شرح كتاب تطهير الإعتقاد 21

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 21

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 21، الدرس الحادي والعشرون : فيه (وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث ... لإرتكابه ما يخالفها من عبادة غير الله). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الكفر والشرك وأثرهما على الأعمال

يشرح الشيخ مفهوم الكفر والشرك وأثرهما على الأعمال مستدلاً بالقرآن وكلام الصنعاني. يبين أن من أنكر البعث أو أشرك بالله لا تنفعه كلمة التوحيد ولا أعماله الصالحة.

شروط لا إله إلا الله ومقتضياتها ودلالتها

لا إله إلا الله لها شروط ومقتضيات يجب الالتزام بها، فمن قالها ولم يلتزم بمعناها لم تنفعه، ويجب الكف عن من أظهرها حتى يتبين ما يخالفها.

حكم المخالفين لشروط لا إله إلا الله

يتناول حكم الخوارج وعباد القبور، حيث اختلف العلماء في حكمهم بين كفر وبغي وظلم، واستدل المؤلف بقتال الصحابة للخوارج على جواز قتال من خالف الشريعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»: قال وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل، ولو قال: لا إله إلا الله، فكيف بمن يجعل لله ندًا؟! ويريد أن يبين أن هذا الإجماع الذي قام هو استثناء، لا يجحد هؤلاء القبوريون؛ فإن عباد القبور يعلمون هذه الحقيقة: أن من قال لا إله إلا الله وأتى بما ينافيها ما نفعته كلمة لا إله إلا الله. ومن ذلك إنكار البعث؛ فإن من أنكر البعث، ولو قال لا إله إلا الله، وصلى وصام وزكى وحج، وهو منكر للبعث، ما نفعه ذلك كله، بل صار إنكاره للبعث محبطًا لتلك الأعمال. وهذا حال الكافرين الكفار؛ عندهم أعمال حسنة، والله يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، والله يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والشرك والكفر والنفاق شيء واحد؛ يعني في إحباط الأعمال. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾؛ الكفر بالله محبط للأعمال، وسبب لعدم قبولها. فإذا كان كذلك في البعث، فلا مانع أن يكون هناك أشياء أخرى يكفر بها من قال لا إله إلا الله، بل من صلى وصام وزكى وحج. ومعيار معرفة ذلك والدليل الشرعي؛ فما دل الدليل الشرعي أنه مكفر؛ يعني يدخل الكفر على صاحبه، فإنه يكون كذلك. فإذا دل الدليل في البعث، فكذلك هو في غيره، ومنه عبادة غير الله سبحانه وتعالى، كعبادة هذه القبور. قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: قد أنكر صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أسامة قتله لمن قال لا إله إلا الله، كما هو معروف بكتب الحديث والسير، وهذه شبهة يستدلون بها كثيرًا. قال رحمه الله: قلت: لا شك أن من قال لا إله إلا الله من الكفار، حقن دمه وماله، حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله. ولذا أنزل الله في قصته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ والآية. والصحيح أن هذه الآية ليست هي في قصة أسامة، بل هي كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس، وأشار عندكم المعلق أنها في غير قصة أسامة. وذلك أن رجلًا كان معه غنم، فلحقه بعض المسلمين، فقال: السلام عليكم، أظهر لهم الإسلام، فقتلوه وأخذوا ما معه من الغنم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يعني تريدون الغنيمة، فلم تبالوا بقول الرجل الذي أظهر به الإسلام. وهذا شيء آخر يبين المعنى؛ فليس من قال لا إله إلا الله يسلم من الكفر كما تقدم، إذا وقع منه الكفر. كما أن من قال لا إله إلا الله يجب أن يحقن دمه ابتداء؛ يجب أن يحقن دمه، ومن أظهر الإسلام حرم دمه وماله وعرضه، ثم بعد ذلك ينظر: هل هو يأتي بلا إله إلا الله على الوجه الذي أراده الله جل وعلا شرعًا؟ فإن أتى به كذلك، فهو لا يزال على إسلام، وإن لم يأت به كذلك، بأن فعل ما ينقضها، لم تنفعه لا إله إلا الله. وهذا كثير في أدلة القرآن والسنة؛ فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ فلا ينفع لإنسان أن يقول لا إله إلا الله، وهو يؤمن ببعض ويكفر ببعض. فإذا وقع ذلك، فإنه يكون كافرًا، ولا تنفعه لا إله إلا الله. بل إن الله عز وجل أنزل آيات في قوم استهزأوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، ووعظ الصحابة، أنزل آيات فيها تكفير لهؤلاء، وأنهم كفروا بفعلهم هذا. قالوا كلمة منهم من قالها نفاقًا، ومنهم من قالها موافقة لهؤلاء: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أكذبوا بطونا وأجبنوا عند اللقاء». فماذا أنزل الله؟ ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ سماهم ربنا جل وعلا كفارًا بعد إيمان، سماهم كفارًا بعد إيمان. وحاول النبي عليه الصلاة والسلام؛ قالوا: «إنما كنا نخوض ونلعب»، يعني نمزح ونخوض ونلعب. ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلع عليهم هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فإذا من قال لا إله إلا الله، حقن دمه وماله، وله جوزًا يقتل، لكن لا يعني ذلك أنه إذا أتى بما ينقض لا إله إلا الله فإنه لا يقاتل، أو أنه لا يحكم عليه بكفر؛ بل بعد إقامة الحجة وبلوغها يحكم عليه بكفر. ومن كذلك فعل، معلوم ما هو معلوم من الدين بالضرورة أنه كفر، فإنه يكفر. فمن قال لا إله إلا الله، سب الله ورسوله، وهو يعلم حرمته، وأخرجها بقصد، فإنه يكون كافرًا، كافرًا بالله وبرسوله، بنص هذه الآية. قال رحمه الله تعالى: فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد؛ فإن تبين التزامه لمعناها، كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبين خلافه، لم يحقن بمجرد التلفظ ماله ودمه، وهكذا عرضه. لماذا؟ لأن لا إله إلا الله لها شروط ومقتضيات؛ ليست لا إله إلا الله كلمة تقتضي فعل كل ما يفعل من كفر وشرك ونفاق لا، بل لا إله إلا الله تستلزم أن يمنع صاحبها نفسه من الكفر والشرك والنفاق؛ فإن أتى بشيء من هذه الثلاث، لم تنفعه لا إله إلا الله. قال: وهكذا كل من أظهر التوحيد، وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك؛ هذا هو الواجب، وهذا هو الجواب عن هذه الشبهة. ولهذا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على أسامة بن زيد، وقال: «لو أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» ماذا قال أسامة؟ أخبر أنه ما قالها إلا احتماء بها. فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ «أشققت عن قلبه؟!» يعني هل دخلت إلى قلبه وعلمت أنه قال كذلك أم لا؟ وهذا يوجب كما قال المؤلف رحمه الله: أن من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك؛ فإن تبين ما يخالف ذلك، فعند ذلك يكون شأن آخر. قال رحمه الله تعالى: ولم تنفعهم هذه الكلمة بمجردها اليهود، ولا نفعت هذه الكلمة الخوارج؛ اليهود يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما نفعتهم لا إله إلا الله. وهكذا الخوارج كما قال رحمه الله. وهذا مذهب لبعض أهل العلم أنهم يرون أن الخوارج كفار، ومن أهل العلم من يقول: هم ليسوا بكفار. وقد رويت في هذا آثار، وفي القول الآخر آثار؛ والآثار المروية عن الصحابة والأئمة أكثرها في عدم تكفير الخوارج. وقد صح عن علي رضي الله تعالى عنه أنه حين سئل عنهم، قال: «من الكفر فروا». فقالوا: «إذن منافقين!» يعني هم من المنافقين. قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا»، يعني وهم يذكرون الله. فلما سألوه: «إذن ما هم؟» قال: «إخواننا بغوا علينا»، يعني خوارج باغين ظالمين فاجرين، ليسوا بكفار. وروي عن بعض الأئمة أنهم كفار؛ أي الخوارج. وذهب بعض أهل العلم إلى التفصيل، وهو أن يفرق بين الخوارج الذين وقع منهم ما يوجب الكفر، فهم كفار، والذين لم يقع منهم ما يوجب الكفر، فهم ليسوا بكفار، ولكن كفرهم دون كفر. فقوله الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وهؤلاء لم يحكموا بما أنزل الله في أنفسهم؛ فكفرهم دون كفر. وبعضهم كفرهم كفر أكبر مخرج من الدين؛ كالذين يستحلون دماء المسلمين بغير شبهة، والذين يكفرون من أثنى الله عز وجل عليهم من الصحابة؛ فهؤلاء كفار. ومن كان غير كذلك ممن لم يقع منه كفر، فهو ليس بكافر، بل باغي وظالم ومجرم ونحو ذلك، وفاسق؛ لكنه ليس بكافر. ولكن المؤلف رحمه الله يذكر هذا المثال ليستدل به على قتال الصحابة لهم مع قولهم لا إله إلا الله. وسواء قلنا أن الخوارج كفار أو ليسوا بكفار، نستفيد منه أن ليس كل من قال لا إله إلا الله لا يقاتل؛ ليس كل من قال لا إله إلا الله لا يقاتل. فإذا قاتل الصحابة الخوارج، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقتالهم، بل لو أدركهم لقتلهم قتل عاد. وعلى أخف القولين أنهم ليسوا بكفار؛ فإن كانوا كفارًا فمن باب أولى. وهكذا عباد القبور، وهكذا عباد القبور؛ فإن وقعوا بما يناقض لا إله إلا الله، فإنهم يستحقون ما استحق الخوارج على أقل الأحوال. كيف وهم وقعوا في الكفر والشرك الذي وقع فيه مشركو الجاهلية الأولى، وأعظم منه كما تقدم؟ فشركهم يزيد على شرك المشركين الأولين. قال رحمه الله تعالى: قال: وما انضم إليها من العبادة التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها؛ فلم تنفعهم هذه العبادة. «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، حتى قراءة القرآن». قال: «بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». والحديث أصله في الصحيحين من حديث أبي سعيد، وجاء معناه عن غيره. قال: وذلك لما خالفوا بعض الشريعة، وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث. فثبت أن مجرد قول كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه ما يخالفها من عبادة غير الله. وهذا ظاهر؛ فإن من فعل الكفر كفر، ومن وقع بالشرك كان مشركًا، ولم تنفعه لا إله إلا الله. وهذه دلائل وأمثلة، ومثال بعد مثال. وهكذا العلماء كفروا أناسًا بأعيانهم لوقوع الكفر منهم؛ فقد كفر الصحابة رضي الله تعالى عنهم قومًا قالوا لا إله إلا الله، ادعوا النبوة؛ كقوم مسيلمة أهل اليمامة. وهكذا أصحاب الأسود العنسي؛ كفروهم للدعاء من النبوة بعد النبي عليه الصلاة والسلام لمن ادعوا له. وهكذا قوم بعدهم؛ كالعبيديين الذين يسمون أنفسهم بالفاطميين؛ كفرهم العلماء، ونقل اتفاق أهل العلم غير واحد من العلماء في تكفيرهم، وهم يقولون لا إله إلا الله، بل وهم يقيمون الموالد والاحتفالات الدينية، ويفعلون ويفعلون؛ لكن لأنهم وقع منهم ما يوجب الكفر، كفرهم العلماء. فإذا ليس كل من قال لا إله إلا الله سلم من الكفر؛ لكن من قال لا إله إلا الله بشروطها ومقتضياتها سلم من الكفر، ومن لم يكن كذلك لم يسلم من الكفر. طيب نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.