. ثم ذكر مؤيدا لهذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». والحديث فيه قصة، وأصله كما أشار المعلق في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قصة الرجل الذي قتل في المشركين قتلا ذريعا حتى تعجب الصحابة منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو في النار». فتعجبوا حتى راب ذلك بعض الصحابة، يعني كيف نرى فيه هذه الصفة ومع ذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في النار». فجرح فلم يصبر فقتل نفسه، فجاء من يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد قتل نفسه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، لأن الله أوحى إليه ذلك. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله، وإذا أعلمه فلا يعلمه أو لا يعلم إلا في حدود ما أعلمه الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم بما أخبر علم أنه من أهل النار، لكنه لم يعلم كيف يكون ذلك؟ فلما أخبر بالخبر، قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، لأنه علم برهان ما أوحي إليه، وكيف أنه حق ذلك. ثم قال عليه الصلاة والسلام هذا الحديث: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». وهذا هو الشاهد، فقد يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، إذن ينفع في إمارة الحرب الفاجر إذا كان قويا، ما دام فجوره على نفسه، بهذا الشرط. وقوله: «وروي بأقوام لا خلاق لهم»، يعني رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم»، وهو بمعنى الحديث الأول، وهو كذلك حديث حسن يرتقي بمجموع طرقه إلى الحسن. وقد أشار المعلق أن العلامة الألباني رحمه الله صححه في «الصحيحة» حديث تسعة وأربعين وست مائة وألف. ثم قال رحمه الله: فإذا لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده. والمعنى تأكيد ما تقدم من الحرص على الأمثل فالأمثل، وتقديم جانب القوة في هذا الباب يغلب على غيره. قال رحمه الله: ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم، وكان قال: «إن خالداً سيف سله الله على المشركين»، مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه مرة رفع يديه إلى السماء، أي النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد»، لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من كان معه من الصحابة، حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم. ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعله بنوع تأويل، وهذا كذلك دليل آخر يدل على تأكيد تقديم القوي على الأمين. قد يوجد في الصحابة من هو أشد أمانة ودينا وأفضل من خالد رضي الله عنه، لكن لما كان خالد بن الوليد رضي الله عنه أرضاه قويا في الحرب، وقد كان كذلك في الجاهلية والإسلام، ولا يخفى علينا ما وقع يوم أحد حين أصاب المسلمين ما أصاب، فإنه كان بمعصية أصحاب الجبل الرماة حين نزلوا، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينزلوا في كل الأحوال، سواء انتصر جيش المسلمين أو لم ينتصر. فلما رأوا النصر في أول الأمر، نزل الرماة من على الجبل، فأمرهم أميرهم عبد الله ألا ينزلوا طاعة لله ورسوله، فقالوا: قد غنمنا فنغنم مع الناس، يعني غنم المسلمون، فتركوا الأمير وحده. فلما رأى هذه الفرجة خالد دار من خلف جبل أحد، وكان فارسا ومعه بعض من كان معه، فأتوا للمسلمين من الخلف، فكان ما كان مما ابتلي به المسلمون يوم أحد. فكان خالد رضي الله عنه رجل حرب في الجاهلية وفي الإسلام، فيه قوة أمراء الحرب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمكنه مع ما عنده رضي الله عنه أرضاه مما قد يكون من الخطأ مما قد لا يقع عند غيره. ولهذا قرن الحديث الأول بالثاني، والأول معناه جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى خالدا سيف الله في الصحيحين من حديث أنس، حين أرسل زيدا وجعفر ومن معه من المسلمين إلى الروم فأصيب زيد، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو في المدينة وهم في أرض الروم. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع لجيش المسلمين وعيناه تذرفان، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، ولم يأتي المسلمين خبرهم، بل لا يزال المسلمون في أرض المعركة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم في أمر إصابة زيد وجعفر وابن رواحة، فأتاهم بخبرهم قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب»، وعيناه عليه الصلاة والسلام تذرفان. ثم قال: «قال حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم»، يريد خالد بن الوليد. وهكذا ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤذوا خالداً، فإنه سيف من سيوف الله عز وجل صبه الله على الكفار أو قال على المشركين». فهو بمعنى الحديث الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وأما ما أشار إليه بالحديث الآخر، فهو ما جاء في الصحيح في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر وغيره، جاء معناه في الصحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر، وجاء خارج الصحيح عن غيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خالد بن الوليد ومن معه من الصحابة إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا: «أسلمنا»، وكانوا أهل جاهلية حدثا عهد بإسلام. فبدلا أن يقولوا: «أسلمنا»، قالوا: «صبأنا صبأنا»، فجعل خالد رضي الله عنه يقتل ويسبي، وأعطى كل رجل من المسلمين رجلا وأمره بقتله، فامتنع من معه من المسلمين من القتل، قالوا: والله لا نقتلهم، يعني وهم متأولون حتى نسأل رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم. فجاءوا إلى المدينة فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد، اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد». أخطأ رضي الله عنه بشبهة. ومع ذلك لم يمتنع النبي صلى الله عليه وسلم من تأمير خالد في الغزو، لأن ما فيه من صفة القوة تجعل أنه أهل ومقدم على ذلك من غيره. وسيأتي معنا إن شاء الله أنه ربما قدم غيره لمصالح أخرى يقتضيها المقام. والشاهد من هذا أراد أن يستدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا على أن تقديم القوة على الأمانة في إمارة الحرب لها الأولوية في ديننا. قال رحمه الله: وكان أبو ذر رضي الله عنه أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين ما ليتيم». رواه مسلم. فنهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفا، مع أنه قد روي أنه قال: «ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغضراء أصدق لهجة من أبي ذر». وهذا مثال آخر يبين ويؤكد ما سبق. فأبو ذر رضي الله عنه كما ذكر شيخ الإسلام أصلح من خالد بن الوليد من جهة الأمانة والصدق، وكلهم أهل الصدق وأمانة، لكن يتفاوتون في هذا الفضل، يتفاوتون في هذا الفضل. ومع ذلك فقد مر معنا الحديث قريبا، قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لأبي ذر في هذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا»، المراد بالضعف ها هنا ليس الضعف الذي ينافي الأمانة، ولكن الضعف الذي ينافي القوة، الضعف الذي ينافي القوة وهي التي يحتاج إليها، أي القوة في الإمارة والولاية. لأنه إذا تولى الضعيف، وقد يكون الضعف بغلبة الحياء، وقد يكون الضعف كذلك بكثرة التنسك والتعبد، إذا غلب الضعف تسلط السفهاء على هذا الضعيف، ولو كان من أتقى الناس، ولو كان من أعبد الناس، ولو كان من أحسن الناس صدقا وأمانة. لكن بسبب ضعفه يتسلط عليه السفهاء، ويكون ما لا يصلح معه في تولية الإمارة والولاية، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر، وقد كان يحبه بنص هذا الحديث: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين ما ليتيم». لأنه لا يصلح للإمارة، لا لقلة دينه، ولكن لقلة قوته، وهذا في هذا المقام يعتبر نقصا، يعني في باب الإمارة والولاية، وهكذا كذلك في مال اليتيم، لأنه قد يغلب بالعاطفة، قد يغلب بالعاطفة. كولاية المرأة مع الرجل، المرأة قد تكون أحب لمن لأبنائها، والرجل أحزم، فكون المرأة أعطف وأليا لا تصلح للولاية بالنسبة للمال، فربما إذا أعطيت مالا ما أحسنت التدبير فيه لغلبة عاطفتها، فعاطفتها بالنسبة لما يحتاج إليه من مهمتها مدح، لكن بالنسبة لولاية المال ماذا؟ نقص. وهذا تقريب للمعنى، وكذلك يقال في مسألة الضعف في هذا المعنى، فالمراد الضعف الذي لا ينافي الدين، ولكن الذي تغلب فيه العاطفة والرحمة. وأما الحديث الثاني الذي أشار إليه، فهو كما أشير عندكم في التعليق رواه الترمذي وغيره من حديث ابن عمر، وأعله بعض أهل العلم بعثمان بن عمير أبي ليقضان، فهو متروك، وقيل ضعيف جدا. لكن الحديث له شاهد من حديث أبي ذر كذلك، وله متابعات كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، ولهذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» حديث 2343، وفي غيرها من كتبه الأخرى. فالحديث حسن، وفيه فضل أبي ذر رضي الله عنه أرضاه، وصدق لهجته، فهو من جهة الأمانة قوي، من جهة الأمانة أمين، ومن جهة القوة ليس بالقوي. وهذا يؤكد ما سبق، قال: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمر بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هم أفضل منه. وأمر أسامة بن زيد رضي الله عنه لأجل طلب ثأر أبيه، لأنه أرسل أسامة وأمره في آخر حياة عليه الصلاة والسلام حتى لم يرسل الجيش إلا في خلافة أبي بكر، وذلك قيل لأجل هذه العلة، وهي طلب لثأر أبيه. فأبوه قد قتل في أرض الروم، وأرسل أسامة بن زيد لذلك، وقيل لشيء آخر: لأن الجيش كان فيه الكثير من كبار الصحابة وخيارهم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأمر شورى، فأنزله عند أصغرهم. وهو كذلك كان شجاعا وقويا، فيه قوة رجل الحرب رضي الله عنه أرضاه، أي أسامة بن زيد، على صغر سنه. حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله تؤمر علي أسامة بن زيد؟» فقال: «امضي ليقضي الله أمرا أو كما قال عليه الصلاة والسلام». والمقصود من هذا الإيراد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يؤمر في أحوال خاصة أناس لأسباب خاصة يقتضيها المقام، وهذا يؤيد ما سبق في مراعاة الأمثل فالأمثل. نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.