الدرس في صفات الداعية الناجح ومهاراته، والتي كانت بمعهد السنة بمدينة ماكاسر باندنونيسيا يوم الأربعاء 21 محرم 1447هـ الموافق 16 يوليو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الداعي إلى الله يجب أن يتحلى بصفات الأنبياء والرسل، وأن يكون قوي الإيمان والعلم. يجب أن يعرف قدر المسئولية ويجتهد في عمله.
يجب على الداعي أن يتدرج في طلب العلم مع الاهتمام بالعلوم الشرعية. كما يجب أن يسعى لتحقيق الاكتفاء المالي من خلال كسب حلال.
يُنصح بوجود هدف والاستعانة بالناس مع التأكيد على الإخلاص وتقوى الله. يُشدد على ضرورة الجمع بين الجانب الدعوي والأكاديمي.
يشجع على السعي للتعلم والاستفادة منه لنفع الفرد والمجتمع. يختتم بالتأكيد على أهمية هذا السعي وبالصلاة على النبي محمد.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما نحمد سبحانه الذي أنعم علينا بهذه المجالس العلمية الطيبة المباركة، وهذه الدورة النافعة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها، وأن يجزي كل من كان سببًا في وجودها ونجاحها واستمرارها خير الجزاء. أيها الأحبة، اقترحت إدارة الدورة في هذه اللحظات أن تكون مذاكرة تنفع طالب العلم الداعي إلى الله، واقترحت أن يكون موضوعنا الذي نتذاكر فيه هو صفات الداعي إلى الله الناجح ومهاراته. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أي لا أحسن من هذا العمل، فهذا العمل هو أحسن الأعمال وأفضلها وأرقاها وعلاها. كيف لا وهي طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؟ ولنا فيهم عظة وعبرة، وكفى بهم كذلك شرفًا وفضلًا. «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فالعلماء والدعاة إلى الله ورثت الأنبياء، وكفى بهذا الشرف شرفًا. إلا أننا ينبغي أن نعلم أن هذه المهمة العظيمة وهذا الشرف الكبير يحتفي به من التكليف ما هو أعظم من التشريف. ولذلك ينبغي أن نراعي ما فيه من التكليف والأمانة التي يتحملها الداعي إلى الله وحامل العلم. أول هذه الصفات أن يتحلى بصفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، لأنه يسير بسيرهم. وكذلك أن يعرف قدر المسئولية التي يحملها، وهذا يدعوه إلى أن يجد ويجتهد، وأن يحرص على الوصول إلى أعلى المقامات والدرجات. ممكن أن يجمل هذا بصفتين اثنتين: الصفة الأولى قوته الإيمانية، والصفة الثانية قوته العلمية. قوته الإيمانية تمده بمدد الله سبحانه وتعالى وتأييده ونصره الذي به تكون قوته الحقيقية. وقوته العلمية تعينه على النجاح فيما يحمل من مسئولية وأمانة. ينبغي للداعي إلى الله أن يتحلى بصفات أهل الإسلام الكرام من العمل الصالح والأخلاق الكريمة والآداب المستقيمة التي كان عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام. «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». فكيف في الداعي إلى الله وحامل هذه الأمانة؟ فإنه ينبغي أن يبذل أكثر من هذا وأعلى، وتكون حياته كلها لله بالإقبال على هذا الهدف الأسمى والمطلب الأعلى. التدرج في طلب العلم مثل بناء الأساس المتين للبناء الكبير. لا يمكنك أن تبني بناء كبيرًا بأساس هش، لابد أن يكون عندك أساس قوي متين تستطيع أن تبني عليه ما فوقه. اعتني بالعلوم الشرعية، ودخل فيها في جميع أبوابها. اعتني بعلوم التوحيد والعقيدة بكتبها ومباحثها، فابدأ بالكتب الصغار وأتقنها، وتدرج حتى تصل إلى الكتب الكبار. إذا فتح الله عز وجل عليك، فإنك تستفيد من خلال مذاكرة ما قرأت في وقت فراغك بسماع الصوتيات. والحمد لله اليوم وسائل ذلك كثيرة. لا تجعل لنفسك وقتًا للفراغ، والداعي إلى الله يجتهد في التعلم بالحضور عند من هو أعلم منه، وهكذا بمراجعة ما تعلمت. وهكذا بمصاحبة ذلك بسماع صوتيات العلماء فيما تدرس وفيما تراجع. هذا يعطيك تمكنًا في هذه المعلومات، ويجلب لك من الأسئلة ما يزيد كذلك تعمقك ودقتك وإتقانك لما تتعلم. الرحلة في طلب العلم تعطيك من الفوائد الكثيرة التي يفوق أخذك لطلب العلم في المكان الذي أنت فيه. من هذه الفوائد التفرغ من الشواغل، ومن هذه الفوائد أنك تلتقي بأناس يزيدونك من المعارف والقوة العلمية والعملية ما لم تجد مثلهم في المكان الذي أنت فيه. اعتني بطلابك، تفرس في الأذكياء منهم أن تعطيهم الوقت الأكثر، لأنهم سيكونون سندك في الدعوة إلى الله، وسيكونون عونك في بلدك. اجعل لوقتك وقتًا لمخالطة العلماء بين الحين والآخر، تجلس في مراكزهم وتقرب من دروسهم لتستفيد من علومهم ومن أخلاقهم ومن هديهم وسمتهم ما يعينك على ترشيد دعوتك وإصلاح سيرك. تحاول أن تجعل لنفسك سبيلًا للتكسب يغنيك الله عز وجل بهذا الحلال عن الحرام. فاليد العليا خير من اليد السفلى. اجعل لك سببًا للتكسب، لا تتكسب بالدين ولا تتكسب بالعلم. كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأكلون من كسب أيديهم. كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري وغيره: «ما من النبي إلا رعى الغنم»، قالوا: «ولا أنت؟ قال: حتى أنا، فقد رعيته على قراريط لأهل مكة». في الحديث الآخر: «اليد العليا خير من اليد السفلى». حاول تتكسب وتجعل لنفسك سبيلًا لإغناء نفسك وأسرتك. أسباب التكسب كثيرة، تستفيد من أهل الخبرة في هذا المجال. اجعل لنفسك وقتًا يسيرًا يغنيك الله عز وجل فيه بالحلال عن الحرام. من أسباب النجاح كذلك أن تحرص على أن تكون لك أهداف. الناس اثنان: إما صاحب هدف، أو خادم هدف. وكن صاحب هدف، تستعين بالناس يخدمونك في الوصول إلى الهدف في الدين أو في الدنيا. اجعل لنفسك مهارات تقوي جانبك العلمي والدعوي. تستعين ببعض أهل الخبرة أن تطور مركزك باجاد الوسائل المساعدة لتطوير الدعوة. كونك تكفي نفسك وتتصدق خير من أن تنتظر الصدقة من الناس. وسترى أن هذا باذن الله سبحانه وتعالى كذلك من أسباب النجاح ما دمت لا تحتاج ولا تسأل. نحذر مما ينافي الصفاء العلمي والصفاء العملي الذي ينبغي أن يكون عليه الداعي إلى الله السني السلفي. فلا تتساهل في التعامل مع أهل البدع أفرادًا وجماعات، لأنهم يحطمونك ويحطموا دعوتك. ينبغي أن نجمع بين الجانب الدعوي الذي يكون من طريق المساجد ودور الحديث ودور العلم والمشايخ، وبين الجانب الأكاديمي. الجانب الأكاديمي في عصرنا هذا مهم. من فوائده أنك تكتسب من المعارف ما يضيف ما عندك من المعارف زيادة خير. ولا أحد يزهد في زيادة الخير والعلم. الدراسة الأكاديمية فيها من الترتيب والاطلاع على جوانب تربوية وجوانب معرفية قد لا تجدها عند المشايخ وفي المساجد. فالجمع بين الأمرين فيه فوائد، منها حماية دور الحديث ومراكز العلم من أن يتعدى عليها أحد. مما ينبغي أن نعتني به وهو من أهم الأمور وأعظمها، والفارق بين الصادق والكاذب، وكذلك الموفق وغير الموفق، الاعتناء بالإخلاص وتقوى الله سبحانه وتعالى. «تقوى الله وحسن الخلق» إذا اتقينا الله عز وجل في دعوتنا، في طلبنا للعلم، في عملنا بالعلم، في معاملتنا لأنفسنا وأبنائنا وأسرنا وإخواننا ومن معنا في دعوتنا، بإذن الله تعالى سيأتي كل خير ونجح. أما إذا لم نراقب الله ولم نتق الله سبحانه وتعالى، سيأتي من حضوظ النفس من العجب والخيلاء والكبرياء والأخلاق الذميمة ما هو سبب للفشل وحصول النزاع والخلاف والصراع وغير ذلك. الله عز وجل يقول: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم». قوتكم القوة سبب النجاح، إذا تعاوننا وتأخينا جاءت القوة وجاء الخير. كيف يكون التعاون والتأخي إذا لم يكن تقوى لله عز وجل؟ إذا كان هناك تقوى لله عز وجل، فأنت لا يضرك أن أتى النجاح على يدك أو على يد غيرك. نصيحة لمن يدرس الفقه بطريقة تمذهب، أنصح به أن يدرس الفقه المقارن. وهناك مختصرات مثل «منجح السالكين» للسعدي، مثل «الدرر البهية» شرحها «الدراري» للشوكاني. متى يصلح لطالب العلم أن يرحل بعد أن يأخذ العلم الذي في بلده؟ إذا انتهى من أخذ العلم الذي في بلده يبدأ بالرحلة. سدد وقارب، وحاول أن تستجلب إلى بلدك من هو أهل. وإذا استطعت أن تستجلب إلى بلدك من هو أهل، اذهب أنت وتعلم حتى تنفع نفسك وتنفع مجتمعك. وبهذا القدر أكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.