الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 66، الدرس السادس والستون:من( وقسموا ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال إلى ... ولا فرق في الاتلاف بين المباشر والمتسبب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع أقسام ضمانات الأموال المتعلقة بالرقيق، حيث يُلزم السيد بالضمان إذا أذن للعبد بالتصرف، بينما يبقى الضمان على العبد إذا تصرف بدون إذن سيده. يُقسم الضمان إلى أربعة أقسام تتعلق بذمة السيد والعبد ورقبة العبد.
قسم الفقهاء أسباب الضمان إلى ثلاثة أقسام: اليد المتعدية، الإتلاف بغير حق، وتلف الأمانات عند المؤتمنين إذا فرطوا في حفظها أو تعدوا فيها. يُوضح المقطع تفاصيل كل قسم وأحكامه الشرعية.
الإتلاف بغير حق يوجب الضمان سواء كان عمدا أو خطأ، والاعتداء على مال الغير يوجب الضمان حتى لو كان بنية الخير. كما يشير إلى أن تلف الأمانات عند المؤتمنين يوجب الضمان إذا فرطوا في حفظها أو تعدوا فيها.
الضمان يكون في إفساد غير العاقل، ويتحمل على المجنون والصبي لعدم وجود العقل لديهم. يتناول المقطع بعض أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالضمان وإتلاف الممتلكات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ورجح رحمه الله تعالى، وقسموا ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال إلى أربعة أقسام: قسم يتعلق بذمة سيده، قليلا كان أو كثيرا، وهو ما أذن فيه من التصرفات أو الإتلافات. قال: وقسم يتعلق بذمة العبد، يتبع فيه بعد عتقه، وهو ما استدانه بلا إذن سيده. وقسم يتعلق برقبة العبد، وهو إتلافه وجناياته، فيخير سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته أو يسلمه للمجني عليه. وقسم يتعلق أيضا برقبته على المشهور، وهو تصرفاته التي يلزم فيها مال، ولم يأذن فيها السيد. وعلى القول الصحيح، هذا القسم يتعلق بذمته. ذكر رحمه الله تعالى هذا التقسيم فيما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال، وهي أربعة أقسام، والقسم الرابع فيه خلاف. ورجح المؤلف رحمه الله أنه يلحق بأحد الثلاثة المتقدمات. قوله رحمه الله أولا: ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال، معناه أن الرجل إذا كان له عبد أو أمة، وتعلق بتصرف من تصرفات هذا العبد أو هذه الأمة ضمانة مالية، سواء بشيء أتلفه أو بشيء أخذه أو غير ذلك، كما سيأتي على الأقسام. فماذا يكون حكم المال؟ وماذا يتعلق بالرقيق؟ وماذا يتعلق بالسيد؟ لأجل أن هذا الرقيق في الغالب لا يملك مالا، ولأن له سيدا ينفق عليه ويأخذ غلته، أي غلة هذا العبد أو هذه الأمة، ومعناه ما يدخله من مال في إجارة أو نحوها. فإن العلماء احتاجوا أن ينبهوا على مسائل في هذا الباب، وبالسبر والتقسيم وجدوا أنها على أربعة أقسام. وطبعا مسألة الرق سبق الكلام عليها بدروس سابقة، ومسائل أخرى تتعلق بهذا الباب، لكن حسبنا في هذا الموضع التكلم على عين هذه المسألة، والأقسام المتعلقة بها. يقول: أنها إلى أربعة أقسام قسمت. القسم الأول يتعلق بذمة سيده، قليلا كان أو كثيرا، وهو ما أذن فيه من التصرفات أو الإتلافات. قسم مما يفعله الرقيق، عبدا أو أمة، ضمانه على السيد، ما هو؟ قال: وهو ما أذن فيه من التصرفات أو الإتلافات. فكل ما أذن السيد فيه من تصرف العبد أو الأمة التي هي له، أو له، فإنه يلزم السيد هذا الضمان. مثاله ما أذن فيه من التصرفات، كرجل ترك عبدا له يبيع في دكان له، فهذا البائع وإن كان عبدا لسيده، فما وقع منه مما يحتاج إلى الضمان، فعلى من؟ على السيد. ولو كان هذا العبد متعديا، ما دام أنه وضع في هذا المكان وأذن له السيد، فتصرفه بإذن سيده، فسيده يضمن. مثلا أخذ بضاعة من أصحاب الجملة، ولم يسدد الدين، فأفلس الدكان، الناس ما يعرفون إلا هذا العبد هو الذي أخذ منهم البضاعة، لكن يعرفون أنه يعمل في دكان سيده، فهو بإذنه يتصرف، خصوصا إذا كان السيد طلب منهم التعامل معه، وأنه يأذن له في التصرفات، فيضمن، يلزمه الضمان. فإذا لم يستطع السداد، أي العبد من مال الدكان، فإن الغرماء يرجعون إلى السيد، يرجع في ذمة السيد، يقال له: سد الدين، لا يستطع، يقول: أنا ما أخذت منكم، الذي أخذ منكم هو فلان العبد، ليس أنا، هذا لا حجة له فيه، وذلك لأنه أذن، وما كان بإذن، فعليه الضمان في ذلك. لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي، الإذن العرفي كالإذن اللفظي، وهذه قاعدة فقهية لها أدلة، ومر معنا الإشارة إليها في دروس سابقة، ويستدل بها في مواضع، وهذا منها. فإذن السيد لدعوى الشرعية بعمومها، وهكذا كذلك العرف على أنه يلزمه الضمان. وهكذا الإتلافات، لو أرسل سيد عبده أن يتلف مزرعة فلان أو دابة فلان، فليس له تنصل أن يقول: أنا ما أتلفت، الذي أتلف هو فلان، يقال: فلان تصرف بإذنك، وما دام تصرف بإذنك، فإنك تضمن، ويبقى هذا في ذمتك، خصوصا وأن المباشر ليس عنده ما يسدد، فيكون على السيد. ولهذا أدلة عامة تدل عليه، ولأن هذا الباب من خطاب الوضع، وخطاب الوضع يضمن فيه المباشر، فإن لم يكن، فالمتسبب، وهو الآذن. قال رحمه الله: وقسم يتعلق بذمة العبد، يتبع فيه بعد عتقه، وهو ما استدانه بلا إذن سيده. قسم يتعلق بذمة العبد، ومعنى بذمة العبد، يعني يبقى دين على العبد، إذا عنده مال يسدد من ماله الخاص، إذا ليس عنده مال، يبقى دين على هذا العبد حتى يتيسر له. وما هو هذا القسم؟ قال: وهو ما استدانه بلا إذن سيده، ومثله ما أتلفه بغير إذن سيده، لأنه مكلف، وهو يخاطب فيما يخاطب به المكلفين. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث الشريد بن سويد: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته». وهذا إذا كان واجدا، فإنه يؤخذ منه، وإذا لم يكن، يبقى في ذمته، ويستحق العقوبة بحسبها، ولا يلحق السيد شيء، لأنه لم يأذن. والله عز وجل يقول: ﴿وَأَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ولماذا قالوا: يبقى في ذمة العبد؟ لأنه سيأتي أن منه ما يكون في ذمة العبد، ومنه ما يكون كذلك. فما أذن فيه السيد، فذمة السيد، وما لم يأذن فيه السيد، فذمة العبد، إن كان عنده مال، فمن ماله، إن لم يكن، يبقى عليه دين. وهذا كما دل عليه دليل الشرع، فهو العدل، لأن هذا الذي أعطى لهذا العبد، أعطاه برضاه، فيتحمل عاقبة ذلك، مثل الدين مع سائر الناس. وقد قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال رحمه الله: وقسم يتعلق برقبة العبد، وهو إتلافه وجناياته، فيخير سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته أو يسلمه للمجني عليه. هذا هو القسم الثالث، يتعلق برقبة العبد، وهو إتلافه وجناياته. الأول ما أخذ بغير إذن السيد، بإذن السيد قلنا على السيد. الثاني ما يتعلق بذمة العبد، وهو ما استدانه بلا إذن سيده، انظر دين، والإتلاف لم يذكره المؤلف، وسيأتي الكلام عليه. وأثر للعلم ألحقوه به، لأنه مكلف، هو يتعلق بذمته. القسم الثالث يقول: يتعلق برقبة العبد، يعني بقيمته، وهو إتلافه وجناياته، فيخير سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته أو يسلمه للمجني عليها. لماذا؟ لأن هذا الحق لا يتعلق بالذمة، إنما يتعلق بهذه الذات المعتدية، يتعلق بهذه الذات المعتدية. فإذا جنى على إنسان، فقطع يده أو قتله، فإن هذه الجناية تتعلق برقبة العبد، لأن هذا الجسد هو المعتدي، بخلاف الدين يتعلق بذمته. لو ما عنده مال يسدد، إذا تيسر له المال. وأما الاعتداء، فشيء آخر. ومن هنا نفرق بين الإتلاف الذي يكون في الأموال، فهو بمثابة الديون، يلحق بالقسم الثاني. وبين الإتلاف الذي هو جنايات، فهو يلحق بالقسم الثالث، لأن الجنايات تتعلق برقبة العبد، الجنايات تتعلق برقبة العبد. فإذا قال: يخير سيده بين ثلاثة أشياء: فدائه بالأقل من قيمته، يعني يفدي المجنى عليه بالأقل من قيمته، أي قيمة الجناية. إما أن يقوم السيد، يقول: خلاص، عبدي اعتدى على ولدكم، وعليه مثلا نصف الدية، أنا أدفع لكم نصف الدية، وانتهينا. وإما أن يدفع أرش الجناية، وأرش الجناية هو الفارق بين قيمة الشيء سليما ومعيبا. مثلا طعنه في رجله، ينظرون: هذا طعنه، ماذا ستؤثر في الرجل؟ إن شلت الرجل، وصارت لا تستفاد منها، فعليه نصف الدية. وإن صار يمشي، لكنه يعرج بها، فينظر، يثمن: كم بقياس العرج بالنسبة لسلامة العضو؟ فيلزم بأرش الجناية. قال: أو يسلمه للمجني عليه، يسلمه للمجني عليه، يعني يعطيه للمجني عليه، ويقول: خلاص، بيعوه، وخذوا قيمته. وهنا إذا بيع، ينظر: إذا كانت قيمة هذا العبد بعد بيعه حين أخذوا المال، سدد جناية العبد، وزاد مال، فالزائد لمن؟ للسيد، لأنه ماله وحقه، وإنما استحقوا من هذا العبد بقدر اعتدائه في جنايته. فالزائد مال حرام، لا يجوز لهم أن يأخذوه، يرجع للسيد. وقد نص الفقهاء على ذلك، وهو الذي تدل عليه العمومات والقياس الصحيح. فإن نقص، فلا شيء لهم، لأن السيد لم يأذن بهذه الجناية، ولا يلزمه شيء، وما لهم في هذه الجسد المعتدية. فإذا كانت الجناية يقضيها ثمن هذا العبد، فذاك. فإن نقص، فليس لهم شيء، ليس لهم إلا ذلك. وهذا شيء قدره الله عز وجل عليهم. فإن أتى سواء، فهذا من باب أولى، أنه ليس للسيد شيء. إذن الآن الأحوال ثلاثة، فالسيد يخير بين أحد هذه الثلاثة. وذكر هذا الكلام غير واحد من أهل العلم، كابن قدامة في المغني، والشرح الكبير، وهكذا كذلك في الإنصاف، وغيرها من كتب أهل العلم. قال رحمه الله: وقسم يتعلق أيضا برقبته على المشهور، هذا القسم الرابع مختلف فيه. قال: وهو تصرفاته التي يلزم فيها مال، ولم يأذن فيها السيد. وعلى القول الصحيح، هذا القسم يتعلق بذمته، يعني بالقسم الثاني. طيب، فما لم يأذن فيه السيد، فهذا يلحق في القسم الثاني. فإذن انتهينا أن الأقسام ثلاثة، الأقسام ثلاثة. ووجه كونهم اختلف فيه: هل يتعلق برقبته أم بذمته؟ لأنه إهدار لمال الغير، ومال الغير محترم، فلا يضاع فيأخذ من العبد. والجواب عليه كما تقدم: أن إتلاف المال هو مثل الدين، إتلاف المال تصرفاته في الأموال، ولو كان إتلافا، مثل الدين. فالصحيح أنه يلحق بما في ذمة العبد، ولا يلحق برقبته، لأنه تصرفات مالية. ودل الدليل الشرعي أن التصرفات المالية تتعلق بالذمة، لا بالجسد. فليس في الدلالة الشرعية ما يدل أن التصرفات المالية فيها شيء يتعلق بالجسد، بخلاف الجنايات، اليد باليد، والعين بالعين، والجروح قصاص. وهذا هو مقتضى القياس الصحيح، وما دلت عليه العمومات. قال رحمه الله تعالى: وقسموا أسباب الضمان إلى ثلاثة أقسام: الأول يد متعدية، كالغاصب ونحوه، فيضمن بتلف الشيء عنده مطلقا أو إتلافه، ويضمن أيضا نقصه ومنافعه. والثاني إتلاف بغير حق، عمدا أو خطأ، ففيه الضمان على المكلف وغيره. والثالث تلف الأمانات عند المؤتمنين إذا فرطوا في حفظها أو تعدوا فيها. ولا فرق في الإتلاف بين المباشر والمتسبب. قوله رحمه الله: وقسموا أسباب الضمان إلى ثلاثة أقسام، هذا تقسيم آخر فيما يتعلق فيما يتعلق بالضمان، لكن لغير العبد. الأول كان للعبد أو الأمة الذي له سيد، والذي لجسده قيمة. وهذا الثاني فيما يتعلق بالحر. فأسباب الضمان ثلاثة، يقول: يد متعدية، والمتعدي هو المعتدي، يعني حصل منه تعمد في الاعتداء، بغض النظر أنه يريد الإتلاف أو لا يريد الإتلاف، المهم أنه متعمد في الاعتداء. قال: كالغاصب ونحوه، الغاصب معروف، من يأخذ مال الغير غصبا بالقهر والقوة، كالظالم ونحوه، مثل السارق، والناهب، المنتهب. فهذه أيدي متعدية، قال: فيضمن بتلف الشيء عنده مطلقا أو إتلافه، ويضمن أيضا نقصه ومنافعه. الآن اليد المتعدية، مثلا يد الغاصب، سواء الغاصب في الأرض أو الغاصب في الوعاء أو الغاصب في أي شيء، اعتدى على أرض، فإنه يضمن ما أتلف في هذه الأرض. فيضمن بتلف الشيء عنده مطلقا، يعني على كل الأحوال، يضمن ما أتلف عنده، سواء هو أتلفه بنفسه أو تلف بنفسه. مثاله: لو أنه اعتدى على أرض فيها زرع، فأحرق هذا الزرع، هذا عليه الضمان بلا شك. فإذا لم يحرق الزرع، اعتدى على هذه الأرض، ومنع أهلها من دخولها، فمات الزرع بسبب عدم وجود من يعتني به، إما نقص الماء أو غير ذلك، فكذلك عليه الضمان، ولو لم يكن هو المباشر لهذا الإتلاف، لأنه متسبب، وهو معتدي. وكل من اعتدى، يتحمل تبعات الاعتداء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى، في حق الإناء الذي كسر: «طعام بطعام، وإناء بإناء». مع أن فعل زوجه رضي الله عنها لم يكن المقصود منه إفساد الطعام، ولا كسر الإناء، حصل اعتداء فقط، بغضب في إسقاط الطعام، فكان تبع ذلك فساد الطعام، وانكسار الإناء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث في البخاري وغيره، من حديث أنس: «طعام بطعام، وإناء بإناء». فاستدل به العلماء أن يد الغاصب تضمن ما أفسدت، وما تبع هذا الإفساد، ولو لم يفسده بنفسه. وقوله: أو إتلافه، فيضمن بتلف الشيء عنده مطلقا أو إتلافه، يعني بتلفه بنفسه أو بتلفه بفعله هو، في كل الأحوال يضمن، حتى ولو كانت تلف من سبب خارجي. مثلا هذا الرجل اعتدى على هذا الزرع، على هذه الأرض، فجاءت آفة وأنهكت الزرع، ثلج أو ريح أو مطر أو سيل أو غير ذلك. ليس للغاصب أن يقول: أنا ما أتلفت هذا، أنا فقط أخذت الأرض، أما هذا الإتلاف، هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. فيقال له: ولو كان ابتلاء من الله، ما دام فسد في يدك، وأنت قد أخذته غصبا، فأنت تضمن ذلك. وهذا جزاء ظلمه، جزاء ظلمه وتعديه. وقوله: ويضمن أيضا نقصه ومنافعه، النقص الذي يلحقه، مثلا الضرع إذا جف، أو الماء إذا نشف، أو الشجر إذا مات بعضه، ومنافعه كذلك، الثمار إذا تساقطت أو جفت أو غير ذلك، مما يحصل فيه شيء من الفساد، فإنه يضمن ذلك كذلك. قال رحمه الله: والثاني إتلاف بغير حق، عمدا أو خطأ، ففيه الضمان على المكلف وغيره. الفرق بين الثاني والأول: أن الأول معتدي، بغض النظر أنه تعمد الإتلاف أو لم يتعمد. والثاني هو متلف، بغض النظر أنه معتدي أو غير معتدي. الثاني مثلف، ولكنه بغض النظر كان معتدي أو غير معتدي، أهم شيء أنه كان متلفا بغير حق، عمدا كان أو خطأ، ففيه الضمان على المكلف وغيره. قوله: على المكلف، يعني البالغ العاقل، وغيره يعني ولو كان صغيرا أو مجنونا. فكيف ضمن الصغير المجنون؟ من ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فوليه يضمن، لأن هذا من خطاب الوضع. والأصل في أموال الناس الحرمة، «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم»، حديث في البخاري وغيره، في الصحيحين. مثال الإتلاف بغير حق، عمدا، كإتلاف المتخاصمين، وأحدهما متأول، يختصمان مثلا في بئر أو ماء، فيمنع أحدهما الماء عن صاحبه، فتلف زرع جاره، فهذا أتلف مال جاره بغير حق، يوجد جهات مختصة تحكم في مثل هذه الخصومات. فكونه استخدم قوته وأتلف، وكان متسببا في إتلاف مال جاره، فهذا عمد، ولو كان متأولا، فإنه عليه الضمان. أو خطأ كذلك، أو خطأ، له ولد صغير، حول الماء خطأ، فأتلف زرع جاره، فيقال: جزاك الله خير، إن شاء الله ما تأثم، لأنك لم تتعمد ذلك، لكن ما يسقط عنك الضمان، الإثم تسلم منه، لكن الضمان ما تسلم منه. والدلالة الشرعية بعموماتها الكثيرة تدل على ذلك، فقتل الخطأ فيه الضمان، وهي الدية، مع أنه ما تعمد القتل، ومع ذلك ما سقط الضمان، الضمان يبقى. وإن كان الإثم لا يكون عليه، «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». فيبقى في ذلك ماذا؟ يبقى الضمان. طيب، ويلحق بهذا القسم ما لو كان الإتلاف أو الاعتداء، حتى ولو كان بنية الخير، يعني قد الإنسان يكون له مقصد طيب، ما دام ما دام أن فيه إتلاف وإضاعة لحق الغير بغير حق، وفيه اعتداء عليه، فإنه عليه الضمان. مثاله أو نقول دليله وتظهر بهذا أمثلة كثيرة، وهو في نفس الوقت مثال ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق شركا له في عبد، قوم عليه قيمة العدل». اثنين شركاء في عبد، وقس على ذلك أي شيء آخر، اثنين فيه شركاء، وهذا الشيء لا يتجزأ. قال أحد الشريكين: عبدي حر. مع أنه شريك، ليس له ملك كامل في هذا العبد، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أعتق شركا له في عبد، قوم عليه قيمة العدل». يقال لهذا الشريك: جزاك الله خير، أنت أعتقت هذا العبد حر، ولكن عليك قسم صاحبك، نصيب صاحبك دين عليك. ومثله لو أن إنسانا تصدق بشيء هو شريك فيه، مثلا عنده سيارة، قال: هذه السيارة صدقة، خذوها، وهي ليست له، هو شريك فيها، فعليه الضمان لقيمة الشركاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. وأما ما كان بحق، فإنه لا شيء فيه، وهو هدر، مثل إتلاف ما أمر الشرع بإتلافه، كالقبور المرتفعة، والصور، وآلات اللهو، وآلات اللهو، والطرب وغير ذلك. وهكذا كذلك أوعية الخمر وغيرها، فإنه لا قيمة لها في الشرع. وفي حديث علي في صحيح مسلم وغيره: أرسله النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يدعى تمثالا إلا طمسه، أو صورة، ولا قبرا مشرفا إلا سواه. وهذا فعل علي رضي الله عنه في خلافته، وقبله عثمان في خلافته، رضي الله عنهم. ومثله آلات اللهو والطرب وغيرها. قال: والثالث تلف الأمانات عند المؤتمنين إذا فرطوا في حفظها أو تعدوا فيها. يعني عليهم الضمان، تلف الأمانات عند المؤتمنين إذا فرطوا في حفظها. رجل وضع عندك أمانة، فما وضعتها في حرزها، أعطاك ذهبا، وضعته في حوش الغنم، هذا تفريط، الذهب ما يوضع في مثل هذا المكان. أو في غرفة الضيوف، ثم قلت: يا فلان، سامحني، سرق مني، وضعته في غرفة الضيوف، وجئت ما وجدت هذا الذهب، هذا تفريط، فعليك الضمان. وأما إذا لم يكن مفرطا، وضعه في حرزه، فسرق، فهنا ليس عليه شيء، «ما على المحسنين من سبيل». أو تعد فيها، أعطاه مالا، وقال: هذا أمان عندك، قام يتاجر فيه، ذهب يتاجر فيه، ثم خسر في تجارته، جاء الرجل يريد ماله، قال: سامحني، اتجرت فيه وخسرت، فهنا عليه الضمان، ولا عذر له. قال: ولا فرق في الإتلاف بين المباشر والمتسبب، معناه: إذا كان المباشر موجودا، فعلى المباشر. وإذا كان المباشر غير موجود، أو ممن لا يضمن، كالصبي الذي ليس له مال، والمجنون الذي ليس له مال، أو الدابة التي ليس لها ملك ولا إدراك، فالمتسبب يضمن في ذلك. ويدل عليه ما جاء عند الإمام مالك وغيره، من حديث البراء، في قصة إفساد ناقته في حائط من حيطان الأنصار، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم: أن ما أفسدت البهائم في الليل، فإنه على أربابها. وما أفسدت في النهار، فإنه هدر، ليس في ذلك شيء. لماذا؟ لأن أرباب هذه الحيطان، عليهم من يحفظوها في النهار. وأرباب البهائم، عليهم من يحفظوا البهائم في الليل. هكذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا فيما يتعلق بمسألتنا، وإلا في الحديث فيه فوائد كثيرة. لكن فيما يتعلق بمسألتنا، فيه ثلاثة فوائد: الأول أنه إذا لم يمكن تضمين المباشر، فإنه يضمن من المتسبب، كما مر معنا في المسائل المتقدمة. والفائدة الثانية أن العرف يقضى به، وكان عرفهم في ذاك الزمان، وهو لا يزال إلى زماننا هذا، غالبا في أكثر البلدان، أن ما أفسدت البهائم في الليل، فهو على أرباب البهائم. ومنه حوادث السيارات في الإبل، إذا وقع حادث، فإن أرباب الإبل، أصحاب الإبل عليهم الدية. وما أفسدت في النهار، فعلى أصحاب الحائط، وليس على أصحاب البهائم شيء. لماذا؟ لأن هذه الحيطان، أصحابها يكونون موجودين في النهار غالبا، إلا إذا كان العرف على خلاف ذلك. يوجد عندنا في بعض المزارع ليس كذلك، العرف مع الغنم مثلا، فيقضى بذلك بالعرف. ودلة الأدلة الكثيرة على العمل بالعرف. والأمر الثالث كذلك في أن الضمان يكون في إفساد غير العاقل، أنه يتحمل عليه، فالمجنون والصبي من باب أولى. طيب نكتب بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم.