الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 187، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة الإفك التي تعرضت لها السيدة عائشة أثناء غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم معها، حيث فقدت عقدها وتأخرت في البحث عنه. حمل الرجال هودجها على البعير دون أن يلاحظوا غيابها، مما أثار الشبهات حولها.
تروي عائشة رضي الله عنها تفاصيل الحادثة وكيف ضاعت من الجيش، ثم كيف وجدها صفوان بن المعطل وركبت معه حتى لحقت بالجيش. انتشر الاتهام ضدها بتحريض من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول.
علم النبي صلى الله عليه وسلم بالحادثة واستشار أصحابه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول على المنبر. حاول بعض الصحابة الاقتتال بسبب الحادثة لكن النبي صلى الله عليه وسلم هدأهم.
تم اختتام الدرس بسبب تجاوز الوقت المحدد، وسيتم استكمال باقي الموضوع في درس لاحق بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، وهو ابن يحيى العامري القرشي المدني، أحد الثقات الذين أخرج لهم البخاري ولم يخرج له مسلم، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فهو حفيد الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، وبه نعرف فضل العلم على أهله، وكيف يصلوا إلى الذرية وإلى الأحفاد، وهو أحد الثقات من رجال الصحيحين المشهورين المعروفين. قال عن صالح، وهو ابن كيسان، من رجال الصحيحين المشهورين، فقه فقيه محدث، اشتهر بالعلم وغير ذلك من خصال الخير، حتى كان من إمة أهل زمانه. قال عن ابن الشهاب، وهو الإمام المشهور، حافظ أهل زمانه، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري. وكما نرى الإسناد إسناد مدني من أوله إلى آخره. قال رحمه الله: قال حدثني عروة بن الزبير، وهو الإمام المشهور، أحد الثقاة الفقهاء من رجال الصحيحين، والده الزبير بن العوام، الصحابي الجليل الملقب بالصابر المحتسب، ذكر في ترجمته العجائب في صبره واحتسابه رحمه الله رحمة واسعة. قال: أخبر بموت أحد أبنائه، فقال: الحمد لله، إن أمات الله لي ولدًا فقد أبقى لي آخرين. وذكر في ترجمته أنه أصيب في رجله، فقالوا: لابد أن تقطع، فقال: إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها. وكان إذا دخل في الصلاة لم يدري ما يجري له، ففعلوا ذلك. قال: قال وسعيد بن المسيب، وهو الإمام المشهور، والده المسيب بن حزن، أحد أجلة التابعين. قال وعلقم بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم من أئمة التابعين، روى عنهم ابن شهاب جميعًا هذا الحديث عن عائشة. قال عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي معنا أن هذا الحديث فيه عظيم فضل عائشة رضي الله عنها، وفيه آية وكرامة لها أكرمها الله عز وجل بها، إذ برأها الله من فوق سبع سماوات، وأنزل الله ما رجت من تبرئتها بأعظم مما ترجو وتظن. قال: حين قال لها أهل الإفك ما قالوا. وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت لها اقتصاصًا. وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض. قالوا: القائل لهذه الجمل هو الزهري رحمه الله، لأنه روى هذا الحديث عن هؤلاء الأربعة من أئمة التابعين عن عائشة رضي الله عنها، فجمع حديثهم جميعًا في هذا الحديث، وجعله سياقًا واحدًا. قال رحمه الله: قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. وفي هذا مشروعية القرعة عمومًا، وبين الأزواج في مثل هذه الحالة خصوصًا. قال رحمه الله تعالى: قال فيما نقله -يعني عن عائشة- قال: قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أنزل الحجاب، بعدما أنزل الحجاب. فكنت أحمل في هودجي. قالت: فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل -يعني ورجع- دنونا من المدينة قافلين. قالت: آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني -يعني قضت حاجتها كسائر بني آدم رجالًا ونساء- وفيه الأدب في ذكر هذا الشيء ألا يسمى باسمه. قالت: أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ضفار قد انقطع -يعني ضاع عليها وسقط-. قالت: فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه -يعني تأخرت بسبب البحث عنه في مكان الذي ذهبت إليه لقضاء حاجتها-. قالت: أقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعير الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء ذاك خفافًا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم. ومعنى لأن النساء في ذاك الزمان كن يعملن، وفيه إشارة أن المرأة إذا قل حركتها كان مدعاه لسمنتها. قالت: وكان النساء ذاك خفافًا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام. وهذا سبب آخر لشدة الفقر والفاقة، كانوا يأكلون القليل من الطعام، وهذا سبب كذلك يعين على عدم السمنة. قال: فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه. وكنت جارية حديثة السن -يعني هذه أمور كلها تعين على خفة الوزن صغر السن، قلة الطعام، كثرة الحركة، وغير ذلك مما جعلهم لم يشعروا حين حملوا الهودج-. قال: فبعثوا الجمل، فساروا. ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش -يعني مشى-. فجئت منازلهم، وليس بها منهم داع ولا مجيب. ومعناه أنها ظنت أن أحدًا ينادي إذ يبحث عنها، وهي بعد ذلك نادت، فلم تسمع أحدًا يسمعها، ولم تجد أحدًا ينادي بها. قالت: فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي. وفيه كذلك هذا التصرف الحكيم عند حصول الاختلاف والضياع في مواضع نحو هذا، أن الإنسان يرجع إلى مكانه، فالغالب أنه سيبحث في مكانه الذي ترك فيه. قالت: فبينما أنا جالسة في منزلي -ومعنى المنزلي يعني المكان الذي نزل فيه رحلها- قال: غلبتني عيني فنمت -يعني نعست وهي جالسة-. قالت: وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكوان من وراء الجيش، فكان صفوان من الساقة الذين يكونون في آخر الجيش. فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. ومعنى أنه لما رأى سواد إنسان قرب ليتفقد من هذا الذي بقي في الجيش، وهذا من عمل الساقة أنهم يمشون خلف الجيش وينظرون إن كان هناك مريض أو نسيه أحدهم شيئًا أو نحو ذلك مما يقوم به الساقة. قالت: فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي. وهذا فيه دليل لما تقدم أن من الحجاب ستر الوجه. قالت: والله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. وفيه هذا الأدب وفضل عائشة رضي الله عنها، وفضل صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه أرضاه. قال: وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها. فقمت إليها فركبتها. ولم يكلمها في كل ذلك، ما قال: تعالي، ولا اركبي، ولا أقربي، ولا غير ذلك، كما قالت رضي الله عنها. قالت رضي الله عنها: فانطلق يقود بالراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول -يعني تأخرنا عليهم-. قالت: فهلك من هلك. وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، المنافق المشهور الذي نزل فيه قرآن، آيات كثيرة. وهكذا حال المنافقين في كل زمان ومكان، يستغلون مواضع الفتن ويستشرفون ما يكون به الطعن. قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه -يعني يزيد في الكلام حتى ينتشر بين الناس الطعن في عائشة رضي الله عنها وأرضاها-. قال: وقال عروة أيضًا: لم يسم من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابت، ومصطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، في ناس آخرين لا علم لي بهم. ومعناه أن أناسًا صاروا ينقلون هذا الخبر، يقولون ما قاله هذا المنافق وبثه. قالت رضي الله عنها: غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. قالت عائشة: وفيه كذلك ما ينبغي يكون عليه المسلم من حسن الظن بإخوانه المسلمين، ومن العفو والصفح، وكذلك إبقاء ما ينبغي أن يبقى، وإعدار بعضنا بعضًا. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا -يعني مرضت بسبب السفر ومشقته، وربما كذلك لغير ذلك-. قالت: والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك. وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. قالت: إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: «كيف تيكم»، ثم ينصرف. قالت: فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت -يعني بعد شهر-. فخرجت مع أمي مصطح قبل المناصع، وكان متبرزنا. وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل -يعني لقضاء الحاجة- لا يخرجون إلا في الليل في وقت الستر. قالت: وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا. قالت: ومعنى الكنف -يعني مكان قضاء الحاجة-. قالت: وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط -يعني المكان المنخفض يذهبون هناك-. قالت: وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا -يعني لما تبقيه من أشياء مؤذية-. قالت: فانطلقت أنا وأم مصطح، وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مصطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وأم مصطح قبل بيتي، حين فرغنا من شأننا. فعثرت أم مصطح في مرطها -يعني تعثرت بطرف ثوبها-. فقالت: تعس مصطح. فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا -يعني مصطح بن أثاثة رضي الله عنه، وكان ممن خاض كما سبق-. فقالت: أي هنتاه هنتاه -يعني تؤكد أنه يستحق ذلك-. قالت: ولم تسمعي ما قال. قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك. قالت: فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي، دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم -يعني كانت تحسنت قليلًا فرجعت إلى مرضها مرة أخرى-. ثم قال: «كيف تيكم؟» فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بني، هوني عليك، فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا كثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان الله، أولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليل حتى أصبحت، لا يرق لي دمع، ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. قالت: ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه. فقال أسامة: «أهلك، ولا نعلم إلا خيرا» -يعني ابقيهم، ولا نعرف عنهم إلا خيرا-. قال: وأما علي، فقال: «يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير. وسل الجارية تصدقك» -يعني اسأل عائشة رضي الله عنها، فهي تعطيك الصدق-. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: «أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟» قالت له بريرة: «والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها امرأة قط أغمصه». غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله -يعني أنها بريئة غاية البراءة، لا تعرف شيئًا عن السوء والشر، حتى أنها قد تنعس عن العجين، فتأتي الداجن -أي الدجاج- فيأكل ذلك العجين-. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر. وهذا يؤيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك قط في أهله، لكن آذاه كلام من تكلم. قال: «يا معشر المسلمين، من يعدرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرا». قال: ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا -يعني صفوان رضي الله عنه وأرضاه-. قال: «وما يدخل على أهلي إلا معي» -يعني ليس هناك شيء يريب-. فكيف يأتي إنسان فيرمي بمثل هذه التهمة؟ قالت: فقام سعد بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل، فقال: «أنا يا رسول الله أعذرك». فإن كان من الأوس، ضربت عنقه. وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا، ففعلنا أمرك. قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت جحش من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج. قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية. قالت: فقال لسعد: «كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله». ولو كان من رهطك، ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: «كذبت، لعمر الله لنقتلنه، إنه منافق، يجادل عن المنافقين». قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر. قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم، حتى سكتوا وسكت. قالت: فبكيت يومي ذلك كله، لا يرق لي دمع، ولا أكتحل بنوم. وهذا فيه مع مجاه بعض الروايات الأخرى، ما قد يبتلى به المجتمع، مهما كان فيه من الخير، مما يكون فيه معنى الفتنة. فترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر، ونهاهم عن أن تكون بينهم فتنة. طيب نقف لأن الحديث طويل، وقد تجاوزنا الوقت، فإن شاء الله نترك الباقي لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.