كتاب الحدود  6

كتاب الحدود 6

الدرس في كتاب الحدود 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الخمر وأحكام شربها

يناقش تحريم الخمر بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويبين عظيم ضررها ومفسدتها. كما يشير إلى أن الحد يثبت على شارب الخمر إذا كان مكلفًا مختارًا.

اختلاف حد شارب الخمر وعلته

يتناول اختلاف حد شارب الخمر باختلاف اجتهاد الإمام والمصلحة، ويشير إلى أن العبرة بوجود علة الإسكار وليس بالمسميات. كما يؤكد أن ما أسكر كثيره فقليله حرام.

جواز الاجتهاد في حد شارب الخمر

يناقش جواز الاجتهاد في العقوبة لشارب الخمر، ويشير إلى أن الصحابة استخدموا القياس في تحديد الحد، وأن للإمام صلاحية الاجتهاد بناءً على الظروف.

الإشارة إلى التعزير وتفاصيل قادمة

يشير إلى تفاصيل قادمة حول التعزير في الأبواب اللاحقة، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب حد الشرب. قال: من شرب مسكرًا مكلفًا مختارًا جلد على ما يراه الإمام، إما أربعين جلده أو أقل أو أكثر، ولو بالنعال، ويكفي إقراره مرة، أو شهادة عدلين، ولو على القي. وقتله في الرابعة منسوخ. قوله رحمه الله: باب حد الشرب، أي هذا مدخل في معرفة أحكام مسائل حد الشرب، والمراد بالشرب هاهنا الشرب الخاص، أي شرب المسكر، فأل فيه للعهد. وقوله رحمه الله: من شرب مسكرًا مكلفًا مختارًا جلد على ما يراه الإمام، أي هذا حكم شرب الخمر من جهة العقوبة والحد، وتقدم في كتاب الأشربة أن الخمر محرم من المحرمات، وشربه كبير من الكبائر بنص الكتاب والسنة، والنصوص في هذا كثيرة. فمن الكثير قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. وقول بعض المتحذلقين من المنافقين وأبواق الكافرين: أنه لم يأت نص صحيح صريح في تحريم الخمر، هذا من عظيم الجهل، بل قوله سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ فيه النص على التحريم وزيادة، فهو مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. هل يقال: إن الزنا حلال ويُخوف هؤلاء بما أجمعت عليه الأمة من أن من أنكر حرمة الخمر كفر بالله سبحانه وتعالى؛ لأن حرمة الخمر معلوم من الدين بالضرورة. ونصوص تحريم الخمر كثيرة، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». ونفي الإيمان يدل أنه ليس شرب الخمر معصية فحسب، بل كبير من الكبائر ينتفي معها الإيمان. وقد تقدم في دروس سابقة أن العلماء فسروا نفي الإيمان ها هنا بما هو زائد عن نقصانه، ليس نقصان الإيمان، بل شيء أعظم من هذا. ولهذا روي عن الثوري وأحمد وجماعة من أهل العلم إنكارهم تفسير هذا الحديث وما كان بمعناه بنقصان الإيمان؛ لأن الحديث يدل على شيء زائد عن نقصان الإيمان. ولهذا جاء في بعض الروايات الصحيحة: أن الإيمان يرتفع فوق فاعل هذه الكبائر المذكورة في الحديث كالظلة، يعني يخرج عنه. قال شيخ الإسلام في معنى كلامه في تفسير ذلك: أنه يكون فيه كالعقل بالنسبة للنائم والسكران الثمل. هل تستطيع أن تقول للنائم: أنه يعقل؟ الجواب: لا؛ لأنه نائم، ولهذا رفع عنه القلم. وهل تقول: أنه مجنون؟ كذلك تقول: لا، ليس بمجنون، ولكن هو في حاله عقله ليس معه. وهكذا غالب شهوة صاحب هذه المعصية جعلت إيمانه يرتفع عنه. فأمر شرب الخمر خطير، وهو كبير من الكبائر. وفي حديث عائشة في الصحيحين: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». وهذا نص صريح. فكيف يقال بعد ذلك: ليس فيه نص؟ وفي حديث أبي مالك الأشعري في البخاري وغيره: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحرى والحريرة والخمر والمعازف». فدل على أن هذه الأربعة محرمة، بل وأن من علامات الساعة من يتعامل معها معاملة الحلال، أو على التفسير الآخر: من يزعم أنها حلال. فحرمة الخمر معلومة بنصوص الكتاب والسنة. وكذلك ينبغي أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى الحكيم حرم الخمر لعظيم مضرته ومفسدته. والله سبحانه لا يحرم على الناس شيئًا لهم فيه مصلحة، بل لا يحرم عليهم إلا ما علم سبحانه أن تحريمه خير لهم. ولهذا اتفق العقلاء جميعًا، ليس من أهل الإسلام فحسب، بل حتى من الكفار قديمًا وحديثًا: أن الخمرة من أعظم المضرات والمفسدات التي تضر بالجسد وبالروح وبالعقل وبالمال وبالنفس وبالعرض. وأعظم من ذلك أنها سبب لانتشار الرذائل ووقوع الجرائم ووقوع البغي والفساد والعدوان والظلم وغير ذلك من الشرور الكثيرة. ولذلك كثر تحذير العقلاء من كل الملل من الخمر والتشنيع له ولعظيم مضرته. ومن لطائف ما ذكره بعض الناس وهو يحاجج بعض أبواق الكافرين ومن كان مثله من المنافقين في قضية مفسدة الخمر: ما ذكر له في سبب تفريق شركات التأمين بين شارب الخمر وغير شارب الخمر. لماذا تفرق؟ وهذا معلوم في دول الكفر، تعلمون هذا أو لا؟ هو كذلك في أمريكا، وكذلك في أكثر دول الكفر. شركات التأمين التي تؤمن على النفس تفرق بين شارب الخمر وغير شارب الخمر. لماذا؟ لماذا هذا التفريق؟ لعلمها بشؤم مصير شارب الخمر. فلذلك هم يخافون ويضعون قيود وشروط هي زائدة عن من لا يعرف بإدمان وشرب الخمر. فمن أسئلة شركات التأمين: تشرب الخمر أو لا تشرب الخمر؟ فإن قلت: تشرب، تكون عليك رسوم وأشياء وأحكام تختلف عن غير شارب الخمر. فهذا وأمثاله كثير مما يدل أن العقلاء يعلمون خطر الخمر وعظيم ضرره، حتى ولو صرخوا بألسنتهم وادعوا أنه لا يضر، لكنهم في الحقيقة يتعاملون معاملة من علم أنه يضر شاءوا أم أبوا. وذكرها هنا رحمه الله: أن شرب الخمر الذي يثبت به الحد ما كان من مكلف مختار. وقد علمنا أن المكلف: العاقل البالغ، والمختار: أي غير المكره. ويدخل في معنى المكره: المضطر على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ولهذا نقل بعض أهل العلم إجماع العلماء: أن من اضطر لشرب الخمر فلم يأثم في الآخرة ولم يحد في الدنيا، مثل إنسان وقع به عطش لم يجد ما يدفع عطشه الذي خشي على نفسه الموت إلا بشيء أمامه هو الخمر، يشربه أو يموت؟ الجواب: بلا شك يشربه، مثل الميتة. فليست الخمر أشد من الميتة، ولا كذلك لتحرم عليه؛ وقد حلت الميتة. ولكن كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ولهذا قال العلماء كما روي عن ابن عمر وابن عباس وجماعة: يأخذ ما يدفع ضرره فقط، يشرب ما يدفع ضرره. ومثله الميتة يأكل ما يدفع ضرره. وقوله: مسكرًا، يتناول معنيين اثنين. أولًا: كونه يقع به الإسكار ولو لم يسمى خمرًا. واليوم ما أكثر المسميات التي تسمي الخمر بغير اسمه. فلا يخرجه عن كونه الخمر الحرام؛ لأن العبرة بالحقائق، وجود علة الإسكار لا بالمسميات، حتى ولو سمي: عصير أو نبيل أو أي شيء آخر، ما دام فيه معنى الإسكار فهو حرام، ويقع به ما يقع من عقوبة الدنيا والآخرة. «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». وقد تقدم معنا في كتاب الأشربة: عن أنواع من الأشربة كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض بلاد اليمن تسمى بمسميات، ما دامت فيها معنى الإسكار حرمت. وهكذا كذلك بالنسبة لزماننا المعاصر، وما أكثر المسميات فيه، فالعبرة بوقوع الإسكار. وهكذا كذلك يدخل المعنى الآخر في قوله: مسكرًا، ما إذا كان ليس بمسكر ولو سمي بخمر، فإنه لا يكون فيه هذا الحكم. فالعبرة بوجود علة الإسكار، العلة إذا وجدت وجد الحكم. وكذلك مما نبه عليه ويؤكدها هنا في كتاب الأشربة: أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، يعني ليس من الشرب أن يشرب الكثير، بل إذا ثبت الشرب ثبت الحكم، ولو شرب شيئًا قليلًا. ولهذا قال العلماء: يعرف ذلك بالاستنكاه، يعني يشم الفم، فإن وجد أثر الخمر ورائحته ثبت بذلك الشرب؛ لقوله في حديثه وقصة ماعز: «استنكهوه»، يعني شم فمه. وقوله رحمه الله: جلد على ما يراه الإمام؛ لأنه كما سيأتي إن شاء الله: اختلفت الروايات المرفوعة والموقوفة في حد شارب الخمر. فقد جاء في الصحيحين في حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين. وجاء في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلد بجرتين نحو أربعين. وهذا يدل أن فعل أبي بكر كان له أصل من فعل من النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في الحديث: وفعله أبو بكر. فلما كان عمر استشار الناس. وسبب هذه الاستشارة كما سيأتي: انتشار وكثرة شرب الخمر حين فتح الله على المسلمين البلاد، ودخل فيها الكثير ممن هو حديث عهد بإسلام. فأراد عمر أن يزجر الناس ويشدد حتى لا ينتشر شرب الخمر. قال: فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن يعني ابن عوف: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر رضي الله عنه. وهذا كان في آخر زمن عمر، وسيأتي معنا أنه استشار غير مرة. فهذا يدل أنه لم يأمر بحد الثمانين إلا بعد الاستشارة عدة من الصحابة. ومما ذكره بالشرح ما رواه البخاري وغيره من حديث عقب بن الحارث قال: جيء برجل شرب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان في البيت أن يضربوه. قال: فكنت فيمن ضربه بالنعال والجريد. وليس في هذا الحديث حد. وهذا يدل أن هذا يجوز، والأربعين يجوز، والثمانين يجوز. وهذا يرجع للإمام بحسب المصلحة والمفسدة. وهكذا مما ذكر أيضًا حديث السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمرة أبي بكر وصدرًا من إمرة عمر، فنقوم عليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا. حتى كان صدرًا من إمرة عمر فجلد فيها أربعين. وهذا لا يعارض ما روي أن أبا بكر جلد أربعين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين. وقد جمع العلماء بين هذا وذاك بأحد جمعين: إما أن السائب بن يزيد لم يبلغه ذلك، أي عن أبي بكر وعن النبي صلى الله عليه وسلم. وإما أن ذلك وقع قليلًا، وأراد السائب بن يزيد أن عمر جلد أربعين كثيرًا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلد أربعين إلا المرة أو القليل، فلهذا لم يذكره، وكذا عن أبي بكر ولهذا لم يذكره. ولما كثر في عهد عمر ذكر الأربعين. وكل التفسيرين والجمع بهذين الجمعية صحيح. قال: حتى إذا عتوا فيها، يعني اشتد فعل الناس لشرب الخمر وفسقوا، جلد ثمانين. وتقدم أن عمر رضي الله عنه لم يجل الثمانين إلا بعد المشاورة. وإن قال: كيف فعل عمر رضي الله عنه ذلك ولم يثبت مثله عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ أجاب العلماء بجوابين. أجاب بعضها للعلم بجوابين: الجواب الأول: أنه دل في النصوص السابقة وغيرها ما يدل أن هذا الباب يجوز فيه الزيادة عن مطلق الضرب؛ لأنه جاء الضرب بالجريد والنعال والأيدي، وجاء في بعضها ذكر الأربعين. وهذا الإطلاق يدل أنه يجوز للإمام الاجتهاد في ذلك؛ لأنه لو كان حدًا لا يجوز أن ينقص ولا يزاد لما ترك المضروب يضرب بدون عد. ولكن كونه يترك يضرب هذا بيده وهذا بنعله وهذا بجريده وهذا بطرف ثوبه يدل أن هذا الباب الأمر فيه واسع، والمقصود هو التأديب. وهذا وجه يدل على سبب اجتهاد عمر رضي الله عنه. والوجه الثاني: أن عمر رضي الله عنه اجتهد في هذا مع من استشار من الصحابة؛ لأن هذا الباب لم يحد فيه بحد معين. ولما لم يحد بحد معين جاز لولي الأمر أن يجتهد في هذا الباب، وعمومات النصوص التي تقضي بجواز اجتهاد الحاكم توذن بذلك. ومما روية من استشارة عمر قصة علي المشهورة التي رويت بعدد من كتب الحديث والفقه، قد رواه البيهقي والدارقطني والحاكم وجماعة، وهي الصحيحة: أنه استشار فقال علي رضي الله عنه: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هدى، يعني ذهب عقله. وإذا هدى افترى، وإذا افترى فعليه حد المفتري، وهو ثمانون جلده، يعني حد القاذف. فيكون هذا بالقياس الصحيح الذي توصل إليه الصحابة رضي الله عنهم بهذا الاجتهاد. وأشار كذلك إلى أثر علي رضي الله عنه: وهو لا يناقض ولا يعارض ما سبق: «ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي شيئًا إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته». وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه، يعني لم يجعله سنة. والجمع بين هذا وما سبق: أن عليًا رضي الله عنه خشي في الخمر خاصة خصوصًا في الثمانين جلدة: أنه إذا مات بسببه، أي المجلود، أن يكون فيه شيء من الاعتداء. وهذا من باب التورع وزيادة الاحتياط، وإلا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر». وإنما هذا من زيادة الاحتياط؛ لأنه من الاجتهاد. يدل على ورعهم. وأما الأول لأنه ورد فيه النص الصريح، فلهذا لم يجد في نفسه شيئًا. وأما قوله رحمه الله: ويكفي إقراره مرة؛ كما تقدم في الإقرار. وقوله: ويكفي أو شهادة عدلين؛ كما تقدم في الشهادة. وقوله: ولو على القي؛ يعني يثبت الحكم بالقي؛ لأن القي إذا خرج وفيه الخمر فهذا دليل على شربه لها. وذكر الأثر الذي رواه الإمام مسلم وغيره في قصة من شرب فتقيأ، فقال عثمان رضي الله عنه: «إنه لم يتقيأها حتى شربها». وهو يدل على أن هذا عمل الصحابة، وعمومات الأدلة تدل عليه، وهو من البينات. فهذه بينة خروج الخمر من بطنه يدل على شربه إياها؛ لأنها لا تدخل إلا من الفم. وأما قوله رحمه الله: وقتله في الرابعة منسوخ، هذه مسألة اختلف فيها العلماء، وأشار في الشرح إلى هذا الخلاف. والأصل فيه ما جاء من حديث جابر في السنن وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرابعة فيمن شرب الخمر: «فإن عاد في الرابعة فاقتلوه». وأنه جاء وقد أشار المعلق إلى بعض الأحاديث المروية في هذا الباب في ذكر قتل من شرب في الرابعة: أن تضرب عنقه. وروية أحاديث كما أشار في الشرح: في أنه لم يقتل شارب الخمر في الرابعة، بل ضربه ولم يقتله. وهكذا جاء الحديث الآخر: أنه جلد ورفع القتل. والصحيح عند أهل العلم، والقاعدة التي سبقت وتتكرر معنا تؤيد هذا: أن هذا مما يجوز أن يجتهد فيه الإمام؛ لأن القاعدة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما؛ لأن القول بالنسخ يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على النسخ. ولكن الصحيح: أن هذا مما يجوز أن يجتهد فيه الإمام. فيجوز للإمام إذا رأى أن زجر الناس عن شرب الخمر يكون بالقتل أن يقتل لمن تكرر شربه وتكررت الشهادة عليه حتى أتي به أربع مرات، ففي الرابعة يجوز أن يقتل. وفي أحوال خاصة يجتهد فيها الإمام يرى أن مثل هذا لا يقتل، يجوز أن لا يقتله؛ للأدلة التي تدل أنه لم يقتل، جمعًا بين الأدلة التي رويت في هذا الباب. وكما تقدم: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وقد رجح عدد من أهل العلم هذا القول بهذه المسألة، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وهذا الحديث يدل، أي القتل في الرابعة، مع ما تقدم من زيادة العقوبة في حد الخمر من أربعين إلى ثمانين: على جواز تضعيف العقوبة في الحدود إذا رأى الإمام ذلك، خصوصًا فيما جاءت فيه النصوص على جواز التضعيف. مثل شرب الخمر، جاءت النصوص بجواز التضعيف فيها. فدل ذلك على جواز التضعيف في العقوبة. ولذلك أفتى علماء فيمن زنى بامرأة ميتة: أنه يحد بحدين، حد للزنا وحد لحرمة هذه الميتة، كما روية ذلك عن أحمد وإسحاق في مسائله. فالشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وهذا من الفقه في الدين الذي فهمه العلماء. نعم. هذا سائل يقول: هل التصوير تثبت به الحدود إذا كان المصور أمينًا؟ الجواب: لا. وهذا هو قول مشائخنا المعاصرين ممن عرفناهم: شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وشيخنا الشيخ محمد بن صالح ثيمين، وهكذا شيخنا مقبل الوادعي. وهذا ما نعلم عن الشيخ الألباني كذلك، وغيرهم كثير، خصوصًا أن التصوير مظنة الخطأ ومظنة التلاعب، وما أكثر التلاعب بالتصوير خصوصًا في هذا الزمن المعاصر. فهناك من البرامج والوسائل التي يحصل بها تلفيق الصور ما يكون بمعنى الحقيقة، ليس فقط الصور الثابتة، حتى الصور المتحركة التي يسميها بعض الناس: الحية. حتى الصور الحية؛ لأن حقيقة الصور الحية: صور ثابتة تلصق بعضها ببعض آلاف الصور، فتصير متحركة. فلذلك لا يعتمد الشرع عليها. والأصل بما ثبت في الشرع مما تثبت به الأحكام. وهذا يسأل عن حكم المخدرات. كما تقدم معنا في كتاب الأشربة: أنه ليس بخمر، لكن لا يعني أنه حلال، بل هو حرام؛ لقول الله عز وجل في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وهو خبيث من الخبائث بلا شك، بل هو في معنى الخمر وأشد؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الحشيشة: بأنها مثل الخمر وأشد. ولكن لكونها ليس فيها معنى المثلية المساوية للخمر لم يقل العلماء أن صاحبها يحد شارب الخمر، ولكنه يعزر. فيجوز أن يعزر بما هو مثل شارب الخمر، ويجوز أن يكون أشد. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الأبواب الآتية على التعزير. نعم. والله تعالى أعلم.