الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 18، الدرس الثامن عشر : من : ( المرحلة الثانية في عهد أبي بكر رضي الله عنه ... في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
جمع القرآن في عهد أبي بكر بسبب مقتل حفاظه في اليمامة، حيث أمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمعه. كان الهدف حفظ القرآن من الضياع.
في عهد عثمان، جمع المصحف في كتاب واحد لتوحيد القراءة وتجنب الفتنة، حيث نزل القرآن على سبعة أحرف. قام عثمان بجمع المصحف بالرسم العثماني.
نزل القرآن على سبعة أحرف وليست هي القراءات السبع، وقد أمر عثمان بإحراق الصحف المتفرقة لتفادي الخلاف بعد استشارة الصحابة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: المرحلة الثانية، قال: في عهد أبي بكر رضي الله عنه في السنة الثانية عشرة من الهجرة، وسببه أنه قتل في وقعة اليمامة عدد كبير من القراء، منهم سالم مولى أبي حدرد أحد من أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأخذ القرآن منهم. وقد مر معنا فيما سبق ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر وحديث أنس من أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأخذ القرآن منهم، ومنهم سالم مولى أبي حدرد. وقوله: في عهد أبي بكر، يعني جمع القرآن، وهذا الجمع يسمى الجمع الثاني؛ لأن الجمع الأول كما سمعنا وسبق معنا الذي كان بزمن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأمر أبو بكر رضي الله عنه بجمعه؛ لئلا يضيع القرآن؛ لأن الحفاظ قتلوا في وقعة اليمامة، قتل عدد كبير من القراء، وهم حفاظ القرآن وعلماء الصحابة، وهم بمثابة العلماء وكبار طلبة العلم الحفاظ. قال: ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب أشار على أبي بكر رضي الله عنه، وهو من حديث زيد بن ثابت، رواه عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت، وذكر القصة بطولها. قال: أشار على أبي بكر رضي الله عنهما بجمع القرآن بعد وقعة اليمامة، فتوقف أبو بكر، فلم يزل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فأرسل إلى زيد بن ثابت فأتاه وعنده عمر، فقال له أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. أمره أن يتتبع القرآن ويجمعه، وذلك لأمرين كما ذكر في هذا الحديث: ما فيه من قوة وحزم، وفي العقل: رجل شاب عاقل؛ فإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قوة وأمانة، وزيادة على ذلك الأمر الآخر: وهو أنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من أخبر الناس بهذا الباب وأعرفهم. وفي هذا أهمية إحالة الأمور إلى ذوي الأهلية، إحالة الأمور إلى ذوي الأهلية، والناس متفاوتون في الأهلية، فليس دائما الأكبر سنا والأكثر علما يكون أصلح لكل قضية؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام وكل الناس بحسب معرفتهم، فمن الناس من يصلح للكتابة، ومن الناس من يصلح للترجمة، ومن الناس من يصلح كذلك لقيادة الجيوش ونحو ذلك. الشاهد من هذا أنه لأجل هاتين الخصلتين: الأهلية، وكذلك الخبرة، أمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يقوم بهذا العمل. قال: فتتبع القرآن فاجمعه. قال: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، ومر معنا أنه جريد النخل، واللخاف صفائح الحجارة، وصدور الرجال. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. ومر معنا أنه جمع الجمع الأول في زمن النبي عليه الصلاة والسلام بأن كتب، لكن هذه الكتابة كانت كتابة متفرقة؛ بسبب استمرار نزول الوحي، وهكذا كذلك عدم علمهم بانقطاعه، فترك الناس على تلك الكتابة حتى توفى ربنا جل وعلا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: رواه البخاري مطولا، يعني بأطول من هذا السياق في حديث أربعمائة وستة وثمانين، وليرجع إليه. قال: وقد وافق المسلمون أبا بكر على ذلك، وعدوه من حسناته، يعني من حسنات أبي بكر أنه جمع القرآن، وكان المقصود من هذا الجمع هو حفظ القرآن؛ حتى لا يموت الحفظة ويضيع القرآن بموت الحفظة. قال: حتى قال علي رضي الله عنه: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله. وهذا الأثر رواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف، من رواية الثوري عن السدي إسماعيل بن أبي خالد أو إسماعيل بن عبد الرحمن عن عبد خير عن علي، والسدي صدوق يهم، فهو بالشواهد وبعضها للعلم يحسن حديثه، فهو أثر مقبول التحسين، وله شواهد تؤكده وتؤيده. فهذه هي المرحلة الثانية لجمع المصحف وجمع القرآن، أن جمع في موضع واحد عند أبي بكر رضي الله عنه، ثم انتقل بعد خلافة أبي بكر إلى عمر، ثم بقي عند حفصة أم المؤمنين بنت عمر رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى: المرحلة الثالثة، في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ففي السنة الخامسة والعشرين، وسبب ذلك اختلاف الناس في القراءة بحسب اختلاف الصحف التي في أيدي الصحابة؛ لأن المصحف الذي جمع الذي بقي عند أبي بكر بقي نسخة كتبت، ولكن لم ينتزع ما مع الناس من صحائف، فهذا عنده سورة البقرة، وهذا النساء، وهذا القرآن مفرقا، وهذا بعض الآيات، وهكذا. قال: بحسب اختلاف الصحف التي في أيدي الصحابة رضي الله عنهم، فخيف الفتنة، فأمر عثمان رضي الله عنه أن تجمع هذه الصحف في مصحف واحد؛ لئلا يختلف الناس ويتنازعوا بكتاب الله تعالى ويتفرقوا. وسيأتي سبب هذا الاختلاف، ليس هذا الاختلاف لأنهم كتبوه خطأ أو قرؤوه خطأ، لا، ولكن لأنه كان قد كتب على أحرف، كل تلك الأحرف نزل بها القرآن كما سيأتي. قال: ففي صحيح البخاري، وهو من حديث أنس، بعد الحديث الذي مر قبل قليل، وقد ذكره البخاري رحمه الله في باب جمع القرآن. قال: ففي صحيح البخاري أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان من فتح أرمينيا وأذربيجان، وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، يعني أنهم اختلفوا، فأورث ذلك تنازعا. وقد وقع مثله في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف، ومعنى سبعة أحرف: أي سبع لهجات من لهجات العرب، وليس كل آية وكل حرف وكل كلمة نزلت على سبعة أحرف أو سبع لهجات، لا، ولكن المراد أن القرآن فيه سبعة أحرف، فيه سبع لهجات، فقد تتوافق الآية الواحدة على القراءات السبع أو الأوجه السبع، وقد تختلف بعض المواضع. الشاهد أن القرآن نزل على سبعة أحرف، أي على سبع لهجات من لهجات العرب المعروفة، تيسيرا ورحمة من الله جل وعلا. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب إنزال القرآن على سبعة أحرف، ثم ذكر حديث عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى كدت أساوره في الصلاة، يعني كاد أن يفعل به ما يمنعه من استمرار في قراءته في الصلاة. قال: فتصبرت، يعني صبرت نفسي. قال: حتى سلم، فلببته بردائه، يعني أخذته من ردائه من عنقه من لبته. قال: فقلت: من أقرأك هذه السورة الذي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت. قال: فانطلقت به أقوده، وهذا من غيرته رضي الله عنه، ظن أنه أخطأ في هذه السورة. قال: فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذلك أنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر، قال: فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه. وهذا روى البخاري بالصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف. ومعنى أن القرآن نزل في أول الأمر على لهجة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على سبع لهجات، ما زال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستزيده، يعني يطلب منه الزيادة حتى انتهى إلى سبعة أحرف، يعني سبع لهجات. وليست هذه اللهجات هي القراءات السبع، لا، فالقراءات السبع جمعت بعض هذه اللهجات. وقد أخطأ ونبه كثير من المحققين خطأ من ظن أن هذه الأوجه السبع التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف»، أخطأ من ظن أنها قراءات السبع، ولكن الصحيح أنها السبع لهجات من لهجات العرب. فمثلا من لهجات العرب الإمالة في بعض المواضع، كإمالة مثلا الألف المقصورة، فتقرأ «والضحى» بالتحقيق، وتقرأ «والضحى» بالإمالة، فهذه لهجة من لهجات العرب، وهي لهجة من سبع لهجات، ولا يلزم أن تكون هذه الكلمة فيها ماذا؟ فيها سبع لهجات، لا، لكن فيها هاتين اللهجتين أو ثلاث لهجات، وهكذا. وكذلك بعض الكلمات تجتمع الأحرف السبعة عليها، وإنما في بعض ما يختلف بحسب اللهجات، تسهيلا للناس في نطق القرآن؛ لأن بعض الناس يصعب عليه تحقيقها، وهكذا. وكذلك الهمزة، الهمزة تحقق في بعض الأحرف وتسهل في بعض الأحرف، فتقول مثلا «أئنا» بالتحقيق، وفي قراءة سبعية وهي أحد الأحرف السبعة «أئنا» بغير تحقيق. وهكذا كذلك «بسم الله مجريها» و«بسم الله مجراها»، فإنها لهجات من لهجات العرب، وهو أحد الأحرف السبعة. ومنها كذلك الإشمام «لا تأمنا» أو «لا تأمنا» بدون إشمام، فهذه كذلك أحد الأحرف السبعة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكانت بعض هذه الأحرف قد قرأ بها بعض الصحابة، وبعضهم قرأ بأحرف أخرى، فلما التقى بعضهم ببعض وعلم بعضهم بعضا، فربما كان الجيل الأول يعرف أن هذا كله عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن يخشى أن يأتي جيل لا يعرف ذلك، فيكذب بعضهم بعضا، فيورث ذلك التناحر والاختلاف. فلأجل هذا قام عثمان رضي الله عنه، كما صح عنه، كما روى ابن جرير في تفسيره، قام خطيبا في الناس بعد أن أدرك ذلك، ووافق ذلك خبر حذيفة فيما رأى في الغزو، قام خطيبا في الناس بأن هذه الأحرف كلها صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه عزم على جمع المصحف في موضع واحد يشمل هذه الأحرف السبعة، يعني يكون في كتابته ما يعطي معنى هذه الأحرف السبعة، وهو المسمى بالرسم العثماني. فإذن جمع عثمان كان جمعا يحصل به التوفيق بين اللفظ وبين القراءة، بين اللفظ وبين القراءة؛ فالكلمة الواحدة ممكن أن يكون بها القراءة على الأوجه السبعة التي نزل بها القرآن كما سمعنا في هذه الأحاديث: حديث عمر، وحديث ابن عباس، وغيرها من الأحاديث الأخرى. قال رحمه الله تعالى: فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسل إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، ففعلت. فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وكان زيد بن ثابت أنصاريا، والثلاثة قرشيين. وقال عثمان للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، يعني رسمه يكون على رسم لسان قريش، وهو الذي نسميه اليوم بالرسم العثماني المصحف بالرسم العثماني، وهو هذا الذي نراه اليوم في المصاحف. قال: فإنما نزل بلسان قريش. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، يعني حتى لا يحصل اختلاف، أرسل إلى المواضع الكبار التي يجتمع فيها الناس، في كل موضع مصحف يكون مرجعا لهم، ونسخ الناس من تلك المصاحف. قال: حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قلنا: إن بعض الناس كانت عندهم صحف صغيرة، هذا عنده السورة والسورتين، وغير ذلك، فقطعا وحسما لمادة الخلاف، أمر عثمان رضي الله عنه بإحراق تلك الصحف والصحائف التي كانت متفرقة مع بعض الصحابة. قال: وقد فعل عثمان رضي الله عنه هذا بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم، وهذا الذي فعله عثمان فعله بعلم الصحابة واستشارتهم، كما سيأتي معنا إن شاء الله في الدرس اللاحق. وقد أطلنا في هذا اليوم، فنكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.