كتاب الجهاد 13

كتاب الجهاد 13

الدرس في كتاب الجهاد 13، 26-باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم . 27-باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

غضب الله على قتل الأنبياء

يتناول شرح حديث أبي هريرة حول غضب الله على من قتل نبيًا، ويبين شدة غضب الله على هذا الفعل. يشرح أيضًا مناسبة هذا الباب في سياق الجهاد وأحكامه.

أثر قتل النبي على غضب الله

يشرح حديثا نبويا يتعلق بغضب الله على من يقتل النبي، ويبين أن هذا الفعل من علامات حرمان الشخص. يثبت صفة الغضب لله عز وجل ويبرز أهمية صبر النبي.

ابتلاء النبي والمؤمنين

يذكر أذى المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وصبره، ثم ابتلاء المسلمين من قبل المشركين. يؤكد أن ذلك من سنة الله ولا يجب أن يزعزع إيمان أهل الحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه»، يشير إلى رباعيته. «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لمسائل وأحكام الجهاد، ومناسبته في هذا الباب كما يظهر، هذا الحكم أولًا: أن من أشد الناس يغضب الله عز وجل عليه من قتله نبي أو من آذى نبيًا. وقد جاء معنا هذا في حديث أصرح فيما رواه الإمام الطبراني والإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أشد أهل النار عذابًا يوم القيامة من قتل نبيًا أو قتله نبي وإمام جائر»، وفي رواية الإمام أحمد: «وإمام ضلالة وممثل من الممثلين»، وفي رواية: «ومصور يصور التماثيل»، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في المجلد الأول، وهكذا في مواضع من كتبه. ففي هذا الحديث معنى هذا التبويب، وما جاء بحديث أبي هريرة هنا في الصحيحين يدل على هذا المعنى. وقد أورد المؤلف رحمه الله هذا التبويب على ما بويب به على صحيح مسلم، على قاعدته، والحديث هو لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا إسحاق بن نصر قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام أنه سمع أبا هريرة فذكر الحديث بلفظه. ففي الحديث مسائل من أهمها هاتين المسألتين: أولهما أن هذين الأمرين من أشد ما يغضب الله عز وجل عليه على صاحبه، وأن ذلك مما يوجب أشد العذاب في النار يوم القيامة، وهو أن يؤذى نبي فيقتل أو يقتله النبي. فمن قتل نبيًا أو قتله النبي فهو من أشد الناس عذابًا، ومن أشد من يغضب الله عليه. أما من قتل نبيًا فلا إشكال؛ لأنه فعل ما هو عظيم. وأما من قتله النبي فكذلك، من تأمله لا يجد الإشكال. وتوضيحه: أنه كان حريصًا على قتل النبي، فقتله النبي، وهذا من علامات حرمانه، كونه يقتل على يد نبي، وكل الأمرين قد وقع معناهما للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد أراد المشركون أن يقتلوه عليه الصلاة والسلام مرات، ومن ذلك ما وقع يوم أحد حتى ظنوا أنهم قتلوه. ولهذا قال: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه»، ويشير إلى رباعيته، يعني ما أصيب به يوم أحد عليه الصلاة والسلام، فدل على أن هذا الفعل مما يكون به اشتداد غضب الله عز وجل. والحديث يتضمن كذلك إثبات صفة الغضب لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وأهل السنة والجماعة يدورون مع الكتاب والسنة، فيثبتون لله ما أثبت لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته من الأسماء الحسنى والصفات العليا، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وإثبات الأسماء والصفات إثبات وجود، لا يتعرضون لها بتكييف ولا تمثيل، كما لا يتعرضون لها بتحريف ولا تعطيل. ويرون أن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، فكما أننا نثبت لله ذاتًا لا كالذوات، فنثبت له سبحان صفات لا كالصفات. وهكذا كذلك في هذا الحديث، ما تقدم من أن ممن يغضب الله عليه من يقتله النبي، وهنا قال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله»، يعني من قتلهم من المشركين، فهم من أشد الناس جرما، يشتد غضب الله. وفي قوله: «اشتد» فيه دليل على أن هذه الصفة تتفاوت، فنثبتها على هذا المعنى لله عز وجل. فالله يغضب، والله جل وعلا يشتد غضبه، ونثبت ذلك إثبات وجود من دون تعرض لكيف، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وهو سبحانه وتعالى كذلك عظيم، لا ينافي ذلك واسع قدرته، ولا عظيم قدره جل وعلا. فنحن نثبت ذلك كما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث من المسائل كذلك صبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن بلائه في ذات الله. وفي هذا تسلية خصوصًا في مثل هذا الكتاب للمجاهدين والمقاتلين في سبيل الله، أن يكون لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أصيب، فمن دونه من باب أولى. ويكون في مصابه تسلية لمن دونه عليه الصلاة والسلام، كما أن في ذلك كذلك تثبيت أن لا يكون ذلك علامة خذلان أو نقص أو تخلية، فإنه قد وقع مثل هذا للنبي عليه الصلاة والسلام، فوقوع مثل ذلك لمن دونه لا يعني ذلك خذلانًا ولا تخلية، بل هو بمثابة الابتلاء والامتحان الذي قد يصاب به أهل الحق، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، ولنا في رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. قال رحمه الله تعالى: باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين. قال: حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد. فانبعث أشقاء القوم، فجاء به، فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعه على ظهره بين كتفيه. وأنا أنظر، لا أغير شيئًا، لو كان لي منعه -يعني ابن مسعود- فهو كان ضعيفًا لا يستطيع أن يغير شيء، خاف على نفسه. قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض -يعني يشيرون وهم يتماوتون من الضحك استهزاءً وسخرية-. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه عليه الصلاة والسلام. قال: حتى جاءته فاطمة، فطرحت عن ظهره، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاث مرات، فشق عليهم إذ دعا عليهم. قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، بل كانوا يرون أنه عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة. فلما أصيبوا بالقحط، جاءوا إليه عليه الصلاة والسلام يطلبون منه الدعاء. قال: ثم سمى: «اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط»، وعد السابع فلم يحفظ. قال: «فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب، قليب بدر». قال: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصل قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهذا الحديث، وفيه كذلك ما تقدم مما يناسب هذا الكتاب -كتاب الجهاد- فقوله: باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، فهذا منه، فقد لقي الكثير، وصبر عليه الصلاة والسلام. وحديث ابن مسعود الذي ذكره، وخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبدان قال: حدثنا قال: أخبرني أبي عن شعبة عن أبي إسحاق عن عمر بن ميمون عن عبد الله -يعني ابن مسعود- فذكر الحديث، وذكر إسنادًا آخر، ثم أخرجه بالإسناد الآخر بهذا اللفظ. وفي الحديث مسائل من أهم هذه المسائل: فيها ما تقدم مما ذكر في الحديث الذي قبله، ومن ذلك صبره عليه الصلاة والسلام، حسن بلائه في نصرة هذا الدين، ولنا في ذلك أسوة، وللمجاهدين والمقاتلين في سبيل الله أسوة، ألا يكترثوا إذا ابتلوا، فقد ابتلي من هو خير منهم، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفيه من المسائل كذلك سوى ما تقدم ذكره في الحديث الذي قبله: فيه أذية المشركين للمسلمين والمؤمنين، وأن ذلك من سنة الله الابتلاء بهم، ولا ينبغي أن يكون ذلك مشككًا لصاحب الحق في الحق الذي هو عليه، فإن من سنة الله الابتلاء بأهل الباطل، فقد تكون لهم الصولة والجولة فترة من الزمن، ولكن أهل الحق يرون بعين اليقين، وفي قلوبهم من اليقين ما يجعلهم يعلمون بحسن العاقبة التي تنتظرهم في الدنيا، وكذلك في الآخرة. وذكر مسائل أخرى إلى أن قال: إلى هنا والله تعالى أعلم.