الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 11، 16-شح المرء بدينه حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر . 17-طلب العلم . 18-نشر العلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح حديث أنس بن مالك حول حلاوة الإيمان ومراتبها، ويبين علاماتها وأهميتها في حياة المسلم. يشير إلى أن من علامات حلاوة الإيمان حب الدين أكثر من الدنيا والرضا بالله وبدين الإسلام وبنبيه.
يبرز أهمية طلب العلم في الإسلام كجزء من شعب الإيمان، ويشمل ذلك معرفة الله ودينه وعلم النبوة، مع التأكيد على إصلاح النية في طلب العلم. يُعد طلب العلم وسيلة للعمل الصالح ومرتبطًا بتحقيق الإيمان.
يناقش أهمية نشر العلم وفضائل مجالس العلم، ويحذر من العمل بغير علم، مشيرًا إلى أن نشر العلم واجب في بعض الأحيان وأنه سبب للوصول إلى الجنة. كما يحذر من عواقب العمل بغير علم وأمثلة على ذلك من أحوال الأمم السابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادس عشر من شعب الإيمان شح المرء بدينه حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر. قال لحديث أنس المتفق عليه: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ثم قال: وأن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه. ولحديثه أيضًا -يعني أنس رضي الله عنه- في صحيح مسلم: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء رجلٍ لا يخاف الفاقة -يعني الفقر والنقص-. فقال أنسٌ: وإن كان الرجل يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا بما فيها. ولفظة "أعز" ليست بصحيح مسلم، ولكنها صحيحة في مسند الإمام أحمد في نفس الحديث. وهذه شعبة أخرى من شعب الإيمان، فقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس المتفق عليه الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله، فإنها أحد أمورٍ ثلاث يكون بها حلاوة الإيمان. وحلاوة الإيمان هي التلذذ بالطاعات والصبر على المشقات، فإذا وجد الإنسان حلاوة الإيمان بما حقق من خصال الإيمان، يجد للطاعات لذة، ويجد على المشاق صبرًا، بل يجد في صبره على هذه المشقات راحة، ولا يكاد يجد هذه الراحة حتى يصل إليها. انظروا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أرحنا بها يا بلال". فهكذا أهل الإيمان لا يجدون الراحة إلا بهذه الطاعات، ولو كان فيها ما كان من المشقة، بخلاف المنافق كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، فتثقل عليهم الطاعات، ولا يجدون لها حلاوة، ولا يطعمون لها لذة. ويحصل هذا بأمور، من أعظمها تحقيق الرضا بالله جل وعلا، وبدين الإسلام، وبمتابعة النبي عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب، قال عليه الصلاة والسلام: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا". فمن يريد أن يذوق طعم الإيمان، فليحصل الرضا -رضا القلب واللسان والجوارح- بالله ربا، فيحقق معنى الربوبية، وبالإسلام دينا، فيحقق معاني الإسلام في قلبه وفي لسانه وفي جوارحه، ويحقق معنى الشهادة بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم بقلبه وبلسانه وبجوارحه. ولا شك أن ذلك يريد جهدا عظيما من العلم والعمل، فإذا حرص فإنه بعد ذلك سيجد الثمرة من أن يذوق طعم الإيمان وحلاوته ولذته. وفي هذا كذلك الحديث حديث أنس التنبيه إلى أن من علامات حلاوة الإيمان أن يكون المرء أحب شيء إليه هو ما عند الله من دين الله جل وعلا، والتمسك به وطلب رضاه. ولهذا قال: "أشح المرء بدينه حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر". وهذا في الحقيقة يتحقق متى إذا قوي الإيمان، إذا قوي الإيمان فإنه لا يبالي أن يصيبه ما يصيبه، ما دام في مرضات الله. كما وقع للصحابة رضي الله تعالى عنهم حين ابتلوا بما ابتلوا، لم يجدوا في ذلك بأسًا، ولا كذلك استشعروا له ألمًا، ما دام في ذات الله، ما دام في ذات الله سبحانه وتعالى. ربما الإنسان لا يصبر إذا كان الأمر للدنيا، وأما إذا كان في ذات الله جل وعلا، فإنه يكون عليه يسير، ويوسره الله عز وجل. انظروا كيف أن بعض الناس إذا تشاغل قلبه بشيء شغله ذلك عما يلقاه من أذى، كما يذكرون في أحوال العشاق والمحبين، ويذكرون في هذا عجائب. فإذا كان هذا في حب الدنيا الزائل، ربما يأخذ الإنسان الجمرة ولا يشعر بها، وربما يشرب الحار ولا يشعر به، أو يصبر على الرمضاء ولا يشعر به. فكيف في ذات الله عز وجل ومرضاته؟ فهذا أعظم وأعظم. وفي حديث أنس الآخر كذلك هذا المعنى، إذ أن الأمر يبتدئ أول ما يبتدئ بهذا المعنى نية لغير الله، فإذا دخل الإيمان بشاشة القلوب، فإنه يكون على المعنى المتقدم في الحديث الذي قبله، حتى يكون دين أحب إليه وأعز من الدنيا بما فيها. وفيه كذلك تربية لنا أن هذا الدين مراتبه كالسلم، كل ما سار فيه صعد درجة، حتى إذا وصل إلى الدرجات العلى تغير حاله، وحصل له من اليقين والخير ما لا يعرفه من نفسه في أول أمره. ولهذا إذا أراد الإنسان أن يعرف حال نفسه وتقدمها في الخير وعدمه، ينظر إلى حال نفسه مع ما كان من قبل، فإن رأى أنه في دينه إلى الأفضل، فهو بإذن الله على خير، أو كان غير ذلك، فهو على خطر، والأعمال بالخواتيم. وفيه دليل كذلك على تأليف المؤلفة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ألف المؤلفة وأعطاهم شيء من الدنيا ليكون عونا لهم في إصلاح الآخرة. واستدل العلماء بهذا المعنى كذلك فيما سواه من تأليف الناس بحسب أصنافهم على الطاعات، فيؤلف الطفل على حب العلم بشيء من العطاء، كما يؤلف العامة بشيء من الصدقات، ويؤلف كذلك ربما بعض أصناف الناس بأنواع من معاني التأليف بحسبه. ولا ينافي ذلك الإخلاص لله عز وجل، بل إذا كان تحت رعاية من له معرفة بالعلم والعمل، فإنه بإذن الله يعين هؤلاء على إصلاح نياتهم فيما بعد. وهذا الذي وقع لكثير من الناس حين تألفهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: السابع عشر من شعب الإيمان طلب العلم. قال: وهو معرفة الباري تعالى وما جاء من عند الله، وعلم النبوة، وما يميز به النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره، وعلم أحكام الله تعالى وأقضيته، ومعرفة ما تطلب الأحكام منه كالكتاب والسنة والقياس وشروط الاجتهاد. والقرآن والحديث مشحونان بفضيلة العلم والعلماء. وهذا كذلك موضع آخر من مواضع شعب الإيمان، وهو طلب العلم، إذ أدلة الكتاب والسنة دلت على أن العلم من شعب الإيمان بدلالة اللفظ ودلالة كذلك المعنى. وسيورد إن شاء الله عددا من الأدلة وغيرها كثير في أدلة الكتاب والسنة. وقوله: وهو معرفة الباري تعالى وما جاء من عند الله علم النبوة، هذا هو حقيقة العلم، فالعلم ليس استكثار المعلومات، ولكن العلم هو ما يوصلك إلى معرفة خالقك وباريك وربك الذي تعبده سبحانه وتعالى. وما جاء من عند الله أي دينه جل وعلا، وبه تعرف أن العلم المقصود منه هو ما عند الله هو ما عند الله مما يكون به إصلاح نفسك في الدنيا أو في الآخرة. وعلم النبوة وما يميز به النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره يعني من العلم الذي جاء به وما يوجبه ذلك من اتباعه والإتساء به عليه الصلاة والسلام. وبهذا يعلم كذلك أهمية إصلاح النية في العلم، فطلب العلم فضيلة عظيمة، وكذلك طاعة جليلة وعبادة من العبادات الرفيعة، لكنه ليس غاية بل هو وسيلة، والعمل غاية. وكما قيل: هو شجرة والعمل ثمرة، فلا ينبغي أن ينسى هذا الأصل العظيم طالب العلم، بل ينبغي أن ينتبه ويستحضر في كل وقت وحين أن العلم إنما هو وسيلة والغاية هو العمل، فيصلح نيته ويستعين بالله في طلب ما عنده. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات". وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك التحذير أن يتعلم المسلم العلم يبتغي به غير ما عند الله وغير وجه الله ليماري به السفهاء ويماري به العلماء ويجاري به السفهاء ويصرف وجوه الناس إليه، فإذا كان كذلك كان وبالا عليه والعياذ بالله. قال رحمه الله: في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه بالدنيا والآخرة، ومن ستر مسلم ستره الله بالدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله وتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله في من عنده. ومن بطى به عمله لم يسرع به نسبه. وهذا حديث آخر عظيم فيه مسائل عديدة وفوائد كثيرة، ولكن ما يتعلق بهذه الشعبة وهو طلب العلم، قوله: ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. فسلوك طريق العلم سبب للوصول إلى الجنة، فكأنه قيل لك: يا أيها المسلم أتريد طريق الجنة؟ طريق الجنة أن تأخذ بطرفه في الدنيا وهو طريق العلم، فخذ بطريق العلم في الدنيا فستصل بإذن الله إلى الجنة في الآخرة، فبابه العلم وأوله العلم وطرفه بالدنيا العلم. فالعلم مفتاح ومبتدأ طريق الجنة، وهذا الدين بحد ذاته هو من العلم الذي بعث به نبينا صلى الله عليه وسلم، والناس من مستقل ومستكثر، فمن حرم هذا الدين قد حرم العلم، ومن أخذه بجهل حصل له من التخبط ما قد يحرمه خير حسن العاقبة، ومن أخذه ببصيره وعلم وفقه الله لإصلاح دنياه وأخراه. ولهذا كان سلوك طريق العلم سبب لسلوك طريق الجنة والوصول إليها بإذن الله تعالى. وفي آخره فضيلة مجالس العلم، وهذه الجوائز الأربع التي جعلت لأهل العلم ولمجالس العلم، ففي هذا فضل مجالس العلم وفضائل العلم كثيرة. قال رحمه الله: الثامن عشر من شعب الإيمان نشر العلم، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنُنَهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، ولحديث أبي بكرة رضي الله عنه بالصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "ألا ليبلغن الشاهد منكم الغائب، أو ألا ليبلغن الشاهد منكم الغائب، فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه". وحديث أبي هريرة في سنن أبي داود: من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من النهاية يوم القيامة. وهذه كذلك شعبة أخرى من شعب الإيمان، وذلك أن من شعب الإيمان نشر العلم، فبنشر العلم ينشر هذا الدين. وبعض أهل العلم أدخل هذه الشعبة في التي قبلها، ولكن بعض أهل العلم فصل لورود الأدلة الخاصة به، فنشر العلم من الأمانة التي تعلقت بحملته، وكذلك من الواجب الذي يجب على هذه الأمة وجوبا كفائيا، إذا قام به البعض سقط عن الكل، وإلا أثم الجميع. ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، فأمر أن ينفر من كل طائفة فرقة ليتفقهوا بالدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، فهو من فروض الكفايات التي فرضها ربنا جل وعلا على أهل هذا الدين. بل نشر العلم قد يكون واجبا عينيا في بعض المواضع، قد يكون واجبا عينيا في بعض المواضع بحسب هذا الذي عنده العلم وحاجة المتعلم، كالولد مع أبيه، وكذلك كالراعي مع رعيته، إذا كان عنده علم. وكالعالم مع جماعته، فإنه يترتب عليه إذا لم يكن هناك من يعلمهم غيره من الوجوب العيني ما لا يترتب على غيره. وقد نص العلماء على معنى ذلك فيعلم أنه ليس فقط على كل حال وحين من فروض الكفايات. ثم أشار إلى حديث أبي بكرة والمقصود منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتبليغ العلم وتأذيته إلى من بعدهم، لأن ذلك مما أمره الله وبه حفظ هذا الدين. وهكذا حديث أبي هريرة فيمن كتم شيئا من العلم أنه يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وهذا كذلك يدل على وجوب هذا المعنى وأنه من شعبي الإيمان التي لا يتم الإيمان إلا بها. قال وروى البيهقي بإسناده عن الإمام عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله أنه قال: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وصدق رحمه الله، هذه كلمات بليغات من هذا الإمام. من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، معناه ليس المقصود أن تعلم، بقدر المقصود أن تعمل، ففي هذا إشارة إلى العمل بالعلم، فإنك إذا لم تفعل ولم تعمل بعلمك كان العلم حجة عليك، فقوله: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، لأنه إذا لم يعمل كان ما يتكلم به حج على نفسه، حج على نفسه، فتكثر بذلك خطاياه بكثرة الحجج على نفسه. ثم هو يأتي سيئة بعدم العمل بالعلم، وهذه خطايا أخرى، وثم هو ينقض بهذا هيبة العلم، فكأنه يقول للناس: أنا أدعوكم بلساني وأطردكم عن العمل بهذا الدين بماذا؟ بفعالي وعملي، وهذه كلها خطايا. ومن ذلك كذلك أن يحرص حامل العلم على ترك الشدائد -شذود الأقوال والأفعال- ومسائل الشهرة، فإنها سبب لإضلال الناس وفتنتهم وتشويه هذا الدين وجماله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن منكم لمنفرين". وكما يروى عن بعض أهل العلم: زلة العالم يضرب لها الطبل، زلة العالم يضرب لها الطبل، يعني أنها تشهر، فيكون سببا لإضلال الناس وتشويه جمال هذا الدين. وقوله: ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وهذا حال العباد، الأول حال العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والثاني حال العباد الذين عبدوا الله بجهل، فمن كان كالأول تشبه بظلال اليهود من علماء السوء فيهم، ومن كان حاله كالثاني فهو كعباد النصارى الذين عبدوا الله على جهل، وكلا الأمرين مذموم.