الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 6، الدرس السادس:من( الوجه الحادي عشر:أن آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها ... وهذا يرجع إلى أهل اللغة والعبرانية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرحًا لآيات الأنبياء ودلالتها على صدقهم مستشهدًا بقصص القرآن الكريم. يبرز أن هذه الآيات فريدة ولا مثيل لها في العالم.
يشرح دلالة قصد المتكلم على المدلول وكيف يمكن معرفة قصد المتكلم. يبين أن آيات الأنبياء تعتبر دلائل على صدق رسالتهم وأن القرآن معجزة مستمرة.
يناقش معجزات الأنبياء وخصائصها ويفرق بينها وبين المعجزات الأخرى. يشير إلى حدود الاستدلال بالكتاب والسنة وأهمية فهم ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: الوجه الحادي عشر: أن آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم، ليست مما تكون لغيرهم، فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء. وسواء في آياتهم التي كانت في حياة قومهم، وآياتهم التي فرق الله بها بين أتباعهم وبين مكذبيهم بنجاة هؤلاء وهلاك هؤلاء، ليست من جنس ما يوجد في العادات المختلفة لغيرهم. وذلك مثل تغريق الله لجميع أهل الأرض إلا لنوح ومن ركب معه في السفينة، فهذا لم يكن قط في العالم نظيره. وكذلك إهلاك قوم عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، ثم أهلكوا بريح صرصر عاتية مسخرة سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، حتى صاروا كلهم كأنهم أعجاز نخل خاوية. وكذلك قوم صالح أصحاب مدائن ومساكن في السهل والجبل وبساتين، أهلكوا كلهم بصيحة واحدة، فهذا لم يوجد نظيره في العالم. وكذلك قوم لوط، نجى الله عز وجل صالح من معه. قال: وكذلك قوم لوط أصحاب مدائن متعددة، رفعت إلى السماء ثم قلبت بهم، وأتبعوا بحجارة من السماء تتبع شاذهم، ونجى لوط وأهله إلا امرأته، أصابها ما أصابهم، فهذا لم يوجد نظيره في العالم. وكذلك قوم فرعون وموسى، جمعان عظيمان، ينفرق لهم البحر كل فرق كالطود العظيم، فيسلك هؤلاء ويخرجون سالمين، فإذا سلك الآخرون، انطبق عليهم الماء، فهذا لم يوجد نظيره في العالم. فهذه آيات يعرف العقلاء عمومًا أنها ليست من جنس ما يموت به بنو آدم. وقد يحصل لبعض الناس طاعون، ولبعضهم جدب، ونحو ذلك، وهذا مما اعتاده الناس، وهو من آيات الله من وجه آخر، بل كل حادث من آيات الله تعالى، ولكن هذه الآيات ليست من جنس معتاد. وكذلك الكعبة، فإنها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، وكل من يأتيها يأتيها خاضعًا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع. وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة وشوقًا من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها. والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة ثم تهدم، لا يرغب أحد في بنائها، ولا يرهبون من خرابها. وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولي على بيت المقدس. والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم، فإنهم يظنون أن المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك، وأن ما بني وبقي فقد بني بطالع سعيد، فحاروا في طالع الكعبة إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكية ما يوجب مثل هذه السعادة والفرح والعظمة والدوام والقهر والغلبة. وكذلك ما فعل الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم، فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجها. ثم جاءهم من البحر طير أبابيل، أي جماعات في تفرقة، فوجًا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم، فهذا مما لم يوجد له نظير في العالم. فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم، والدليل يجب أن يكون مختصًا بالمدلول عليه، لا يوجد ما عدمه، ولا يتحقق الدليل. كما أن الحادث لا بد له من محدث، فيمتنع وجود حادث بلا محدث، ولا يكون المحدث إلا قادرًا، فيمتنع وجود الإحداث من غير قادر، والفعل لا يكون إلا من عالم، ونحو ذلك. فكذلك ما دل على صدق النبي يمتنع وجوده إلا مع كون النبي صادقًا. ولم يجعل آيات الأنبياء تدل على دلالة عقلية مستلزمة للمدلول، ولا تدل بجنسها ونفسها، بل قال بعضهم: قد تدل وقد لا تدل. وقال آخرون: تدل مع الدعوة ولا تدل مع عدم الدعوة، وهذا يبطل كونها دليلًا. وقد تقدم معنا بالأدلة الشرعية الكثيرة والعقلية كذلك التي لا تخالف الشرع، وواقع حال هذه الآيات أن آيات الأنبياء ليست من جنس أبدًا ما يكون على يد الولي ولا على يد المشعود والكاهن، وبينها جميعًا فرق. وما ادعاه هؤلاء من أنها متشابهة والفرق دعوى النبوة وعدم الدعوة، فهذا باطل. وهذه مؤيدات من واقع أحوال العالم مر على تاريخ هذه الأرض مما أرسل به الرسل، وكان مع حال أممهم ما كان مما يؤيد أن آيات الأنبياء ليست هي من جنس ما يكون على يد الرجل الصالح ولا على يد المشعود والكاهن والساحر. قال رحمه الله: آخرون أرادوا تحقيق ذلك فقالوا: تدل دلالة وضعية من جنس دلالة اللفظ على مراد المتكلم، تدل إن قصد الدلالة ولا تدل بدون ذلك، فيتدل مع الوضع دون غيره. فيقال لهم: ومعنى هذا الكلام زعموا أن الآية هي ألفاظ كالألفاظ. فإن كان مع صاحبها قصد صار هذا اللفظ يؤدي المقصود، وإن كان ليس معه قصد فهو مثل هذيان المحموم والمريض، ومثل كلام النائم، فإنها أحرف وكلمات ليس لها قصد، فلا يكون لها أثر. فكذلك زعموا أن آيات الأنبياء لها جنس عند غيرهم، ولكنها لما كانت بقصد الرسالة صار أثرها على ما صار، ولما كان لغيرهم ليس بقصد الرسالة لم يكن لأثرها أي معنى. وهذا باطل كما سيأتي بيانه، وما تقدم يكفي في الجواب عليه. قال رحمه الله: فيقال لهم: وما يدل على قصد المتكلم هو أيضًا دليل مطرد يمتنع وجوده بدون المدلول، ودلالته تعلم بالعقل في جميع الأدلة تعلم بالعقل دلالتها على المدلول. فإن ذلك اللفظ إنما يدل إذا علم أن المتكلم أراد به هذا المعنى، وهذا قد يعلم ضرورة، وقد يعلم نظرًا. فقد يعلم قصد المتكلم بالضرورة كما يعلم أحوال الإنسان بالضرورة، فيفرق بين حمرة الخجل وصفرة الوجل، وبين حمرة المحموم وصفرة المريض بالضرورة - يعني ولو لم يتكلم. قال: وقد يعلم نظرًا واستدلالًا كما يعلم أن عادته إذا قال كذا أن يريد كذا، وأنه لا ينقض عادته إلا إذا بين ما يدل على انتقاضها، فيعلم هذا كما يعلم سائر العادات مثل طلوع الشمس كل يوم، والهلال كل شهر، وارتفاع الشمس في الصيف، وانخفاضها في الشتاء. ومن هذا سنة الله في الفرق بين الأنبياء وأتباعهم وبين مكذبيهم، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. فإن هذه العجائب والآيات التي للأنبياء تارة تعلم بمجرد الأخبار المتواترة، وإن لم تشاهد شيئًا من آثارها، وتارة بالعيان آثارها الدالة على ما حدث، كما قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾. فمعظم آيات الأنبياء لم نراها بأعيننا، ولم نلتمس شيئًا من آثارها وبقاياها، لكن تواتر الخبر بها بتتابع إخبار الرسل وقبول الأمم بذلك جعل ذلك أمرًا يقينيًا متواترًا مستوجبًا للعلم الضروري. فإنه لا يشك أحد بما أخبر الله عز وجل به من خبر عاد وثمود وفرعون وقوم صالح وغير ذلك من الأمم التي يسبقت، وبعضها رأينا آثارها وبقايا كذلك أحداثها، وبعضها لم نر شيئًا. قال رحمه الله: كما قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾، يعني التي تمرون بها، فمساكن عاد وثمود لها بقايا وأثر موجودة. قال: وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ومعنى أن مشيكم على ضربكم بالإبل يوافق مروركم بهم في الصباح وبالليل - يعني أحيانًا. فأنتم تعرفون مساكن هؤلاء المعذبين، أفلا تعقلون - يعني أن لا يعذبكم كما عذبهم بعدم استجابتهم لرسلهم. والمقصود أنها آيات على ما وقع بينهم وبين الأنبياء، وآثار ذلك الذي وقع باقية. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾، أي لبطريق موضح تبين لمن مر به آثارهم. فمن مر بتبوك ورأى آثار قوم صالح، أو مر كذلك ببعض آثار قوم ثمود، أو فرعون، أو عاد، أو غير ذلك، تبين له أن آيات الأنبياء حق وصدق، وفيها ما فيها من العبرة. قال رحمه الله تعالى: وهذه الأخبار كانت منتشرة متواترة في العالم. وقد علم الناس أنها آيات للأنبياء وعقوبة لمكذبيهم، ولهذا كانوا يذكرونها عند نظائرها للاعتبار، كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾. وذلك لأن آثار هذه الأمم وما وقع لها مع أنبيائها ورسلها باقية، فصار يضرب به المثل. قال: وقال شعيب: ﴿يَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. قال: والقرآن آية باقية على طول الزمان، من حين جاء به الرسول، تتلى آيات التحدي به، ويتلى قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، وقوله: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾، وبسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله. ويتلى قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. قال: فنفس إخبار الرسول بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك ما علمه بكثرة الخلق، دليل على أنه كان قارئًا يعجز الثقلين عن معارضته. وهذا لا يكون لغير الأنبياء، ثم مع طول الزمان قد سمعوا الموافق والمخالف، والعرب والعجم، وليس في الأمم ممن أظهر كتابًا يقرأه الناس وقال إنه مثله أبدًا، على مر الزمان من مبعث نبينا عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا. وكم حاول عدد من المنافقين ومثلهم من الكافرين أكثر أن يأتوا بما يظنوا أنه مثل القرآن، ولكنه سرعان ما تبين أنه ليس كذلك، بل ظهر هزاله وضعفه، كما فعل مسيلمة الكذاب، فتبين عند الحداء والعارفين أنه كاذب. كما تلا ما تلا من الآيات على عمر بن العاص وكان لم يسلم بعد، كان كافرًا، فتلا عليه فقال: ما تقول في هذا الذي أنزل عليه؟ فقال: والله إني لأعلم أنك لكاذب - يعني ظهور الكذب في كلامك واضح وظاهر. قال رحمه الله تعالى: وهذا يعرف كل أحد، وما من كلام تكلم به الناس، وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظًا ومعنى، إلا وقد قال الناس نظيره وما يشبه ويقاربه، سواء كان شعرًا أو خطابة أو كلامًا في العلوم والحكمة والاستدلال والوعظ والرسائل وغير ذلك. وما وجد من ذلك شيء إلا ووجد ما يشبه ويقاربه، والقرآن مما يعلم الناس عربهم وعجمهم أنه لم يوجد له نظير، مع حرص العرب وغير العرب على معارضته، فلفظه آية ونظمه آية، وإخباره بالغيب آية، ومعنى آية - يعني معجز. فلفظه معجز ونظمه معجز، وإخباره بالغيوب كذلك معجز. قال: وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ترجم بغير العربي كانت معانيه آية، كل ذلك لا يوجد له نظير في العالم. وإذا قيل: إن التوراة والإنجيل والزبور لم يوجد لها نظير أيضًا لم يضرنا، فإنا قلنا: إن آيات الأنبياء لا تكون لغيرهم، وإن كانت لجنس الأنبياء كالإخبار بغيب الله، فهذه آية يشتركون فيها. وكذلك إحياء الموتى قد كان آية لغير واحد من الأنبياء غير المسيح، كما كان ذلك لموسى وغيره. وهنا ينبه أن كل الكتب إلا القرآن ليس لفظها هو لفظ كلام الله سبحانه وتعالى، بل أكثره معنى كلام الله حكاه أتباع الرسل بالمعنى. بل إن الكثير منهم زادوا فيه من كلام أتباع الرسل ما كان ليس من التوراة ولا من الإنجيل ولا من الزبور، وأدخلوه في ذلك. ولهذا كان أولئك القوم مغيرين لكلام الله، إذ حرفوا بعض ذلك وغيروا بحسب أهوائهم وطلب ملوكهم وغير ذلك، حتى كان ذاك الاختلاف في نسخ التوراة والإنجيل على ما هو معلوم. قال رحمه الله: وليس المقصود هنا ذكر تفضيل بعض الأنبياء على بعض، بل المقصود أن جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات والدلائل الدالة على صدقهم، التي يعلم العقلاء أنها لم توجد لغيرهم، فيعلمون أنها ليست لغيرهم لا عادة ولا خرق عادة. والفرق بين العادة وخرق العادة أن العادة يوجد له نظير، وخرق العادة لا يوجد له نظير. قال: وإن كان ممكن الإتيان بالنظير، لكن هذا الذي جاء به الأنبياء هو دون هذا، وهذا فهو أعظم من عادات تعودها الناس، ومن خرق العادات قد يوجد نظائرها ولو لم يوجد. لكن ما جاء به الأنبياء هي آيات ودلائل نبوة ليس لها عادة، ولا كذلك مما يكون مما هو أرفع من العادة، بل هو أعظم من ذلك. قال: بل إذا عبر عنها بأنها خرق العادة وبأنها من العجائب والأمر العجيب والخارج عن نظائره وخارق العادة، ما خرج عن الأمر المعتاد. فالمراد بذلك أنها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء، وأنها من العجائب الخارجة عن النظائر، فلا يوجد نظيرها لغير الأنبياء - يعني ينبغي أن تصحح هذه العبارة، لو قيل خرق عادة فيقال: ماذا تريد بخرق العادة؟ إن كنت تريد أنه ممكن أن يأتي مثله على غير النبي أو من غير النبي فيقال: لا. وإن قيل: المراد به أنها آيات للأنبياء فنعم. قال: وإذا وجد نظيرها - سواء كان أعظم منها أو دونها - لنبي، فذلك توكيد لها أنها من خصائص الأنبياء، فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضًا، ولا تكون أن يأتي مثلها من غير هذا النبي إلا من نبي آخر. وإن أتى بعضها من غير نبي أو وقعت لغير نبي، فهي تأكيد لنبوة هذا النبي، كما يقع بعض الكرامات لأتباع الأنبياء. وفي الغالب أن هذا يقع لما سبق، وثانيًا لا يقع بمثل ما وقع للنبي. قال: فآية كل نبي آية لجميع الأنبياء. وكما أن آيات أتباعهم آيات لهم أيضًا، وهذا أيضًا من آيات الأنبياء، وهو تصديق بعضهم لبعض، فلا يوجد من أصحاب الخوارق العجيبة التي تكون لغير الأنبياء كالسحرة والكهنة وأهل الطبائع والصناعات إلا من يخالف بعضهم بعضًا فيما يدعو إليه ويأمر به ويعادي بعضهم بعضًا. وكذلك أتباعهم إذا كانوا من أهل الاستقامة، فما أتى به الأول من الآيات فهو دليل على نبوته ونبوة من يبشر به، وما أتى به الثاني فهو دليل على نبوته ونبوة من يصدقه ممن تقدم. فما أتى به موسى والمسيح وغيرهما من الآيات فهي آيات لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لإخبارهم بنبوته، فكأن هذا الخبر دلت آياتهم على صدقه. وما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات فهو دليل على إثبات جنس الأنبياء مطلقًا، وعلى نبوة كل من سمي في القرآن خصوصًا. إذا كان ممن أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله، ودلت آياته على صدقه فيما يخبر به عن الله. وحينئذ فإذا قدر أن التوراة أو الإنجيل أو الزبور معجز لما فيه من العلوم والإخبار عن الغيوب والأمر والنهي ونحو ذلك، لم ينازع في ذلك. بل هذا دليل على نبوتهم صلوات الله عليهم وسلامه، وعلى نبوة من أخبروا بنبوته. ومن قال: إنها ليست بمعجزة، فإن أراد ليست بمعجزة من جهة اللفظ والنظم كالقرآن فهذا ممكن، وهذا يرجع إلى أهل اللغة والعبرانية. طيب نقف لهنا ونترك الباقي لأن هذا الفصل طويل وقد أطلنا إلى درس لاحق والله تعالى أعلم. يقول: هل في الكتاب والسنة دليل على ارتفاع الشمس في الصيف وانخفاضها في الشتاء؟ ينبغي أن يعلم السائل أن العلوم لا تثبت بالكتاب والسنة فقط، العلوم لا تثبت بالكتاب والسنة فقط. فإن ظن ذلك فليعلم أنه هو أول المخالفين للكتاب والسنة، فالله عز وجل قال بكتابه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فأهل ذكر كل شيء هم أعلم به. فمن العلوم ما تثبت بالتجربة، ومنها ما يثبت بكذلك الخبرة وتراكم المعلومات حتى تجتمع علوم منفردة في كل باب بحسبه. فليس ما هو من علوم الناس يحتاج أن نستدله بالكتاب والسنة، لكن نستدله بجنسه من أهل هذا الفن. فهذا الباب مسألة ارتفاع الشمس في الصيف وانخفاضها في الشتاء ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لعلمه أن هذا من علم أهل هذا العلم وهم المختصون بأمر الفلك وتتبع أحواله. وهذا جنسه كثير في علوم أخرى كثيرة. فليس كل شيء يستدله بالكتاب والسنة، بارك الله فيك.