الدرس في كتاب الأشربة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تحريم كل ما هو مسكر أو مفتر مستندًا إلى الأحاديث النبوية والآيات القرآنية، ويشمل جميع أنواع المسكرات والمفترات. الحكم يدور مع العلة وهي الإسكار أو الإفتار.
يتناول الآثار السلبية للمسكرات والمفترات مثل القات والدخان والتنباك على الأخلاق والصحة والمال والعقل والدين، ويشرح قاعدة "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
يتناول حكم تخليل الخمر وخلط أنواع من الفواكه في النبيذ، ونهى النبي عن الانتباذ في بعض الآنية وعن خلط جنسين مختلطين في النبيذ. يحرم تخليل الخمر وتحويلها إلى خل.
يمر العصير بخمس مراحل: العصير، النبيذ، الفوران، الخمر، والخل. يحرم النبيذ عند وصوله لمرحلة الفوران، ويحرم تخليل الخمر، ويجوز تخليل النبيذ إذا لم يمر بمرحلة الخمر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- في كتاب الأشربة: «كل مسكر حرام، وكل مفتر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام، ويجوز الانتباذ في جميع الآنية، ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين، ويحرم تخليل الخمر، ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه، ومظنة ذلك بما زاد على ثلاثة أيام». وآداب الشرب أن يكون بثلاثة أنفاس، وباليمين، ومن قعود، وتقديم الأيمن فالأيمن، ويكون الساقي آخرهم شربًا، ويسمي في أوله، ويحمد في آخره. ويكره التنفس في السقاء، والنفخ فيه، والشرب من فمه. وإذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات لم يحل شربه، وإن كان جامدًا ألقيت وما حولها. ويحرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الكتاب وما تضمنته من مسائل. فقال: «كتاب الأشربة»، أي: هذا مكتوب يتعلق بأحكام الأشربة. وتقدم وتكرر معنا كثيرًا أن «ف، فعال» يأتي بمعنى «مفعول»، مثل: «شراب» بمعنى «مشروب»، و«طعام» بمعنى «مطعوم»، وهكذا «كتاب» بمعنى «مكتوب». و«الأشربة» جمع «شراب»، أي: ما وقع فيه فعل الشرب من أنواع السوائل والمعتصرات ونحوها. فهو يشير بهذا التبويب إلى ما يتعلق من أحكام مجموعة في هذا الكتاب فيما يدخل تحت هذا المسمى، أي: «الأشربة». وابتدأ هذا الكتاب بهذه المسألة: «كل مسكر حرام». وأشار في الشرح إلى دليله فيما رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وقد جامعناه في أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة. فقد روي في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- حين أرسله مع معاذ إلى اليمن عليه الصلاة والسلام. فقال في الحديث: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وتطاوعوا ولا تختلفوا». الحديث. فسأل أبو موسى عن أشربة تصنع في بلاده في اليمن، وعن شراب يقال له «المزر». فقال عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر حرام». وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «كل مسكر حرام» في قصة الرجل من جيشان من أهل اليمن، سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أشربة تصنع في بلده، ومنها «المزر». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كل مسكر حرام». وفي الحديث: أن من شربها فإنه يسقى من «طينة الخبال» يوم القيامة. فقيل: وما «طينة الخبال»؟ قال: «عرق أو عصارة أهل النار». وفي الباب أحاديث كثيرة. وكذلك أشار المؤلف -رحمه الله- إلى قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90]. والشاهد منه: أن السنة فسرت القرآن، فالخمر ما «خامر العقل»، هذا من جهة اللغة، أي: أسكره وأضاع قوته. وفي الحديث: «كل مسكر خمر». وفي حديث عائشة في الصحيحين -الذي أشار إليه- عن شراب يقال له «البتع»، وهو نبيذ العسل، إذا أسكر. وكان يصنعه كذلك أهل اليمن؛ لأن أرض اليمن أرض يكثر فيها الزروع، وبكثرة الزروع تتنوع المعتصرات وما ينبذ من تلك الزروع. فكانت عندهم مسميات لخمور كثيرة، وإن كانوا يسمونها بغير «الخمر»: «بتع»، و«مزر»، وغير ذلك من المسميات. ولكن ما دامت العلة موجودة، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. والعلة هي «الإسكار». ولهذا قال في هذا الحديث: «كل شراب أسكر فهو حرام». فإذا: ليس الخمر المحرم ينحصر فيما يسمى «خمرًا»، بل كل ما كان فيه معنى «الخمر» من «الإسكار» فهو حرام. وهذا المعنى دلت عليه أدلة كثيرة. وهذه الأدلة المشار إليها تكفي في التدليل على هذا المعنى. وبهذا نعلم أن الذي يدخل في حكم «الخمر» شيء لا يعد ولا يحصر. وما أكثر المسميات اليوم فيما يقع فيها معنى «الإسكار»، وكلها من «الخمر» المحرم. منه ما يعرفه العرب بمسمياته العربية، ومنه ما يعرفه العجم بمسمياته الأعجمية. فالمهم: ما كان فيه معنى «الإسكار» فهو حرام. وبه نعرف بطلان تلك الدعوات والشبهات التي يثيرها أذناب الكافرين والمنافقين في تحليل بعض المسكرات إذا سميت بغير اسمها، أي: «الخمر». ما كان أحد يظن أن أحدًا في المسلمين سيأتي يومًا من الأيام ويحلل شيئًا من المسكرات. ولكن -للأسف- وجد. وسبب وجوده: ليس فقط الجهل بالشرع، ولكن -للأسف- «الهوى» مع «التقليد». وأعظم من هذا: أن أكثر هؤلاء ممن فيهم «لوثة» العلمنة والزندقة، فيأتون بالجدال الشرعي الزائف الذي حقيقته «التلاعب» بإحكام الدين. مثل: الربا يسمى بغير اسمه، وهكذا الكثير من المحرمات تسمى بغير اسمها. فالخلاصة: كل ما كان فيه معنى «الإسكار» فهو حرام. وبهذا نعلم كذلك أن هذا الحكم لا ينحصر فيما كان مشروبًا، بل ما كان فيه معنى «الإسكار» ولو كان مأكولًا أو كان مشمومًا، شيئًا يؤكل أو شيئًا يشم، مثل أنواع «المخدرات». وكذلك أنواع من معاني الأمور المسكرة والمخدرة والمفترة التي تذهب العقل وتسكره، فإنه يدخل في هذا المعنى، فهو حرام. وننبه هنا أن ثبوت حكم «الحرمة» لا يعني استواء حكم «العقوبة». ثبوت حكم «الحرمة» لا يعني استواء حكم «العقوبة». فبعض المحرمات قد يقع فيها الخلاف. وسبب الخلاف: ليس لأن «حرمتها» مختلفة أو فيها خلاف -لا-، وإنما الخلاف في «العقوبة»، إما لأنه لم يأت فيها النص، وإما أن مسألة «الإلحاق» في «العقوبة» قد تختلف، وغير ذلك مما سيأتي -إن شاء الله- التنبيه عليه في كتاب «الحدود». ثم قال -رحمه الله-: «وكل مفتر حرام». لم يرد حديث صحيح صريح بهذا النص. وقد رويت أحاديث وآثار، لكنه لم يصح شيء مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أعلم. ولكن معناه الذي قصده وأشار إليه صحيح، يدخل في عمومات ما تقدم. فـ«المفتر» الذي يكون معه معنى «الإسكار»، ويتحقق معه «الضرر»، هذا يدخل في معنى «التحريم». وإن كان هو ليس مثل «الخمر» سواء بسواء، مثل أنواع من «الحشيشة» و«المخدرات» مما فيها نشوة «الإسكار»، وإن كانت لا توصل إلى «الإسكار». ومنه ما يسمى بـ«التنشيق»: تنشيق بالأنف، يستنشقون أنواعًا من المواد بترولية أو غيرها، يستخدمون ذلك لمعنى «الإفتار» ووصول إلى ما فيه معنى نشوة «الإسكار». فهو -وإن لم يذهب العقل ويوصله إلى حد «الإسكار»- لكن فيه المعنى الذي لأجله يحرم. وألحق العلماء بهذا المعنى كل ما يسبب معنى «الإدمان» الذي يكون معه إدخال خفة بالعقل، وتأثير على العقل، وإن كان لا يوصل إلى «الإسكار». ويزداد الأمر «حرمة» كلما كثرت المظار، مثل: «الدخان»، ومثل: «القات»، و«التمباك»، وكل ما كان بمعنى ذلك، وبكل أنواع استخدامه، سواء شرب كسجارة أو مداعة أو حتى سجارة إلكترونية، أو كذلك استنشق بالأنف، أو وضع في الفم، أو مضغ، أو غير ذلك. وتأثير هذه وما كان بمعناها على العقل لا يخفى. ولهذا فإن أثره يختلف من إنسان لآخر، ويختلف بكثرته وقلته، ويختلف كذلك بأنواع قوته وضعفه. ولهذا تجد المدمنين يظهر أثر «الإدمان» لهذه «المفترات» على أخلاقهم وتصرفاتهم. فيكون في خلقهم خفة، يكون في خلقهم خفة من آثار إدمان هذه «المفترات». ومن عرف منكم وخالط بعض أولئك المدمنين يتأكد له هذا. بعض مدمنية «القات» تجد فيه خفة، كأن عقله ليس معه. حتى إنه ربما إذا قل عليه «القات» يقوم ما يدري ماذا يفعل، يقوم ويمس هذا الجدار وهذه السارية. ويلفت هنا ويكثر من حك رأسه وحك جلده، ويقوم ويقعد ويجلس في الطراب. تصرفات من في عقله ماذا؟ خفة. وهكذا كذلك بعض حتى مدمنية «الدخان» ومدمنية «التنباك» ومن كان بمعنى هؤلاء. مع ما لا يخفى من الأضرار الكثيرة التي تلحقها هذه «المفترات». والله عز وجل قد وصف نبيه -صلى الله عليه وسلم- في كتابه بما وصف في كتب أهل الكتاب: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. ولا شك ولا ريب أن هذه «المفترات» من «الخبائث»، فهي خبيثة في نفسها. ومن حكمة الله عز وجل: أن هذه «الخبيثة» روائحها كحقيقتها، روائحها كحقيقتها خبيثة، مهما فعلوا لها من تحسينات. فمعنى «الخبث» موجود فيها. مع أن العبرة: ليس بالروائح، ولكن العبرة: بماذا؟ بالحقيقة. فحقيقتها خبيثة مما لها من آثار سيئة ومضار عديدة. فهي تضر بالجسد والصحة، وتضر كذلك بالمال، وتضر بالعقل، وتضر بالدين، وتضر بالأخلاق، وتضر بجوانب كثيرة من جوانب الحياة. حتى «الاقتصاد»، حتى «الاجتماع»، حتى «الإدارة»، حتى ما يتعلق بما يسمى بـ«الأحوال الإنسانية»، وغير ذلك. له آثار سيئة على هذا. حتى ظهرت آثار هذه «المفترات» وإدمان الشعوب بها على آثار الشعوب التي ابتليت بها. انظروا إلى مجتمعنا «اليمني» وآثار «القات» عليه، آثار سيئة ومظاهر ساقطة وأخلاق منحرفة. كثرت بسبب هذه الشجرة الخبيثة، وتفشي آثارها في المجتمع. وهذا قليل من كثير مما تثمره هذه الأشجار الخبيثة وما كان بمعناها مما يؤكل أو يشرب. ولهذا حرمه العلماء بعمومات النصوص الشرعية. فإذا وجد أحد الناس من يحل ذلك أو يتوقف فيه، فبكل إنصاف إذا أنصف نفسه سيجد أن قول المحرمين -بلا شك ولا ريب- هو القول الراجح؛ لعمومات الأدلة، ولإيجاد العلل التي لأجلها وقع التحريم فيما حرمه الله من «الخبائث»، ولتلك الآثار السيئة والأضرار والمفاسد العديدة التي تثمرها هذه المشروبات والمأكولات الخبيثة. ثم قال -رحمه الله-: «وما أسكر كثيره فقليله حرام». وهذه قاعدة ذكرها العلماء في معرفة ما يحرم من المسكرات، ولو كان قليله لا يسكر. ودليلها: ما أشار إليه في أحاديث كثيرة صحت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وإن كان بعض تلك الألفاظ فيها شيء من الضعف من جهة صحة الإسناد، لكنها من جهة معنى اللفظ صحيح، جاءت به روايات كثيرة يشد بعضها بعضًا، ويؤكد ويصحح هذا اللفظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. أشار إلى حديث عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- مرفوعًا: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام». وأشار إلى من خرجه. وهذا الحديث -كما أشار- أعله الدارقطني وغيره. وأشار الكثير من الحفاظ أنه لم يصح مرفوعًا، وإنما روي موقوفًا. وأما مرفوعًا فمنكر. ومع هذا يقال: الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. كيف وقد أيدته نصوص كثيرة مرفوعة صحيحة؟! وهكذا حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- الذي أشار إليه في الشرح: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وجاء عن عبد الله بن عمر كذلك، وجاء عن جابر بن عبد الله، وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. فهذا يؤكد ما تقدم من صحة هذا الحديث. وما روي في هذا الباب أحاديث من هذه الأحاديث ما جاء من حديث سعد بن أبي وقاص، وهكذا كذلك جاء عن غيره. فالخلاصة: هو حديث صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ومعنى أن القليل إذا كان لا يسكر، ما دام كثيره يسكر فهو حرام، فهو حرام، لا يجوز شربه وتناوله. فليس المقصود من التحريم هو الوصول إلى درجة «الإسكار»، بل ما دام كثير هذا يسكر، فقليله كذلك حرام، لا يجوز. هذا من جهة الشرب والتناول والتلذذ والاشتهاء. وهكذا كذلك حتى ولو كان من باب «التطبب» والدواء، فهو كذلك لا يجوز. فهناك بعض الأدوية التي قليلها لا يسكر، وكثيرها يسكر، فتوضع في بعض الأدوية نسبة يسيرة من «الكحول» -ولا نقول: «الكحول» بمسماه العلمي، ولكن «الكحول» المسكر- فما كان كذلك فلا يجوز تناوله وشربه، فهو محرم. وهذا يقع كثيرًا في بعض أدوية «الكحة». فلذلك -أخي المسلم، وأختي المسلمة- علينا أن نعتني بهذا الباب، وننتبه له. إذا اشتريت دواء «كحة» -خصوصًا ما كان فيه معنى «الإكسير»- فإنك ينبغي أن تحذر، وتتأكد من وجود «الكحول» في هذا الدواء. فإذا وجد فيه «الكحول» فهو لا يجوز، فهو لا يجوز. «ما أسكر كثيره فقليله حرام». والحمد لله أكثر بلاد الإسلام لا يستوردون هذه الأنواع من الأدوية. لكن قد يدخل بعضها بطرق أو أخرى من دون الجهات المختصة ورقابتها. فعند ذلك ينبغي الحذر. أو إذا وقع شيء من التساهل من بعض الجهات، ينبغي النصح، وأن يبين للجهات المختصة أن مثل هذه الأدوية قد وجدت في الأسواق. وهكذا كذلك -على الصحيح- ما كان يستعمل لغير الشرب، إذا شرب -ما دام كثيره يسكر- فقليله يحرم. وبعض الناس قد يشرب بعض هذا. وإذا شرب فهو شرب للمسكر الحرام، بل ضرره أعظم من ضرر المسكر. مثل شرب بعض الناس لبعض المستحضرات الطبية التي تستخدم للتطهير، فمكوناتها مكونات تلك المستحضرات تتضمن «الكحول». وهكذا كذلك بعض «العطور»، فإن بعض الناس قد يشربها. شرب هذه من شرب «الخمر»، بل هو ربما يكون أشد ضررًا. فقد يعجل بأضرار أعظم من ذهاب العقل. فشرب «الكولونيا» -مثلًا- يذهب البصر. فقد ذكر غير واحد من أهل الاختصاص أنه يفقد البصر، يذهب البصر. وكم من إنسان ممن سار في هذه الطريق وابتلي بشرب مثل هذه الأشياء فقد بصره. وهكذا كذلك بعض «المطهرات»، فهي -مع ما تسكر- تضر. فلا يجوز شربها. وهنا ينصح الجهات المختصة حماية أن لا يتعد متعد على هذه المستحضرات، ويستعملها ويتناولها بالشرب. أن يخلط معها ما لا يمكن معه شربها. مثلًا: بعض «المطهرات» تخلط ببعض «المطهرات» التي تلونها وتغيرها، ولا يمكن معها شربها. وهذا ممكن ومعروف عند أهل الاختصاص. وهكذا كذلك حتى بعض «العطور» ممكن تخلط بغيرها. وإن كان تناول هذه «العطور» وتلك المستحضرات -خصوصًا «العطور»- لا حاجة إليها، ممكن يستغنى بغيرها مما لا «كحول» فيه. وأما المستحضرات الطبية -من «المطهرات» وغيرها- إن اضطر أهل الطب لها، فيحرصوا على خلطها بغيرها. قال -رحمه الله تعالى-: «ويجوز الانتباذ في جميع الآنية». وأشار في الشرح إلى هذه المسألة؛ لأنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة أنه نهى عن الانتباذ في بعض الآنية، كـ«الدباء»، و«النقير»، و«المزفت»، و«الحنتم»، وما كان بمعناها من الأوعية والآنية التي تكون سببًا لتعجيل تخمير النبيذ. تعرفون «الدباء»: إذا جفف وأخرج ما في جوفه فإنه يصير وعاءً. وبمعناه هذا المذكور: «النقير»، و«المزفت»، و«الحنتم». فـ«النقير»: من النخل، وقد يكون من غيره، يصنع من نسيجه، وينقر على خشبه. وقد يكون من غيره. فالمقصود: كل وعاء يكون سببًا في تسخين النبيذ وتعجيل انتقاله إلى مرحلة «الخمر»، نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في حديث وفد «عبد القيس». فقد جاء معناه في حديث أنس بالصحيحين، وحديث عائشة في الصحيحين، وحديث عبد الله بن عمر بن العاص في البخاري، وحديث ابن عمر وأبي هريرة في صحيح مسلم. وجاء عن جماعة من الصحابة. وجاءت أحاديث كالحديث الذي أشار إليه في صحيح مسلم: حديث بريدة. أشار إليه المؤلف في الشرح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرًا». استدل بعضهم بهذا اللفظ. وهكذا اللفظ الذي بعده: «نهيتكم عن الظروف، وإن ظرفًا لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وكل مسكر حرام». استدل المؤلف وجماعة من أهل العلم: أن هذه الأحاديث نسخت الأحاديث التي فيها النهي عن الانتباذ ببعض الأوعية التي فيها المعنى الذي سبقت الإشارة إليه. ومعظم أهل العلم لا يقول بالنسخ. والصحيح في هذه المسألة: أن القول بالنسخ مطلقًا ليس بالصحيح. وإنما إن قصدنا وأردنا بالنسخ «نسخ التحريم» -إن وجد نص يدل على التحريم- فنقول: نعم. وأما إن قلنا: أن النهي ابتداء هو للكراهة، وأن ما ذكر من رخصها هنا إذا كان مع الحذر والاحتياط، فإذن لا وجود للنسخ، وإنما توضيح وتفصيل للمسألة. فيقال: يجوز وضع النبيذ في كل وعاء من جلد وغيره. ولكنه يكره في كل وعاء يكون سببًا في تعجيل وصول هذا النبيذ إلى مرحلة «الخمر» و«الإسكار». وبهذا تجتمع الأدلة. والقاعدة عند أهل الأصول: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». كوننا نعمل الدليلين معًا -مع عدم وجود نص صحيح صريح يدل على النسخ- أولى من أن نهمل أحد الدليلين. وأي الأقوال هي التي يمكن معها إعمال الدليلين؟ هو هذا القول. هذا القول. وسيأتي معنا أن هذا القول تؤيده معاني أخرى. فإذن: الصحيح في هذا التفصيل الذي سمعناه: يجوز الانتباذ في أي وعاء، ويكره في الأوعية التي توصل النبيذ إلى مرحلة «الخمر» سريعًا، تعجل انتقال النبيذ إلى «الخمر». فإن احتاج الإنسان أن يستعملها -لعدم وجود غيرها، أو لمعنى آخر- جاز له ذلك. لكن ماذا؟ بشرط الحذر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: «فإن الظروف والأوعية لا تحل شيئًا ولا تحرمه، ولكن ماذا؟ كل مسكر حرام». إذن ننتبه لهذه العلة. إذا أفضى إلى «الإسكار» فهو حرام، لا يجوز. بل سيأتي معنا أن المحرم هو الذي قارب «الإسكار» ولم يصل إلى «الإسكار»، الذي قارب «الإسكار» ولم يصل إلى «الإسكار» -كما سيأتي- إن شاء الله. ثم قال -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين». وأشار في الشرح -رحمه الله- إلى حديث جابر في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى «أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، وأن ينبذ الرطب والبسر جميعًا». النبيذ: يعني أن توضع الثمرة في الماء، فتترك. نبيذ «الزبيب»: أن تضع «الزبيب» في الماء، فتتركه يومًا -مثلًا-، وبعد يوم تجد الماء صار حلوًا. وإذا أكلت «الزبيب» قد ذهبت منه حلاوته، وصار في الماء طعم «الزبيب». ومثله «الشعير»، ومثله «التمر»، وهكذا غيره. لكن إذا خلط أكثر من جنس، فإن مدة الانتباذ تقل. إذا كان يتحمل النبيذ القعود بدون الانتقال إلى مرحلة «الخمر» ثلاثة أيام. إذا خلط جنس مع آخر، فإن المدة تقل. لماذا؟ أولًا: لأنهم جربوا هذا بالخبرة. وثانيًا: من جهة المعنى؛ لأن كل منهما يؤثر على الآخر، فيسبب ذلك حرارة. هذه الحرارة تؤثر في عطب هذا النبيذ، تؤثر في تعجيل عطب هذا النبيذ. وعند ذلك يتعجل انتقاله إلى مرحلة «الإسكار». فلأجل هذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نبذ الجنسين المختلطين، كما جاء في حديث جابر الذي أشار إليه. وجاء معناه في حديث أبي قتادة كذلك الذي أشار إليه. وحديث كثيرة أشار إليها، بعضها في الصحيحين، وبعضها في أحدهما، وبعضها خارج الصحيحين. كلها تؤيد هذا المعنى. وأشار في الشرح لكلام الإمام النووي -رحمه الله- أنه قال: «ومذهب الجمهور: أن النهي في ذلك للتنزيه لا للتحريم، وإنما يحرم إذا صار مسكرًا، ولا تخفى علامته»، يعني: لا يصل إلى مرحلة «الإسكار» إلا وقد ظهرت عليه علامات، إلا وقد ظهرت عليه علامات. إذن: الذي يحرم هو انتقاله إلى تلك المرحلة. طيب: إذن ماذا نقول عن هذه الأحاديث؟ الجواب: هذه الأحاديث تفيد «الكراهة» -كما تقدم-. «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». يكره نبذ جنسين مع بعض. فإن احتاج إلى ذلك، فليحذر وينتبه حتى لا يصل الأمر إلى «الإسكار»، فيكون بذلك حصول الوقوع في المحرم. ولكن الصحيح في هاتين المسألتين -وهذا أمر سيأتي التنبيه عليه- أن المحرم ليس الوصول إلى «الإسكار»، بل مرحلة هي قبل مرحلة «الإسكار»، مرحلة هي قبل مرحلة «الإسكار». وهي مرحلة «الفوران»، وأن يكون قد «نشى» -ينش- النبيذ، إذا بدأت فيه الفقاقيع، وبدأ يفور. فإن تلك المرحلة مرحلة «التحريم» -كما سيأتي- إن شاء الله. دليله. ثم قال -رحمه الله-: «ويحرم تخليل الخمر». ومعنى ذلك: إذا وجد «خمر» فلا يجوز أن يحول «الخمر» إلى «خل». وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس -رضي الله عنه- أنه سئل عن «الخمر» تتخذ «خلًا». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا». وقد أشار -رحمه الله- إلى هذا الحديث، وأنه رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وأصله في صحيح مسلم. وقد جاءت في الباب أحاديث بهذا المعنى كثيرة، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو معناه صحيح، وإن كان في إسناده ضعف. لكن هذا المعنى صحيح -بلا شك-. فلا يجوز تخليل «الخمر»، أي: أن يحول «الخمر» إلى «خل». وهنا تأتي مسألة اختلف فيها أهل العلم: أن يصنع «الخل» من النبيذ مع مروره بمرحلة «الخمر» -ليس تعمدًا- هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ اختلف فيه أهل العلم. والصحيح: أن الأحوط -على أقل الأحوال- اجتناب هذه الصورة والكيفية. بل بعض العلماء نص على «التحريم». فإن قال قائل: كيف الحل؟ الجواب: ذكر العلماء طرقًا. ومن أسهل وأيسر هذه الطرق: أن يوضع في النبيذ ابتداء شيء من «الخل». إذا وضع في النبيذ ابتداء شيء من «الخل» فإنه لا يمر بمرحلة «الخمر»، لا يمر بمرحلة «الخمر». وقد ذكر أهل الخبرة، ونقل ذلك عدد من أهل العلم: أن «الخمر» يمر بخمسة مراحل. المرحلة الأولى: إذا عصر من الثمرة يسمى «عصيرًا». إذا عصر من الثمرة يسمى «عصيرًا». وإذا ترك هذا العصير، أو وضعت الثمرة في الماء، هذه المرحلة الثانية، وهي مرحلة «النبيذ». مرحلة «النبيذ». والأول والثاني: حلال. والمرحلة الثالثة: أن يصل هذا النبيذ إلى مرحلة «الفوران»، وأن «ينش»، يبدأ يفور، تطلع فيه الفقاقيع، وينش. وهذه المرحلة مرحلة الانتقال من «النبيذ» إلى «الخمر». القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه يحرم -كما سيأتي- التنبيه عليه في الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. ولهذا جاءت الأحاديث -كما تقدم- بالنهي عن الانتباذ في الأوعية التي تغير النبيذ سريعًا، وعن خلط الجنسين. لماذا؟ لأنه إذا وصل إلى «الخمر» يعرفه كل الناس. لكن وصوله إلى مرحلة «الفوران»، وأن يكون قد «نش»، هذه المرحلة قد تخفى على بعض الناس. وهذا يؤيد ويؤكد أن المحرم هذه المرحلة. ونظائر هذا كثير في تحريم الوسائل المفضية إلى «الحرام». فتحريم هذه المرحلة؛ لأنها مرحلة تفضي إلى ماذا؟ تفضي إلى «الحرام»، فهو محرم. ومن باب أولى المرحلة الرابعة من مراحل «الخمر»، وهو ما أسكر وصار «خمرًا»، فهذا كذلك حرام باتفاق. وأما المرحلة الخامسة فهي مرحلة «الخل»، أن يصير «خلًا»، أن يصير «خلًا». هذه خمسة مراحل يمر بها «الخمر». فهنا حرم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهى عن تخليل «الخمر». إذا معك «خمر» لا تقول: أريد أن أتوب إلى الله، سأحوله إلى «خل». لا، لا يجوز. وحديث ابن عمر في الصحيح، وحديث أنس في الصحيح. ومعنى ذلك كذلك جاء عن غيره. جاء من حديث ابن عمر حين نزل تحريم «الخمر»، ماذا صنعوا بالخمور؟ هل حولوها إلى «خل»؟ لا، كبوها في الطرقات. كبو القدور حتى امتلأت الطرقات بـ«الخمر». حتى امتلأت الطرقات. مع أنهم في حاجة وفي فقر. لو كان يجوز أن يحول إلى «خل» لكان يحول إلى «خل». لكنه لا يجوز. وأما أن يحول النبيذ إلى «خل» ويمر بمرحلة «الخمر»، فهذا فيه خلاف. والصحيح: أنه لا يجوز -على أقل الأحوال- أنه شبهة، فيحترز ويعمل بما لا يمر به بمرحلة «الخمر»، مثل أن يوضع في أوله «خل». فإذا وضعت في أوله «خل» فإنه لا يمر بمرحلة «الخمر»، لا يمر بمرحلة «الخمر». قال -رحمه الله تعالى-: «ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه». وقال: «ومظنة ذلك بما زاد على ثلاثة أيام». معنى ذلك: ذكر توقيت حرمة «الخمر»، النبيذ الذي يتحول إلى «خمر». وأشار في الشرح إلى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه، وقبله عدد من أهل العلم. وأشار إليه -رحمه الله-. وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى هذا المعنى، حيث قال: «ثم أتيته به، فإذا هو ينش»، يعني: يغلي ويفور. قال: «اضرب بهذا الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر»، يعني: بدأ في الوصول إلى مرحلة التخمير، فهو لا يحل ولا يجوز، فهو لا يحل ولا يجوز. وهي المرحلة كم من مراحل «الخمر»؟ الثالثة. هي المرحلة الثالثة: أن «ينش» -بكسر النون-، يعني: أن يصل إلى مرحلة «الغليان» و«الفوران»، تطلع فيه شيء من الفقاقيع، وتكون له رائحة معروفة، وهكذا كذلك أثر لاذع قوي على اللسان. فإذا ظهرت هذه العلامات الثلاث، وأقواها والمقصود هو أن «ينش»، يعني: يغلي. فإذا كان كذلك فيحرم ولا يجوز. وأشار بالحديث الذي بعد حديث ابن عمر: أن الغالب أنه «ينش» بعد ثلاثة أيام، في اليوم الثالث. بعد اليوم الثالث هذا هو الغالب. ولكن هذا ليس مضطردًا، هذا الأمر ليس بمضطرد؛ لأنه قد يزيد أو ينقص بحسب تأثير الحرارة عليه. فقد يقعد في اليوم في الثلاجة أكثر من أسبوع ولا يتغير -ممكن- أو غير ممكن -ممكن-. فإذا ظهر أثر التغيير فلا يجوز ولو قبل ثلاثة أيام. فالضابط هو أن «ينش». فإذا وصل إلى هذه المرحلة فلا يجوز. وأشار إلى حديث ابن عباس، وفيه ما تقدم. ولكن العبرة -كما تقدم- بهذا الضابط. وأما ما جاء: أنه عليه الصلاة والسلام يجعله لخادمه بعد الثلاث، فهذا يحمل: أنه لم يصل إلى مرحلة بداية السكر، وإنما لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يحبه. وقد بدأ فيه أثر التغيير، وإن كان لا يحرم. فعند ذلك يتركه. وما دام أنه يستطيع أن يشربه إنسان أولى من أن يرمى. فيعطى الإنسان مثلًا طعامًا ملموسًا، وأنت عندك طعام آخر غير ملموس. أردت أن تأكل من الطعام غير الملموس. تعرفون «الملموس» يعني الباقي عندك باقي الطعام من الغداء إلى العشاء. وجاءك بالعشاء طعام آخر جديد. فقد لا تحتاج الطعام الغداء الباقي. فتعطيه لمن يحتاجه. إعطاءك لغيرك لا يعني أنه ماذا؟ أنه حرام. لا يعني أنه حرام. وهكذا يقال هذا المعنى في إعطائه لمن يشربه. طيب: نكتفي بهذا القدر إلى هنا. والله تعالى أعلم.