الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 20، الدرس العشرون : فيه (فإن قلت لا سواء لأن هؤلاء قد قالوا ... والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على شبهة عدم تكفير من يقول لا إله إلا الله ويؤدي العبادات، ويبين أن النطق بها لا يكفي دون العمل بمقتضاها. يشرح أن ارتكاب ما يناقضها يعد كفرًا.
يشرح شروط تحقيق الإيمان من خلال لا إله إلا الله والإيمان بالرسل، ويبين أهمية النفي والإثبات في الشهادة والإيمان بالأنبياء جميعًا. يستدل بقصة بني حنيفة وأتباع مسيلمة الكذاب.
يناقش الغلو في الأولياء وعبادتهم من دون الله، ويستدل على ذلك بأشعار وأقوال منحرفة. يبين أن هذا الفعل يعد شركًا وكفرًا، ويستشهد بقصة أصحاب عبد الله بن سبأ.
يروي قصة مقتل أصحاب الأخدود وضرب أعناقهم ثم إلقائهم في حفرة نار بأمر الملك. يشير إلى أن النجاشي الحارثين نظم أبياتًا في ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: قال فإن قلت لا سوى، فهؤلاء قد قالوا لا إله إلا الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». وقال لأسامة بن زيد: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟». وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون، بخلاف المشركين. هذه شبهة يوردها بعض عباد القبور، وهكذا بعض المتعاطفين معهم ممن لا علم له ولا دراية في الأجلة الشرعية، فيقول: أن ما سبق مما ذكره الإمام الصنعاني رحمه الله ليس بالصحيح. يعني قد يقول قائل: لا تقل هذه الأحكام؛ لأن هناك فرق. وهذا قوله: لا سواء، يعني لا مساواة بين فعل عباد القبور وبين فعل المشركين، حتى يكون حكمهم واحد. ووجه الشبهة في ذلك أن عباد القبور يقولون لا إله إلا الله، والمشركون أبوا أن يقولوا لا إله إلا الله. وأن عباد القبور يصومون ويزكون ويصلون، وأن المشركين الذين نزلت فيهم آيات الشرك والكفر لا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون. وسيأتي من جواب المؤلف رحمه الله تعالى أولا: أن لا إله إلا الله لا تكفي حتى يعمل بمقتضاها. فليس المقصود من لا إله إلا الله الكلمة؛ إذ لو كان المقصود الكلمة لقالها المشركون. لكن المشركون علموا أن المقصود من لا إله إلا الله هي الكلمة وما بعدها مما تستلزمه لا إله إلا الله، وإلا لسهلت عليهم من يقول لا إله إلا الله ويبقوا على عبادة الأصنام ويستمروا على ما هم عليه من فساد. لكنهم علموا أن لا إله إلا الله تستلزم بعدها أشياء كثيرة. وهكذا كذلك كونهم يصلون ويزكون ويحجون ويصومون لا يكفي؛ لأنه سيأتي إن شاء الله أنه ثبت الكفر عن قوم يفعلون هذه الأعمال؛ لأن لا إله إلا الله تستلزم القيام بحقها، ومن حقها أن لا يأتي صاحبها بما يكفر به. فمن فعل هذه الأعمال كلها، أتى بأركان الإسلام من شهادة وصلاة وصيام وزكاة وحج، ثم سب الله ورسوله، هل تنجيه لا إله إلا الله؟ وهل ينفعه صلاته وصيامه وصلاة وزكاته وحجه؟ الجواب: لا، بل يكون كافرا مرتدا. يقول الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فلا يكفي أن الإنسان يأتي بأركان الإسلام ثم يأتي بما يناقضها؛ إذ لو أتى بما يناقضها من تفع بهذه الأركان. قال رحمه الله تعالى: قلت: قال صلى الله عليه وسلم: «إلا بحقها»، يعني في هذا الحديث الذي أصله بالصحيحين من حديث ابن عمر، ومعناه من حديث ابن هريرة. قال: وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، من أعظم حقها. ليس كل حق لا إله إلا الله، بل من أعظم حقها إفراد الله بالإلهية والعبودية. فلو أن إنسانا أتى بهذه الأشياء ثم عبد مع الله غيره، ما نفعته هذه الأعمال ولا هذه الأركان؛ لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات. لا إله إلا الله نفي وإثبات: نفي لما سوى الله من إله ومن شريعة ودين، وإثبات وإثبات لله جل وعلا إلها حقا وربا صدقا، وهكذا كذلك بما بعث به من شرع ودين. فمن أتى بالإثبات ولم يأتي بالنفي لم ينتفع، ومن أتى بالنفي ولم يأتي بالإثبات لم ينتفع، حتى يأتي بالنفي والإثبات. فلو أن إنسانا لم يعبد غير الله شيئا ولا اتخذ شريعة ولا دينا، وهو في نفس الوقت لم يعبد الله ولم يؤمن به ولم يدخل بشريعة الإسلام ويستمسك بها، هل هذا مسلم؟ الجواب: لا، هذا كافر. وكذلك العكس: لو أن رجلا آمن بالله وبرسوله وأخذ بشرعه ودينه، ولكنه ما ترك عبادة غير الله ولا ترك شريعة غير شريعة الله، بقي على شرائع الناس من يهودية ونصرانية ووثنية وعبادة كل ما يعبده الناس، هل هذا مسلم؟ الجواب: لا، ليس بمسلم، هذا مشرك. فالأول كافر والثاني مشرك، وكلاهما ليس بمسلم. ولا يكون الرجل مؤمنا مسلما حتى يأتي بالنفي والإثبات في لا إله إلا الله. فإن أتى بالنفي والإثبات في لا إله إلا الله فإنه مؤمن مسلم. ولذلك من حق لا إله إلا الله إفراد الله في الإلهية والعبودية، إفراد الله في الإلهية والعبودية، ومن ذلك إفراد الله في الربوبية وفي الأسماء والصفات، والإيمان برسوله والإيمان بنبيه، وسائر أركان الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. كما أن هناك أركان إيمان ستة، كذلك هناك أركان إسلام خمسة، ولا يتم حتى يتم النفي والإثبات في هذه الأركان الخمسة والستة. النفي والإثبات: تخلية وتحلية، تنفي الكفر وتبعاته وتثبت الإيمان ولوازمه، تثبت الإسلام ولوازمه، لا يتم الإسلام إلا بذلك. قال رحمه الله تعالى: والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة؛ لأنهم ماذا يفعلون؟ يعبدون أرباب القبور، بل ربما يعبدون الأحياء كما سمعنا. قال: فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها. ولم ينفع اليهود قولها؛ لإنكارهم بعض الأنبياء. اليهود يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم ما آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فكفروا. قال: وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبيا، يعني لو ادعى مسلم النبوة لرجل بعد نبينا عليه الصلاة والسلام لكفر؛ لو ادعى النبوة لرجل بعد نبينا عليه الصلاة والسلام كفر؛ لأنه ليس هناك نبي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ غَيْرَ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا، يعني جعله نبيا، يعني يكفر. قال: لإنكارهم بعض الأنبياء. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ غَيْرَ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ نَبِيًّا لم تنفعه كلمة الشهادة. فالأول كفر لجحد بعض الأنبياء، والتاني كفر لزيادته بعض الأنبياء. لماذا؟ لأن من الإيمان بالله الإيمان برسله. والإيمان بالرسل فيه تخلية وتحلية، فيه نفي وإثبات، تثبت ما أثبتهم الله من الأنبياء الرسل جميعا، ما علمت منهم مفصلا وما لم تعلم منهم مجملا تؤمن به كما أخبرك الله، وتنفي ما سوى هؤلاء، تثبت لهؤلاء وتنفيه عن ما سوى هؤلاء. فإذا خالفت في النفي أو في الإثبات لم يتم لك الإيمان. قال: ألا ترى أن بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويصلون. وقد مر معنا حديث بن مسعود، وجاء معنا عدد من الصحابة: أن كانت لهم صلوات خمس كصلوات المسلمين، ويؤمنون بالله وبرسوله وبذينه الذي بعت به. غير أنهم يزعمون أن مسيلمة الكذاب نبي، وأنه يوحى إليه كما يوحى لنبينا، وأن عندهم قرآن يتعبدون به لله. ومرت معنا قصة قريبا: كيف أن بعض الصحابة حضرهم وهم يقرؤون قرآن غير القرآن الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو ما كذب به مسيلمة بصلاة الفجر. ومع ذلك صاروا كفار، وأمر بقتالهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقاتلهم الصحابة. قال: ولكن قالوا إن مسيلمة نبي، فقاتلهم الصحابة وسبوهم، يعني أخذوا الأموال والنساء والأطفال. فكيف من جعل للولي خاص الإلهية ويناديه للمهمات؟ إذا كان الصحابة كفروا أتباع مسيلمة الكذاب وهم يصلون ويزكون ويصومون ويحجون، وكفروهم لأنهم جعلوا مسيلمة نبيا، فكيف لمن جعل مع الله إلها آخر يعبده ويناديه للمهمات؟ وهذا كثير. وقد مرت معنا شيء من أفعال عباد القبور، ومن هذه المنادات التي تدل أن عباد القبور يعبدون غير الله قول البوصير في قصيدته: «هذه علتي وأنت طبيبي، ليس يخذى عليك في القلب داء». هذه عبادة لغير الله. «هذه علتي وأنت طبيبي، ليس يخفى عليك في القلب داء». من الذي لا يخفى عليه ما في القلب هو الله سبحانه، وكيف هو ينسبها إلى غير الله؟ والله جعله من خصائص المصائص علمه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وهو يجعلها للنبي عليه الصلاة والسلام، ويقول في موضع آخر: «يا أكرم الخلق ما لي من ألود به سواك عند حدوث الحادث العممي». مع أن الواجب أن يكون اللجوء عند الشداية لمن؟ لله سبحانه وتعالى وحده: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. وهذا يقول ما يقول. ومن هذه المناداة في المهمات من عباد القبور ما هو كذلك مدوى في القصائد الشركية في تلك الموالد التي تقرأ في يوم الخميس في كثير من مساجد عباد القبور وأتباعهم. فمن تلك آل أشعار قولهم: «يا آل باعلوي شفاعة كل كربة تنجلي وبكم يا أهل الولاية كل حاجة تنقضي الحوائل تنقضي». بالله وبغير الله؟ أليس هذا عبادة لغير الله؟ ويقول الآخر كذلك: «وإذا ذكرت العيد روس كل كربة تنجلي غارة يعيد روس في عجل لا تمهلي». أليس هذا من الشرك؟ ودعاء غير الله عز وجل. ويقول الآخر: «يا رسول الله ضاق اتحيي لي من كل وجه ظاهرا وباطنا». يا رسول الله عم الخطب من كل وجه، أو قال: «يا رسول الله ضاق اتحيي لي من كل كروبي وجسيمي». وهنا يعني وجسمه أصابه الوهن. «يا رسول الله عم الخطب من كل وجه ظاهرا وباطنا فتداركني ونفس كربي». ويقول بعده في انتقاده أو وتفقدني انتقادا حسنا أو نحو ذلك. فهو يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن ينفس عنه وأن يشفيه وأن يصح جسمه ويزيل كربه. وهذا لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: فكيف من جعل للولي خاصة الإلهية ويناديه للمهمات؟ يعني هذا أشد كفرا من قوم مسيلمة. قال: وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق أصحاب عبد الله بن سبا، وكانوا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكنهم غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقده القبوريون وأشباههم، ادعوا فيه الربوبية. كما جاء في الصحيح في حديث ابن عباس، وجاء كذلك خارج الصحيح عن غيره وعن ابن عباس قال: ولكنهم غلوا في علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقده القبوريون وأشباههم. بل عاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة؛ فإنه حفر لهم الحفائر وأجج لهم نارا وألقاهم فيها. وقال: لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا، يعني ليعاقبهم. وكذلك يعذبهم لردتهم وكفرهم. ووافقه الصحابة في قتلهم، ولكن اختلفوا معه في كيفية القتل. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس: أنه لما بلغ ابن عباس أن علي حرق قوما، يعني لأنهم ادعوا فيه الربوبية. قال ابن عباس: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله». ولقتلتهم كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه». فهؤلاء بدلوا دينهم، كفروا وارتدوا بقولهم. فكيف من يدعي الالوهية بغير الله؟ وتجد في أكثر القبور والتوابيت مكتوب عليها ماذا؟ «من جا وتعنى لقي ما تمنى». يعني تعالي لهذا القبر واسعى وتعب وتعنى واقصد تجد ماذا تمنى. هل يجد الإنسان ما يتمنى من صاحب القبر أم يجده من الله سبحانه وتعالى؟ فهذا هو عين الشرك والعياذ بالله. قال: وقال الشاعر في عصره: «لترمبي المنية حيث شاءت إذا لم ترمبي في الحفرتين». إذا ما أججوا فيهن نارا رأيت الموت نقدا غير دين. وهذا من غلو هؤلاء. قال: والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديد والسير. وكما مر معنا أن أصل القصة في صحيح البخاري، وقد جاءت في خارج الصحيح بالسنن وكتب الآثار. ومن هذه الروايات هذه الرواية التي أخرج ابن جريد في كتابه تهديب الآثار. فقد أخرج عن أبي الطفيل قال: أتي علي بقوم زنادقة، فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت هو. قال: وي لكم من أنا؟ قالوا: أنت ربهم. فقال علي: إن قوم إبراهيم غضبوا لآلهتهم فأرادوا أن يحرقوا إبراهيم بالنار، يعني وهم مشركون وإبراهيم على الحق. قال: فنحن أحق أن نغضب لربنا، يعني أن نحرق المشركين بالنار. وهذا اجتهاد منه رضي الله عنهم. قال: فنحن أحق أن نغضب لربنا. ثم قال: يا قنبر دونكهم فضرب أعناقهم، ثم حفر لهم حفر النار وألقاهم فيها. فأنشأ النجاشي الحارثين يقول: «لترن بالمناية حين تشاءت»، يعني الأبيات التي ذكرها الصنعان رحمه الله. وهذا إسناد صحيح رواه الطبر بإسناد صحيح طيب. نقف هنا ونكمل إن شاء الله ما تبقى في درس اللاحق، وذلك لانتهاء الوقت والزيادة. طيب الله تعالى أعلم.