مناسك الحج والعمرة 12

مناسك الحج والعمرة 12

الدرس في مناسك الحج والعمرة 12، الدرس الثاني عشر:من( الذبح والنحر ... ويسن للإمام أن يخطب يوم النحر بمنى بين الجمرات حين ارتفاع الضحى يعلم الناس مناسكهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الذبح والنحر في الحج والعمرة

يشرح المقطع أحكام الذبح والنحر في الحج، ويبين أن السنة أن ينحر الحاج هديه في المذبح، ولكن يجوز في أي مكان بمكة. كما يتناول كيفية الذبح والنحر بشكل صحيح وفق السنة النبوية.

أحكام الهدي والأضاحي وتوزيعها

يتناول المقطع أحكام الهدي والأضاحي في الحج، ويشير إلى ضرورة توزيع الذبائح على الفقراء والمحتاجين، ويوضح الأوقات المسموح بها للذبح وأحكام الأكل من الهدي والتزود منه.

تحلل الحاج وأحكام الحج المختلفة

يتحدث المقطع عن أحكام الحج، مثل صيام أيام التشريق، وتحلل الحاج من الإحرام، وأحكام الحلق والتقصير، والإجابة على أسئلة فقهية مختلفة.

خاتمة الدرس والدعاء للنبي

المقطع يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء من السنن النبوية ويُقال في مختلف المواقف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الذبح والنحر. قال: ثم يأتي المنحر في ميناء فينحر هديه، وهذا هو السنة. ومعناه أن العمل الثاني من أعمال يوم العاشر هو الذبح، ففي يوم العاشر أربعة أعمال: أولها الرمي، وثانيها الذبح، وثالثها الحل، ورابعها الطواف، هذا هو ترتيبها: الرمي ثم النحر ثم الحل ثم الطواف. وقد قدم بعض الناس آخر كما سيأتي معنا إن شاء الله، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: افعلوا ولا حرج. قال: ثم يأتي المنحر في ميناء فينحر هديه، وهذا هو السنة، لكن يجوز له أن ينحر في أي مكان آخر من ميناء، وكذلك في مكة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «قد نحرتها هنا، ومنا كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر، فانحروا في رحالكم». والنحر يطلق غالبًا لذبح الإبل، فإنها هي التي تنحر، ونحرها يكون بطعنها في أسفل العنق، فإذا خرج الدم وشخ وسقطت الناقة أو الجمل، فإن بعد ذلك تذبح، وهذا أنقى لها. فإنها حين تذبح تنحر قيامًا، تتحرك في الغالب، فيخرج كل دم من بدنها، وهي عظيمة الجثة كما لا يخفى عليكم. فكان من حكمة الله عز وجل أن جعل ذبحها في دين الإسلام بنحرها قيامًا معقولة رجلها اليسرى. فتنحر، فيكون في نحرها شيء من الحركة يدفع أن يخرج كل الدم من جسدها الكبير. فلما ذكر النحر دخل الذبح من باب أولى. ومعناه أن ذبائحكم، سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم، تذبح في ميناء أو في مكة في أي مكان. وهذا من التيسير والرفق بالحجاج، وكذلك من التيسير والرفق بالمنتفعين من الذبائح، حتى لا تتكدس الذبائح ويكون بذلك عدم الانتفاع منها. ولذلك لو أن الناس توزعوا في ذبائحهم ووزعوها في مواضع ذبحها المتفرقة، انتفع الناس جميعًا من هذه الذبائح. لكن لما حصروا الذبح في مكان محصور تراكمت الذبائح حتى حصل الإسراف والتبذير، ولم ينتفع منها الفقراء والمحتاجون. وقد أشار الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن هذه السنة فيها توسع عظيم على الحجاج، وهكذا كذلك في حل مشكلة تكدس الذبائح في المنحر، وهو كما قال رحمه الله: فلو أن الناس ذهبوا إلى مكة فوزعوا الذبائح -مثلًا- في المطاعم التي تذبح، لأنه لن يذبح في الشوارع كما يفعل بعض الناس، مما فيه أذية للمسلمين وإيقاع الأذى في الطرقات، فهذا حرام لا يجوز، بل إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان. لكن توجد أماكن مخصصة للذبح في طرق مكة وفي حوار مكة، فمثلًا أنت عندك عشر ذبائح لك ولمن معك من رفقتك، تشتري هذه العشر حية وتأخذها في الحوار الفقيرة في مكة، وتجد هناك مطعمًا تتفق معه أن يذبحها لك ويقطعها ويقسمها في أكياس، ثم تخرج من المطعم وحولك بيوت الفقراء كثيرة، يفرح كل بيت أن يطرق على بابه أحد ويعطيه من ذاك اللحم الذي لا يتيسر له الوصول إليه في مواضع الحجاج. فليس كل الناس يجرؤ أن يذهب إلى أماكن الذبائح، وإذا ذهبوا ليس كلهم يجرؤ أن يقف ويسأل، فإن من الفقراء من فيه العفة، يحسبه الجاهل أغنياء من التعفف. لكن إذا جاء الإنسان وطرق على بابه وقال له: خد، يفرح بهذا وهو معزز مكرم في بيته. فهذه سنة يحبذ أن يحييها الحجاج، وخصوصًا طلبة العلم، بأن يتعب الإنسان قليلًا، لكنه يؤدي المقصود الشرعي من هذه الذبائح. أما أن تأخذ لك قصيمة وكوبون بذبيحة لا تدري متى تذبح وأين تذبح وما هي الذبيحة وأين يذهب بها، هذا خلاف السنة. وما دام المسلم يستطيع أن يفعل ما هو أنفع للناس، فليفعل الأنفع. قال رحمه الله: والسنة أن يذبح أو ينحر بيده إن تيسر له، وإلا أناب عنه غيره. وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم بيده بضعًا وستين من الإبل، وأنابه علي رضي الله عنه في باقي المئة. وهذا يدل على أنه كان عليه الصلاة والسلام مجتهدًا في الطاعة وفي القيام بالصدقة أن يقوم عليها بنفسه. والذي ينبغي أن الإنسان إذا استطاع أن يذبح بنفسه أن يذبح هو، فإذا لم يستطع أناب عن نفسه أحدًا من أهله وقرابته كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع علي رضي الله عنه. فإن لم يستطع فالدبّاح، ولكن لا يعطي هذا الدبّاح من لحمها شيئًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عليًا أن يعطي الجزار من لحم الإبل شيئًا. فلا تعط الجزار شيئًا يعطيه أجرة، ولا تعطه من اللحم. فإن كان الجزار فقيرًا فهل يجوز أن يعطى من اللحم صدقة؟ الجواب: نعم يجوز، لكن ليس من الأجرة. بعض الناس يقول له: بكم ستذبح لي؟ يقول لك الجزار: ستعطيني لحمًا أم لا؟ يعني: سيكون سعر الذبح بموجب هذا الجواب على هذا السؤال. وهذا معناه أن قيمة الذبح محسوبة في هذا اللحم الذي ستتصدق عليه. مادام يقول لك: إن كنت ستعطيني لحمًا سأذبح لك بعشرين، وإن كنت ما ستعطيني لحمًا فسأذبح لك بأربعين، هذا معناه أن العشرين الأخرى سيسامح من أجل ماذا؟ من أجل اللحم الذي تعطيه صدقة. فصار اللحم الذي أعطيته صدقة ليس صدقة، هو أجرة. وهذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. لكن قل له: لن أعطيك شيئًا من اللحم، كم ستأخذ؟ قال: أربعين، بايعه حتى الثلاثين يذبح لك. بعد أن يذبح لك رأيته مستحقًا أعطيته اللحم من عندك. وتنتبه أن بعضهم ليس مستحقًا، وإن كان مستحقًا يضعه في غير موضعه. فإن الكثير من الجزارين يأخذ اللحم ويجمعه ثم يبيعه للمطاعم، يبيعه للمطاعم كما يفعل بعض الناس بهذا الزمان، وهذا خطأ. ليست الذبائح تذبح لأجل أن يذهب بها إلى المطاعم ويشتريها صاحب المطعم بعشر قيمتها. أنت تشتريها بخمسمائة، ويذهب صاحب المطعم يشتري منهم عشرة رؤوس، خمسين رأسًا كل رأس بخمسين أو بمئة، فهذا خطأ. بل الواجب أن تجتهد أن توصلها إلى مستحقيها، ولو بدلت شيء من المال. مثلًا بعض الناس يقول: أنا ما أعرف مكة ما يتيسر لي الذهاب إلى مكة. يقال: ذبحت في ميناء، خد سيارة من ميناء أجرة يشترك فيها كل أصحاب اللحم، وتدور بالسيارة داخل مكة توزع هذا اللحم في أكياس على بيوت الفقراء والأحياء الفقيرة في مكة، معروفة وهي كثيرة. تستطيع أن تذهب إلى أي حي من أحياء الفقراء وتدق كل باب وتعطي كل باب ربع رأس، نصف رأس. والله لو كان معك خمسمائة رأس لانتهت كلها، فبيوت الفقراء أكثر من خمسمائة، أكثر من ألف، أكثر من عشرة آلاف. لكن الكثير من الحجاج يصيبهم العجز والكسل أن يبدلوا شيء من أوقاتهم وأموالهم ما يكون فيه وضع هذه الذبائح في مواضعها. قال رحمه الله: ويذبحها مستقبلًا القبلة، فيضجعها على جنبها الأيسر، ويضع قدمه اليمنى على جنبها الأيمن. هذا إذا كانت من الغنم أو البقر، فالسنة أن يضجعها على جنبها الأيسر، ويضع قدمه على كتفها الأيمن، ويذبح بيده اليمنى. هذا إذا كانت الذبيحة من البقر أو الغنم. وأشار رحمه الله إلى الآثار المروية في ذلك في التعليق، وقد رويت فيها بعض الأحاديث المرفوعة. قال: وأما الإبل فالسنة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها، ووجهها قبل القبلة. الإبل السنة أن تنحر، وعلمنا ما معنى النحر: هو أن تطعن في أسفل العنق مما يلي الصدر، فيخرج الدم من هناك. وهي معقولة اليد اليسرى، تعقل يدها اليسرى. فإن كان المكان ضيقًا بقيت فيه، وإن كان المكان واسعًا ويخشى أن تجري فتضرب في الناس، فتعقل يدها اليسرى وتربط إلى شيء ثابت، إما على وتد على الأرض بحبل -مثلًا- من عنقها أو من رجلها، أو على شجرة أو على جدار أو شيء ثابت، حتى لا تهرب بعيدًا فتسقط على الناس أو تضرب في الناس. فبعض الناس لا يحسن التصرف، فيكون سببًا في قتل أنفس بسبب عدم حسن تصرفه. لكن يعقل يدها، يعذا القائمة اليسرى -يعني- يدها اليسرى، إذا كانت في مكان ضيق لا تضرب أحدًا. وإن كانت تضرب أحدًا يعقلها ويجعل لها حبل كذلك، إما على الأرض أو على شيء ثابت، حتى لا تهرب بعيدًا. قال: قائمة على ما بقي من قوائمها، وجهها قبل القبلة. وأشار كذلك إلى الآثار المروية، ومنها ما رواه البخاري معلقًا عن ابن عمر، ورواية خارج الصحيح موصولًا. وعلمنا الحكمة من ذلك: لأن الإبل لها جسد كبير، والدم يتوزع في سائر عروقها، فكان من حكمة الله أنها تنحر، وبنحرها يكون تنقية أهل الدم من سائر لحمها. قال: ويقول عند الذبح أو النحر: بسم الله، الله أكبر، اللهم إن هذا منك ولك، اللهم تقبل مني، أو: اللهم هذا منك وإليك. فكل هذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ووقت الذبح أربعة أيام: العيد يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، وثلاثة أيام التشريق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل أيام التشريق ذبح». وهذا فيه تيسير على الناس، فإن بعض الناس يشق عليه أن يذبح في أول اليوم لضيق الوقت أو لتعبه أو لارتفاع أسعار الذبائح، فإنها تكون مرتفعة في الأيام الأولى. فإذا جاء يوم الثاني والثالث والرابع انخفضت الأسعار، وكان في هذا عونًا لمن عنده ضعف ذات اليد أن يشتري ما يتيسر في ذاك الوقت. فلا بأس أن يؤخر إلى يوم الرابع، على أن يحرص على أن لا يتساهل فيفوت عليه وقت الذبح. قال: وله أن يأكل من هديه، وأن يتزود منه إلى بلده، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في أول الإسلام نهي الناس أن يتزودوا بشيء من لحوم الأضاحي والهدي، كما جاء في صحيح مسلم وغيره عن عدد من الصحابة. ثم وسع النبي صلى الله عليه وسلم على الناس بعد أن رأى في الناس سعة، فأذن لهم أن يأخذوا ويتزودوا من لحوم الهدايا والأضاحي التي يذبحونها في حجهم. وفي هذا فائدة أخرى يكون بها حفظ لحوم الحج. الناس اليوم على كثرة الوسائل الحديثة هم أعجز ممن كانوا قبل على قلة الوسائل الحديثة بذاك الزمان، وقلة الإعانة وقلة ذات اليد. وما هذا إلا لضعف الناس وكسلهم، وهذا من الخطأ. وإلا ففي الوسائل الحديثة التي تعين الناس على الاستفادة من اللحم بتجفيفه أو كذلك تعليبه أو غير ذلك كثيرة. فالذي ينبغي أن الإنسان لا يترك الذبائح تذهب إسرافًا وبدارًا، بل يستغلها يوزع ما يوزع، ويأخذ معه ما يتيسر مجففًا أو يتخذ له وسيلة أخرى من الوسائل الحديثة. ممكن يضعه في الفرن ويعلب، فإنه لا يخرب إذا قد جف اللحم، إذا جف ما يخرب. بل ممكن أن يضعه في العسل ويبقى على ما هو عليه ناضجًا وطريًا وهو محفوظ في وسط العسل. قال: وعليه أن يطعم منها الفقراء وذوي الحاجة، لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:36]، فذكر الآية. ومعناه: أن من شكر نعمة الله عز وجل في إباحة الأنعام ممن امتلكها أو امتلك المال الذي يشتري بها، أن يتصدق بها، فيعطي السائل، وهكذا كذلك الفقير الذي يحسبه الجاهل الغني. إن من لا يسأل لكنه يتعرض لك في الطريق، تراه أمام المجزرة، تراه بجانب من يبيع ويشتري. فأمثال هؤلاء الذين لا يسألون الناس وهم يتعرضون، يرجون أن يعطوا شيئًا، تعطيهم. قال: ويجوز أن يشترك سبعة في البعير والبقرة. وقد جاءت أحاديث كثيرة عن جابر وغيره في أن السبع من البعير والبقرة يجزئ. قال: فمن لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. سواء كان عنده فضل عليه المال أو نقصت عليه النفقة، فيجوز له أن ينتقل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ومعنى ثلاثة أيام في الحج: يعني بعد دخوله في نسق الحج، فمن حين أن يحرم ويدخل في الإحرام في الحج، يعتبر هو الآن في الحج إلى أن يطوف طواف الوداع ويخرج من مكة، فإنه بعد هذا انتهى الحج. ما بين هذين العملين هو في الحج. قال رحمه الله: ويجوز له أن يصوم في أيام التشريق الثلاثة، لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قال: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي». وهذا الحديث الذي هو في البخاري وغيره فيه إشارة إلى أن أيام التشريق لا يجوز صيامها، وأنه يجوز صيامها لمن لم يجد الهدي. فهذان مسألتان، والمقصود المسألة الثانية: أن من لم يجد الهدي ورأى أنه يستطيع أن يصوم في أيام التشريق، وأن بعد أيام التشريق يشق عليه، جاز له أن يصوم في أيام التشريق. وأيام التشريق هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. وأما يوم العاشر فهو يوم لا يجوز صيامه أبدًا، يوم الفطر ويوم الأضحى، يوما لا يجوز صومهما كما جاء بالصحيح عن عمر وغيره رضي الله عنه. قال: ثم يحلق رأسه كله أو يقصره، والأول أفضل، أي الحلق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحمي المحلقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم ارحمي المحلقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الرابعة قالوا: والمقصرين. فهذا من جهة الأفضلية بالدليل، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دعا بالرحمة للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة في الرابعة. ولأنه كذلك تخلص لموضع الترفه من الإنسان لله سبحانه وتعالى، فمن يفعل ذلك لله ويحتسب الأجر، يكتب له بكل شعرة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وأما النساء فلا يجوز لهن إلا التقصير، وقدر الأنملة والأنملتين كما تقدم معنا من أطراف شعرها، أطراف الضفائر. قال: والسنة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق، كما في حديث أنس رضي الله عنه. قال: والحلق خاص بالرجال دون النساء، وإنما عليهن التقصير، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير». وتقدم هذا. قال: فتجمع شعرها فتقص منه قدر الأنملة. وعلمنا معنى الأنملة: فالأصبع الواحدة فيها ثلاث أنامل. قال: ويسن للإمام أن يخطب يوم النحر بميناء بين الجمرات، عقيب ارتفاع الضحى، يعلم الناس مناسكهم. وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الحج أربع خطب، كما استقصى ذلك أهل العلم. وهذه الخطبة الثانية مما مر معنا من خطبه عليه الصلاة والسلام في الحج: خطبة عرفة، وخطبة يوم النحر. وهذه الخطبة تدل على أن أهل العلم ينبغي أن يعتنوا بالحجاج، فينظر مواضع حاجتهم للعلم والتنبيه على مسائل مناسك الحج، فيوجهون إلى ما ينفعهم فيها. فلما كان يوم عرفة يوم جمع الناس، ناسب أن يخطب الإمام فيعلمهم ما يحتاجون من شرائع الإسلام. وهكذا كذلك مما يتعلق بمناسك الحج، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله وغيره في صفة خطبة النبي عليه الصلاة والسلام يوم عرفة. وهكذا يوم النحر، لما كان الناس اجتمعوا حول الجمرة، خطب بهم النبي عليه الصلاة والسلام يعلمهم مناسك الحج. قال: والعلماء ليس الأمر في هذا تعبدي بالعدد ومحصور، ولكن بحسب نفع الناس وحاجتهم. فلذلك ينبغي أن يتوزع أهل العلم في أماكن اجتماعات الناس فيبثون فيهم العلم بالدروس والخطب والفتاوى وغير ذلك، إعانة لهم على الخير. فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بهم عند الجمرات، مع أن الجمرات ليس مكان صلاة ولا مكان تفرغ العلم، ولكنه مكان اجتماع الناس. وهذا معناه أن أهل العلم ينبغي أن يتتبعوا مواضع اجتماع الناس في أيام الحج، فيعلمون الناس مناسك الحج وما يحتاجونه من أمور دينهم. سائل يسأل عن خطبة عرفة: هل كانت الأذان في عرفة؟ هل كان بعد الخطبة؟ الخطبة كانت بعد الأذان أو قبل الأذان؟ الجواب: كانت الخطبة قبل الأذان، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: أنه عليه الصلاة والسلام خطب أولًا، ثم أذن المؤذن، فصلّوا الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، جمعًا وقصرًا. سائل آخر يقول: رجل يجمع جلود الأضاحي -أضاحي قريته- فيبيعها ويجعل قيمتها لصالح المسجد، هل يجوز ذلك؟ إن كانت هذه الجلود ترمى ولا يستفاد منها، ففعل هذا حسن. وإن كانت لا ترمى ويمكن أن يتصدق بها، فالتصدق بها على الفقراء أفضل من التصدق على المسجد. يعني: إذا كان الفقير يستطيع أن يبيعها أو ينتفع منها، فكون الفقير ينتفع بها أفضل من أن تجعل في المسجد. سائل آخر يسأل: ما حكم الإشعار في البدن؟ هل هو واجب أو مستحب؟ الإشعار مستحب، الإشعار يكون بجرحها في سنامها، ويلطخ هذا الدم على السنام، لأجل أن يعلم الناس من الفقراء وغيرهم أن هذه الناقة قد وهبت لله، وأنها ستنحر يوم النحر، فيتتبعونها ويعرفون مكانها وصاحبها، فيأتون يوم العاشر إلى المكان الذي فيه صاحبها، فيأخذون منها ما يتيسر. فهذا من فائدة الإشعار، وهو سنة وليس بواجب. سائل آخر يقول: امرأة غير متزوجة، إذا جاءها الدم في بعض الأشهر يكون مدة نصف شهر، وتبقى بعد ذلك شهرًا ونصفًا، شهرين لا يأتيها الدم. وبعض الأحيان يأتيها الدم ثلاث مرات متفرقة في الشهر الواحد، والشهر الذي بعده يكون مثله. مجموعة هذه الفترات ثلاث نصف شهر، فماذا تصنع؟ هذا سؤال خارج عن الدرس، لكن ما دامنا نقرأ: تنظر إلى وصف الدم، فإن كان وصف الدم هو دم الحيض، فإنها تترك الصلاة متى ما رأت الدم، ومتى ما رأت الطهر صلت، وحل لها كل شيء يحل في طهرها. لأن الصحيح من أقوال أهل العلم: لا حد لأقل الدم وأكثره. فإن تحيرت بكثرة إتيانه وذهابه، أخذت بعادتها إن كان لها عادة. فإن لم يكن لها عادة، أخذت بعادة أقرب الناس إليها ممن تتساوى معهم في المأكل والمشرب والمسكن. فإن غالب النساء يتحد حيضهن إذا اتحد المأكل والمشرب والمسكن، فهذا هو الذي تفعله. والله تعالى أعلم، وبه نكتفي. صلى الله وسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.