الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 39، الدرس التاسع والثلاثون : من :(موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه ... وظن ما لا يليق بالرسول). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع شرحًا لموقف الراسخين في العلم والزائغين من الآيات المتشابهة في القرآن. الراسخون يؤمنون بأن القرآن حق ولا تناقض فيه، فيردون المتشابه إلى المحكم.
يشرح الشيخ الرد على الفهم الخاطئ حول صفات الله تعالى، مستخدمًا أدلة عقليه ونقليه. يبين أن لله صفات حقيقية تليق بجلاله وعظمته، ويوضح الفرق بين إضافة الأفعال إلى الله والعبد.
يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تنفي وجود ولد لله تعالى، ويشرح معانيها ويبين أن بعض التعبيرات تحمل معاني الإلزام وليس الإثبات.
النصوص الدينية لا تحتوي على نقص، وإنما النقص يكون في فهم الإنسان لها. تفسير النصوص يأتي من خلال بعضها البعض، والله تعالى هو الأعلم بحقيقة الأمور.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى: قال: موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه. قال: إن موقف الراسخين في العلم من المتشابه، وموقف الزائغين منه، بينه الله تعالى، فقال في الزائغين: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، وقال في الراسخين في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قال: فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله، وفتنة الناس عنه، وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به، فيضلون ويضلون. وهذا كما مر معنا أن معنى المتشابه له موارد، ومن هذه الموارد أن المتشابه ما كان ليس فيه معنى واحد ظاهر. ولأجل هذا يستغله أهل الأهواء وأهل الباطل وأهل الزيغ، فيتتبعون المتشابه ليصلوا به إلى باطلهم. كما مر معنا، ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- أنه إذا رأينا أمثال هؤلاء فلنحذرهم، وذلك أنهم لا يستدلون دائمًا وغالبًا إلا بغير الواضح الظاهر. وهذه من طريقة أهل الأهواء أنهم يستدلون بالمواضع المشتبهة، لا تجدهم يستدلون بالصحيح الصريح، ولكن يستدلون بالعام أو المجمل أو كذلك المشتبه بهذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: وأما الراسخون في العلم، فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق، وليس فيه اختلاف ولا تناقض، لأنه من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. وما جاء مشتبهًا ردوه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا. فما كان ظاهره -مثلًا- التحليل، وفي موضع آخر التحريم، فإنهم ينظرون إلى هذه الأدلة، فلا يضربون بعضها ببعض، ولكن ينظرون إلى ما ورد من أسباب النزول وتاريخ النزول، فيعلمون أن هذا ناسخ وهذا منسوخ، فيجمعون بين الأدلة، ولا يكون عندهم المقصد السيء الذي عند أهل الزيغ بتتبع المتشابه فيضلون ويضلون. وهكذا كذلك ما كان من لفظ مجمل لم يتضح تمام الوضوح، ووجد لفظ واضح ظاهر مبين، فإنهم ينظرون إلى المبين الواضح الظاهر فيفسرون به ذاك المجمل. والنصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، سواء كان ذلك في العقائد أو كان ذلك في العبادات أو كان ذلك في المعاملات أو كان في الأخلاق والسلوك والمنهاج في أي باب من الأبواب. فإن أهل الحق يردون المتشابه إلى المحكم. قال رحمه الله تعالى: ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين، كما أن له ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. مثل ما مر معنا قريبًا الشيخ رحمه الله تعالى بمثالين، المثال الأول في قول الله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فإنه قد يتوهم الواهم -والوهم كما قلنا هو الجانب المرجوح من العلم- أي الفهم الخاطئ في العلم أن لله يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين أخذًا بظاهر النص. وهذا ليس بصحيح، لأن هذا الظاهر الذي ادعاه في الحقيقة فسر بنصوص أخرى، بل فسر بأصول من الكتاب والسنة، وهكذا كذلك بدليل العقل. ولهذا أجاب الشيخ عن هذا الفهم الخاطئ بهذين الجوابين: الجواب العقلي والجواب النقلي. فأما الجواب العقلي بقوله: إن لله يدين حقيقيتين على ما يليق بجلاله وعظمته، لا تماثلان أيدي المخلوقين. هذا الجواب استدل بدليل عقلي، قال: كما أن له ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين. إذن هذا يقتضي القياس الأولوي الصحيح والمندرج تحت ما هو فوقه: أن له كذلك الصفات لا كالصفات المخلوقين. فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. إذا كنت تقر -يا أيها الممثل- إذا كنت تقر بأن لله ذاتًا لا كالذوات، فيجب عليك أن تقر بأن لله صفات لا كالصفات. إذا كان لله ذاتًا تليق بجلال الله وعظمته، فلله صفات تليق بجلال الله وعظمته. وهكذا يقال للمعطل: لا تذهب إلى التعطيل، لماذا فررت إلى التعطيل وزعمت أن اليد معناها الرحمة أو الفضل أو غير ذلك مما ذهبت إليه؟ إن كنت فررت إلى هذا التعطيل فرارًا من التمثيل، فاعلم أنه كما يثبت لله ذاتًا وأنت تثبت لله ذاتًا لا كذوات المخلوقين، فكذلك أثبت لله صفات لا كصفات المخلوقين، بل على ما يليق بجلال الله وعظمته. وهذا دليل بالمعقول وهو صحيح، لا يجحده إلا مكابر. وهكذا كذلك الدليل السمعي بالمنقول، وهو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وليس هذا فحسب، بل أدلة هذا كثيرة من الكتاب ومن السنة. قال الله جل وعلا: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وهكذا كذلك أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة. قال: ويقولون في المثال الثاني -أي أهل الحق-: إن الحسنة والسيئة كلتاهما بتقدير الله عز وجل، لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى على عباده، أما السيئة فسببها فعل العبد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه، لا من إضافته إلى مقدره. أما إضافة الحسنة والسيئة إلى الله فمن باب إضافة الشيء إلى مقدره. وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين. وانفكاك الجهة: أن الإضافة الأولى -إضافة كما ذكر رحمه الله تعالى السيئة إلى العبد- من إضافة الشيء لسببه. إن قيل: ما سبب السيئة؟ الجواب: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. وإن قيل: من قدر السيئة؟ الجواب: قدرها الذي هو على كل شيء قدير، والذي بيده تدبير ما في السماء والأرض، وهو الله دبر الخير والشر والحسن والسيئة. فإذن لا معارضة بين هذه الإضافة وهذه الإضافة: الإضافة الأولى إضافة الشيء إلى سببه، والإضافة الثانية إضافة الشيء إلى مقدره ومدبره. قال: ويقولون في المثال الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شك فيما أنزل إليه، بل هو أعلم الناس به وأقواهم يقينًا، كما قال الله تعالى في نفس السورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: المعنى: إن كنتم في شك منه، فأنا على يقين منه، ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، بل أكفر بهم وأعبد الله. قال: ﴿وَلَا يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ أن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويقال كذلك: قيل إن «إن» نافية. ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ أي هنا ماذا يكون المعنى؟ نفي. ﴿فَإِنْ كُنْتُ﴾ أي ما أكون. وهذا تفسير آخر قد يكون، لكن التفسير الأول الذي رجحه الشيخ، وهذا الذي ذكر من قبل هو أحد التفاسير الصحيحة لهذا المعنى. قال: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليه، أي أن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو واقعًا منه؟ ألا ترى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. المعنى: قل ما إن كان -أي ما يكون-. قل إن كان يعني ما يكون على معنى أن «إن» هنا بمعنى النفي. أو أنه على ظاهره، ويلزم منه ما سمعنا من أن المقصود ليس هو إثبات الشك، كما أن المقصود ليس هو إثبات الولد، ولكنه على وجه الإلزام. قال: ألا ترى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؟ قال: هل يلزم منه أن يكون الولد جائزًا على الله تعالى أو حاصلًا؟ كلا. أي الجواب كلا، ما يلزم. قال: فهذا لم يكن حاصلًا ولا جائزًا على الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. إذن ما معنى الآية؟ معنى الآية على وجه التنزل والتقدير: يعني لو قدر أن هناك ولدًا لكنت أنا أول العابدين. والحقيقة أنه لا ولد، لا وجود لهذا الولد، ولكن هو من باب الإلزام، فيكون بذلك أشد على المخالفين. وهكذا كذلك فإن هذا من باب الإلزام. قال: ولا يلزم من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أن يكون الارتياب واقعًا من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن النهي عن الشيء قد وجه إلى من لم يقع منهم. ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ومن المعلوم أنهم لم يصدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن آيات الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شرك. والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه التنديد بمن وقع منهم، يعني المقصود منه هو اشتداد النكير على من وقع منه ذلك. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو رسول الله الذي عصمه الله من الشرك- وهو من جاهد في الله حق جهاده ونصر التوحيد بكل ما يملك من قوة وبذل في ذلك نفسه وماله وأهله، مع ذلك يحذره ربنا جل وعلا من الشرك، فإن من دونه من باب أولى أن يحذر. وهكذا يخاف على نفسه من خطر الشرك. قال رحمه الله تعالى: وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شرك، والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه التنديد بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم، يعني المقصود هو التنديد بمن وقع منهم هذا الذي نهي عنه. قال: وبهذا يزول الاشتباه وظن ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا ظاهر، والقرآن يفسر بعضه بعضًا. فالله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام مثبت وهو ثابت عليه الصلاة والسلام، ثابت في نفسه، وثبته الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في كل نص يظن الظان أنه يستوجب شيء من النقص، فالحقيقة ليس به نقص، ولكن النقص في فهمه. والنصوص يفسر بعضها بعضًا، يفسر بعضها بعضًا. والله تعالى أعلم.