الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 23، الدرس الثالث والعشرون : من : ( الواجب على المسلم في تفسير القرآن ... أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على المسلم أن يتحمل المسؤولية عند تفسير القرآن ويتجنب القول على الله بلا علم. هذا الأمر له عواقب خطيرة ويعتبر من أشد المحرمات.
توجد ضوابط مهمة لتفسير القرآن تشمل مطابقة اللفظ والمعنى ومراعاة سبب النزول وتحقيق اللفظ وفق القواعد العربية. هذه الضوابط تحقق الفهم الصحيح للقرآن.
من المباحث الهامة في التفسير الانتباه للناسخ والمنسوخ ومعرفة تراكيب الكلام العربي وأسراره البلاغية. هذه الجوانب تعزز فهم القرآن بشكل دقيق.
هناك فتاوى تسمح بإدخال الشريط المسجل في بعض المواضع إذا كان في جيب الشخص وكان من الصعب وضعه في مكان آخر. هذه الفتاوى تهدف إلى التيسير على المسلمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى: قال الواجب على المسلم في تفسير القرآن، قال الواجب على المسلم في تفسير القرآن: أن يشعر نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله تعالى، شاهد عليه بما أراد من كلامه، فيكون معظما لهذه الشهادة، خائفا من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله، فيخزى بذلك يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الفصل في مقدمة كلامه على مبحث التفسير، فقال: «الواجب على المسلم في تفسير القرآن» يعني ماذا يجب عليه؟ وأشار رحمه الله تعالى إلى أن أعظم واجب على المسلم في تفسير القرآن: أن يشعر نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله، أي يتكلم عن الله سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، فهي أمانة عظيمة، أمانة عظيمة أن تتكلم بشيء عن الله، ثم لا يكون كذلك. وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إن أنا تكلمت أو قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم؟» وهذا الأثر وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح. فكانوا يتهيبون أن يتكلموا في كتاب الله عز وجل بشيء ليس لهم فيه علم أو أثر، فضلا عن أن يقولوا شيئا يخالف ما علموه من لفظ كلام الله أو معناه. فإن ذلك أبعد وأبعد أن يقع فيه المسلم. وروي عن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «لم يكن أحد أهيب بأن يتكلم بما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد أهيب أن يتكلم بما لا يعلم بعد أبي بكر من عمر». ولهذا كانوا يأمرون أن يتكلم الإنسان بما علم من الوحي، يحاول قدر المستطاع أن يقلل من الرأي. ولهذا ذكر العلماء أن من معاني الواجب الذي يجب على المسلم في تفسير القرآن، والذي هو من مقتضى عدم التقول على الله بما لا يعلم، فإن ذلك من أعظم الذنوب، كما في الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ذكر ابن القيم رحمه الله أن هذه الآية فيها تدريج المحرمات: الأخف ثم الأشد حتى انتهى إلى أشد المحرمات، وهو القول على الله بغير علم. فإن ذلك من أشد المحرمات، فما من محرم من المحرمات إلا ويدخل في هذا الذنب العظيم. فجميع الفواحش هي من القول على الله بغير علم، وهكذا كذلك الشرك بأنواعه والكفر والنفاق وغير ذلك من القول على الله بغير علم. فالقول على الله بغير علم سبب الداء العضال الذي أورث الخروج عن الصراط المستقيم. وهكذا كذلك الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، فيه وعيد شديد للذين كذبوا على الله، كذبوا على الله بقولهم أو بفعلهم. بقولهم بأن نسبوا شيئا لدين الله وليس هو من دين الله، وكذبوا على الله بفعلهم إذ لم يستجيبوا لأمر الله، وزعموا تكذيبا منهم إما للرسل أو الكتب، أو كذلك أن ما هم عليه كان لهم حجة بفعل آبائهم وأجدادهم، كذب على الله. كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، وكما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإذا ثبت ذلك، فينبغي أن يعلم أن مما يدخل في هذا المعنى مباحث، المباحث الأول: وأشار إلى بعض ذلك ابن القيم رحمه الله بكتابه العظيم «إعلام الموقعين عن رب العالمين». فمن ذلك: مطابقة اللفظ ما استطاع إلى ذلك سبيلا. أن الإنسان يحرص في تفسير القرآن أن يوافق اللفظ ويوافق المعنى، فلا يخرج عن مقتضى ذلك اللفظ والمعنى، فلا ينقص منه بما يخل بالمعنى أو اللفظ، ولا يزيد فيه بما لا يليق بذلك اللفظ والمعنى فيخرج عن الغرض. فمثلا لا يعمم في موضع الخصوص، كما لا يجوز له أن يخصص في موضع العموم، ولا يطلق في موضع التقييد، كما لا يجوز له أن يقيد في موضع الإطلاق، وهكذا. ومن هذه المباحث كذلك: مراعاة سبب النزول، فإن مراعاة سبب النزول له أثر عظيم في فهم لفظ القرآن ومعناه وتفسيره التفسير الصحيح. ومر معنا قريبا حديث في هذا المعنى. نعم، يوافق هذا الذي نتكلم عليه الآن. «إن الصفا والمروة من شعائر الله»، فهم عروة رحمه الله تعالى أن الآية تدل على الإباحة، من شاء سعى بين الصفا والمروة ومن شاء لم يسعى، لأن الله يقول: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. فبينت له عائشة رضي الله عنها كما مر معنا، وجاء في الصحيح أن هذا خطأ، وأن سبب نزول الآية يدل على أن المراد ليس ذلك، وإنما المراد رفع الجناح فيما ظنوا أن هذا من فعل أهل الجاهلية، لأنهم كانوا يأتون إلى الصفا والمروة في أيام الجاهلية وفيها أصنام، فتحرجوا. فبين ربنا جل وعلا أنه لا حرج في ذلك، وأن هذا مما يحبه الله وشرعه الله وأمر به. وهكذا ذكرت سببا آخر. وهو كذلك من المباحث التي ينتبه لها المتكلم في التفسير: وهو تحقيق اللفظ والنظر إلى تركيبه من جهة القواعد العربية. فمثلا هذا الأثر: عروة رحمه الله، ضن أن معنى الآية الإباحة، فبينت له عائشة رضي الله عنها أنه أخطأ من وجهين. الوجه الأول: أن سبب النزول يبين أن الآية ليست للإباحة، والوجه الثاني: أن الآية فيها إثبات وليس فيها نفي، وأن سياق الكلام باللغة العربية الصحيحة وتركيبه المستقيم يقتضي لو كان المعنى المراد الإباحة نفي الفعل بعد الإباحة. ولهذا قالت له: «بئس ما قلت يا ابن أختي، أما إنه لو كان كما قلت لقال الله: لا جناح عليه ألا يطوف». انظر لو كان المعنى كما فهمه عروة، لكان سياق الآية: «لا جناح عليه ألا يطوف»، لكن الآية ماذا فيها؟ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، إثبات ليس نفي. فبينت رضي الله عنها: أن الإثبات في هذا الموضع يدل على أن لا جناح ليس للإباحة، ولكنه لرفع الحرج، وهذا الفعل مما شرعه الله وأمر به. ومن هذه المباحث كذلك: مراعاة الناسخ والمنسوخ، فإن المفسر لابد أن يكون عنده معرفة بالناسخ والمنسوخ حتى لا يثبت حكم قد نسخ، أو كذلك ينفي حكم قد أثبت. وتعرفون أن مما يذكر في علم الأصول: أن النسخ يقع بالقرآن ويقع بالسنة، فرب آية منسوخة بالسنة، ورب كذلك سنة منسوخة بالقرآن، وهذا كثير، يعني وقوع النسخ في القرآن عموما، فالقرآن فيه ناسخ ومنسوخ. وينبغي للناظر والمتكلم في التفسير أن ينتبه لهذا، ولهذا صح عن عدد من الصحابة والتابعين التحذير من الكلام في التفسير من دون علم بالناسخ والمنسوخ. ومن هذه المباحث التي ينتبه لها كذلك: الانتباه لتراكيب الكلام العربي، وكذلك معرفة أسراره البلاغية، فإن ذلك مما يكون به تفسير القرآن على الوجه الصحيح. فتعرفون أن العلماء يذكرون مباحث في مسألة معرفة المعنى، تقتبس هذه المباحث والمعاني من مباحث لغوية، إما من جهة تركيب الكلام كإفادة الحصر بتقديم ما حقه التأخير، وكذلك معرفة معنى العموم والخصوص من بعض الألفاظ والتراكيب. فإن العموم والخصوص يستفاد من بعض الألفاظ، ويستفاد من بعض التراكيب، فمثلا من ألفاظ العموم الأسماء الموصولة، وهكذا كذلك من بعض التراكيب مثل تقديم ما حقه التأخير، كقولي: «إياك نعبد وإياك نستعين»، المقام يقتضي تأخير ماذا؟ «إياك»، لكن لما قدم أفاد ذلك الحصر، وهكذا كذلك مباحث أخرى بهذا المعنى. وهكذا مباحث بلاغية، معرفتها تؤثر في معرفة التفسير على الوجه الصحيح الموافق والمطابق لذلك اللفظ والمعنى. فمثلا تضمين الفعل معنى فعل آخر، فهذا من المباحث البلاغية التي تستفاد من معاني الحروف، كما أفاد ذلك ابن القيم رحمه الله، ونقله عن سيبويه إمام أهل اللغة، وعن غيره من أئمة اللغة. وهكذا كذلك مسائل أخرى بلاغية، يكتشف بها أسرار معاني القرآن وألفاظه. وهكذا كذلك من هذه المباحث: الانتباه لمعرفة الغريب، غريب ألفاظ القرآن التي تحتاج إلى معرفة معناها بدقة، فإن المفسرين قد يختلفوا في تفسير بعض الكلمات، إما لأن ذلك يطلق عند العرب على أكثر من معنى، لكن كما يقولون: السياق والسباق يبينان المعنى. فمثلا «العين» عند العرب تطلق على العين المبصرة، وتطلق على العين الجارية أي الماء، وتطلق كذلك على الذهب، وتطلق هذه اللفظة كذلك على الجاسوس، فما الذي يميز ما هو المعنى المراد من أحد هذه المعاني وغيرها مما ذكر؟ سياق الكلام. فلذلك ينبغي أن ينتبه الناظر في معرفة دقيق ما قد ذكره أهل العربية في معرفة غريب هذه الألفاظ. وأعظم من هذا إذا كان اللغب مما هو قليل الاستعمال، مثل «وفاكهة وأبى» كما مر معنا. فإن مثل هذا ربما فسره بعض الصحابة أو التابعين ببعض المعنى، ولا يعني ذلك تخصيص ذاك اللغب، فإن ذلك من التفسير ببعض المعنى. وهكذا من هذه المباحث: الاعتناء بالقواعد الأصولية، فإن الاعتناء بالقواعد الأصولية من الأمور التي يحصل بها موافقة اللفظ والمعنى، فالاعتناء به في الحقيقة أو بها له أثر عظيم في موافقة المعنى واللفظ الشرعي المراد. ومن هذه المباحث كذلك: عدم الجزم في مواضع يقع فيها الاحتمال، تعرفون أن بعض المواضع قد تفسر الآية ببعض المعنى أو يختلف أهل التفسير فيها، إما لأنه قد ورد فيها أكثر من سبب فيكون المعنى ذاك وذاك، وإما أن يكون كذلك اللفظ بعمومه يدل على أكثر من المعنى. فينبغي للمفسر أن يعرف ذلك، ومن هذا ننتقل إلى مبحث آخر: وهو ضرورة معرفة المفسر بأهم أقوال المفسرين في الآية حتى لا يخرج عن قولهم، فإن الإنسان ينبغي أن لا يقول قولا إلا وله فيه إمام. وأخيرا أن يعتني المفسر ما استطاع إلى ذلك سبيلا أن لا يتكلم إلا بأثر، إما عن الصحابة أو التابعين أو أحد الأئمة، فإن لم يكن فبما اتفق عليه من قواعد العربية ومعانيها، لا يخرج عن ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلا. هذا خلاصة ما يذكر في هذا المبحث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز دخول الحمام بالجوال الذي فيه القرآن، تزييلا صوتا أو كتابة؟ الأولى ألا تفعل ذلك، وهو الأحوط، عملا بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، إلا إن خفت عليه أو كان بذلك مشقة أو نسيت، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وقد أفتى بعض مشايخ أهل السنة المعاصرين بجواز إدخال الشريط المسجل للحاجة، يعني إذا كان في جيب أحدنا، وكانت حاجة لدخوله ويشق عليه أن يضعه في موضع آخر، فلا حرج في ذلك، والله تعالى أعلم.