المحاضرة بعنوان تربية الأبناء على ضوء الكتاب والسنة، والتي كانت بمعهد السنة بمدينة ماكاسر باندنونيسيا يوم الأربعاء 21 محرم 1447هـ الموافق 16 يوليو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أهمية تربية الأولاد في الإسلام واعتناء الدين بذلك من خلال توجيهات القرآن والسنة، ويشير إلى أن صلاح الأبناء يعد صلاحًا للمجتمع. كما يوضح أن الأبناء محل فتنة ومسؤولية على الآباء والأمهات.
يجب على الآباء والأمهات الحرص على تربية أبنائهم تربية صالحة بإقبالهم على المساجد وتعلم العلم والإيمان، واختيار الزوج والزوجة الصالحين، والمراقبة المستمرة للأبناء لحمايتهم من الضلال.
يُناقش أسباب صلاح الأبناء مثل اختيار الزوج الصالح، وصلاح الآباء، والحرص على الأذكار الشرعية، وانتقاء الصحبة الصالحة للأبناء، وملء أوقاتهم بما ينفعهم، مما يسهم في تربيتهم تربية صالحة.
يجب على الآباء وضع خطة لتربية أبنائهم وتتابعهم بدقة، كما أن الدور المباركة ودور العلم تلعب دورًا هامًا في إصلاح الأبناء وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة، لتحقيق النتائج المرجوة.
أليس طيبة المباركة في هذه الدورة المكثفة بهذا المركز من مراكز العلم، وفي مسجد من مساجد السنة، نجتمع لا لأحساب ولا لأنساب ولا لأعراض ولا لأغراض، ولكن نرجو ما عند الله سبحانه وتعالى؟ ومجلسنا هذا، كما قرر في هذه الدورة المباركة، أن يكون مجلسًا في الكلام على تربية الأولاد على الكتاب والسنة. تربية الأولاد، أيها الأحبة، موضوع من أعظم المواضيع، لطالما شغل الكثير من الآباء والأمهات، بل وشغل الكثير من المصلحين والمصلحات، وشغل كذلك كل غيور، وكذلك متحمل للمسؤولية في أي جهة من الجهات، سواء أكان في جهات تربوية أو تعليمية أو اجتماعية أو غيرها من الجهات المتنوعة الكثيرة. لأن الأبناء في الحقيقة هم لبنة بناء المجتمع، فالمجتمع آباء وأمهات وأبناء، فجيل اليوم هم آباء وأمهات المستقبل. فلذلك الاعتناء بهم أو إهمالهم علامات تدل على مبشرات أو محذرات، إذ صلاحهم صلاح للمجتمع في مستقبله وحاضره، وفسادهم وانحرافهم فساد وانحراف للمجتمع في حاضره ومستقبله. ولذلك اعتنى الإسلام لتربية الأبناء اعتناءً عظيمًا، فتجد في كتاب الله عز وجل من الآيات الكثيرة التي يخبرنا الله عز وجل فيها أمر الأبناء والاعتناء بهم ورعايتهم، وأداء ما يجب من حقوقهم، ما يدلنا على عظيم منزلتهم في هذا الدين. كذكر حال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في صلاح أسرهم وأبنائهم، كما أخبرنا الله عز وجل في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام مع إخوته وحال أبيهم معهم. وكما أخبرنا الله عز وجل في قصة نوح مع ولده، وما أخبرنا الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذلك مع ولده، وغير ذلك مما هو في كتاب الله عز وجل من أخبار قصص الأنبياء والصالحين فيما يتعلق بإصلاح الأبناء. وتارة بذكر عظم المسؤولية والأمانة المتعلقة بتربية الأبناء، فقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، ومعناها: لا يكفي أن تنجي نفسك من النار، بل لا بد ويجب عليك أن تبذل الأسباب لنجاة أهلك وأسرتك وأبنائك، وهم واجبان اثنان: واجب يتعلق بإصلاح نفسك، وإن جائها من النار، وواجب يتعلق بمن تحت يدك ممن ولاك الله عز وجل رعايته من الأهل والأبناء. وهكذا كذلك تارة بذكر حال الفتنة بهم، فإن الأبناء والزوجات محل فتنة يمتحننا الله عز وجل بأن نطيع الله عز وجل فيهم، وأن لا تغلبنا العاطفة فيجرون بالعاطفة إلى غير الطريق السوي، بل وربما الأمر يكون أعظم من ذلك، فإن العواطف إذا لم تضبط صارت عواصف، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، و﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾، وهم محل فتنة، وهم العداوة إذا لم يضبط الإنسان هذه العواطف، إن قلبت عواصف وصارت سببًا لخسارة الدنيا والدين. وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه»، ومعناه: بما يكون من حرص الآباء والأمهات أو إهمالهم أو ضلالهم يكون حال الأبناء. فإن الأب إذا صلح، أصلح الله عز وجل له ذريته، فهكذا الأم، وإذا فسد، فسدت ذريته، وإذا أهمل، سرقت منه ذريته. وفي حديث ابن عمر في الصحيح كذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»، وذكر الرجل، قال: «والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته». هذه الرعاية أمانة عظيمة. إذا كان راعي الغنم إذا استؤمن على غنم بهائم ولم يؤدي حقها، فنام تحت شجرة فأكلت ذئب بعضها، أو أهملها فأكلت من الشجر ما يضرها، أو سقطت من سفح جبل أو غير ذلك، لكان مفرطًا في هذه الأمانة. وهي بهيمة، والأبناء عنده من حسن السريرة وسلامة الصدر والنية، ما قد تسرق براءته من خلال سرقة الفضيلة ورفقاء السوء الذين يتتبعون فلتات الكثير من الأسر. فإن الكثير من الأبناء طاروا ضحية الذئاب البشرية الذين انتشروا في المجتمع، فما أن يروا أسرة فيها شيء من الإهمال والتفلت والتفكك، إلا وبادروا بسرقة فلذات الأكباد، يأخذونهم إلى الطريق غير السوي، فيكونون من جنود إبليس. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول، كما في السنن، من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب. فهل تفتش يا أيها الأب، وهل تفتش يا أيها الأم، فيمن يصاحب هذا الابن أو تلك البنت؟ هل تفتش مع من يذهب ويرجع، مع من يجلس ويصاحب؟ هل فتشت في جوال ابنك أو ابنتك من الذي يراسل، ومن الذي يتواصل، ومن الذي يصاحب؟ وما أكثر الصاحب الساحب. وأنتم ترون هذه الموجة الشرسة التي تهجم على شبابنا وفتياتنا، وتأخذهم إلى طريق الانحراف، لم يقف الأمر إلى التفلت من ثوابت الدين وآدابه، بل وصل الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك: السقوط في مستنقعات الرذيلة والاستخدام في طريق الفحش والشر. صارت المخدرات منتشرة في كثير من مدارسنا وأماكن اجتماع أبنائنا، وهذا لا يخفى على أحد. صار الأبناء محل استهداف من قبل العصابات وأرباب الشر، لعلمهم كيف يصطادون، ومما يصطادون، وإلى ماذا يصلون، فهم يستخدمون هؤلاء الأبناء في الحاضر والمستقبل لأهداف بعيدة ومقاصد عميقة. بل وصل الأمر إلى أن تفشي الإلحاد في بعض صفوف أبناء المسلمين وفتياتهم، بسبب التفلت في التربية وعدم المراقبة والمتابعة. وكل هذا قليل من كثير مما ابتليت به المجتمعات المسلمة: خروج عن الثوابت والآداب، تفلت عن الواجبات والأحكام، وقوع في طريق الرذيلة والفاحشة ومستنقعات القذارة، طيش في طريق المخدرات والمسكرات، ونهايات مؤلمة ومحزنة في السجون ودور الأطفال وغيرها، مما يظهر لك الأرقام المخيفة التي وصل إليها حال الكثير من الأبناء والبنات في مجتمعاتنا. فمثل هذا نذير شر وتحذير كبير، يستوجب علينا أن نبدل الجهود الكثيرة في إصلاح مجتمعاتنا، وإصلاح أسرنا، وإصلاح أبنائنا وفتياتنا. وأول هذا الإصلاح، أيها الأحبة، بث العلم الشرعي، بث العلم الشرعي حمية للفرد والأسرة والمجتمع. فإن بث العلم الشرعي يصحح المسار، ويوقظ الكثير ممن خرج عن الطريق القوي والصراط المستقيم. وكم من تائه يحيى بالمواعظ والعلم والمذكرات، وكم من غافل يرجع بالتذكير والوعظ ومجالس العلم، وغير ذلك من المنافع الكثيرة التي تثمرها مجالس العلم. بث العلم في المجتمع يبني حصنًا حصينًا لحماية الفرد والأسرة والمجتمع. وأنتم ترون الفرق في حال الإنسان حين كان تائهًا في طريق الشوارع يتسكع، وفي الغفلة تائه، بعد ذلك يهديه الله عز وجل إلى طريق العلم والمساجد، كيف يتغير حاله، وكيف يكون حال أسرته وأبنائه؟ في أشهر قليلة تجد أنه قد دخل في حصن حصين، فحمي نفسه وأسرته وأبناءه، لحمى العلم والإيمان، وربى نفسه وأسرته وأبناءه بتربية السنة والقرآن. فإنه متى استمر على ذلك، لم يزل ولا يزال يبني حصنًا حصينًا متينًا يحفظه ويحفظ أسرته وأبناءه، وهذا ظاهر. الأبناء الذين يتوجهون إلى المساجد، فيقرؤون القرآن ويحفظونه، ويتربون من طفولتهم على سلم الإيمان درجة درجة، وآداب الإسلام، يكون عنده من التزكية والنقاء والصفاء ما يحميه -بإذن الله سبحانه وتعالى- عن رفقاء السوء وطريق السوء. وهكذا كذلك العكس بالعكس، إهمال الأبناء بتركهم في الشوارع والطرقات، يتلقفهم رفقاء السوء، نتيجته الخسارة الوخيمة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في متفق عليه: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، كحامل المسك إما أن يهديك، وإما أن تحذيك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن يصلك من غبره، وإما أن تجد منه الرائحة الخبيثة». وهذا هو الواقع. فإن من أعظم وأول الأسباب أن نأخذ بأيدي أنفسنا وأسرنا وأبنائنا إلى طريق العلم والإيمان، أن نأخذ بأنفسنا وأسرنا وأبنائنا إلى طريق السنة والقرآن، أن نأخذ بأيدي أنفسنا وأسرنا وأبنائنا إلى بيوت الله، بيوت الرحمن. ومن عكف على بيوت الرحمن، يأخذ ما فيها من العلم والإيمان، أصن نفسه وأسرته وأبناءه تحصينًا عظيمًا. وفي الصحيحين، حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجل معلق قلبه في المساجد». التعلق بالمساجد سبب لأن تكون من السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، هذا في حق الرجل والأنثى، في حق الأب والأم، في حق الابن والابنة. فإذا وطنت نفسك على أن تكون من أهل المساجد، لتعلم العلم والإيمان والسنة والقرآن، فبإذن الله يحميك الله ويحفظك، بإقبالك على دينه وشرعه وسنة نبيه وكتابه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، حديث ابن عباس المشهور: «احفظ الله، احفظك، احفظ الله تجده تجاهك، احفظ الله في نفسك، احفظ الله في أسرتك، احفظ الله في أبنائك». وانظر ما هي النتيجة؟ أن يحفظك الله في نفسك، ويحفظك الله في أسرتك، ويحفظك الله في أبنائك. وهذا من أعظم الأسباب كذلك التي تعيننا على إصلاح أنفسنا وأسرنا وأبنائنا. ومن هذه الأسباب كذلك، أيها الأحبة، أن يحرص الإنسان في أول بناء الأسرة على أن يبنيها على أساس طيب. فالأساس الطيب ينبت الثمرة الطيبة، كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، والشجرة الخبيثة لا تخرج إلا النكد. وكالبنيان الطيب لا يثمر إلا طيبًا. ولذلك جاء الحث على هذا الأصل العظيم بأحاديث كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، ونسبها، وحسبها، ولدينها، فاضفر بذات الدين تربت يدك». فيحرص على صاحبة الدين. وفي المقابل كذلك الرجل، كما جاء في الحديث الصحيح كذلك: «من جاءكم ترضون خلقه ودينه، فزوجوه، إلا تفعلوا تكون فتنة كبيرة أو عظيمة، وفساد عريض». فالواجب الحرص على صاحب الدين وصاحبة الدين. وإذا جاءت الصفات الأخرى، فهذا حسن، لكن الأصل هو الدين، لأنه إذا وجد الدين، كان في ذلك العون على بناء أسرة أساسها متين، يستعين الزوجان بما أعطاهم الله عز وجل من الدين والخوف من رب العالمين، ما يكون به إصلاح الأبناء. وإذا كان غير ذلك، فمثلهم كمثل أحد الزوجين يبني والآخر يهدم. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أصحاب السفينة مثلًا عظيمًا، في قوله عليه الصلاة والسلام، كما في متفق عليه: «مثل القائم بحدود الله والواقع فيها، كقوم في سفينة، كان قوم في علاها، وقوم في أسفلها، فقال الذين في أسفلها: لو أن خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا -يعني في أخذ الماء-». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلو تركوهما ما أرادوا، لهلكوا وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». وهذا حال المجتمع والأسرة، إذا كان أحدهما يبني والآخر يهدم، فإن مثلنا كمثل أصحاب هذه السفينة. إذا كانت المرأة صالحة تحرص على أن لا تغرق السفينة، والأب فاسد، فمن الذي سيغلب؟ الفاسد، لأن الهدم أسرع من البناء. الهدم أسرع من البناء. ولذلك جاءت الأدلة الشرعية الكثيرة التي تأمر بالصبر على التربية والصبر على البناء، لأن أمر البناء ليس بالأمر السهل. الصعود للعلو أصعب من النزول للسفول. ولذلك أضرب مثلًا حسيا: ضع رجلًا كبيرًا شابًا فوق الطاولة، وطفلًا صغيرًا أسفل الطاولة، واجعل الذي في الأسفل يجر الذي في الأعلى، هذا كبير، وهذا صغير، فإذا جر الأسفل الأعلى سيغلبه، مع صغر سنه، لأن الذي في الأسفل جره أشد من الذي يجر إلى الأعلى. وهكذا كذلك حالنا في هذا المجتمع، من يجر أبنائنا إلى السقوط كثير، والسقوط سهل، ومن يجر الأبناء إلى العلو قليل، والإصعاد إلى العلو صعب. فبمجرد أن يغفل الآباء والأمهات عن أيدي أبنائهم، سرعان ما يسقطوا. هذا هو مثلنا في هذا المجتمع. أنت ماسك بابنك، تريده أن يصعد معك إلى الأعلى، حسًا ومعنى، وهناك من يجره إلى الأسفل. أليس كذلك؟ المجتمع كله يجر أبنائنا إلى الأسفل، كل ما في المجتمع من شهوات وشبهات وملهيات ورفقاء سوء، وكذلك شوارع سوء وأخلاق سوء وغير ذلك، كلها تجر الأبناء إلى السفول. فبمجرد أن تغفل ولو نعسة واحدة، نعسة واحدة، تفلت يد ولدك، معناه أن الولد سقط. بمجرد أن تفتح يده، افتح يدك، يسقط. إذن معناه: شد على ولدك، واجتهد في رفعه إلى الأعلى. وهكذا الأم بنتها، لا تفتح يد ابنتها، تشدها إلى الأعلى، وتحرص على أن تكون يدها بيدها، لأننا في مجتمع فيه وحوش يسرقون الأبناء، فيأخذونهم إلى طريق الزيغ والضلال، والمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى. ومثل النبي صلى الله عليه وسلم بهذا بمثل عظيم، في متفق عليه، من حديث أبي هريرة، وفي مسلم بمعناه، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، يقول عليه الصلاة والسلام: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجنادب والجراد يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم من النار». الحجزة: ربطة الخاصرة، دليل على الشدة وغاية الحرص على أن لا يتفلت ويسقط. هذا الذي ضرب به المثل النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «وأنتم تفلتون من يدي»، يعني: تأبون إلا أن تتفلتوا من يدي، أنا حريص أنكم ما تذهبوا إلى طريق النار. حتى أنه مثلًا بأنه يأخذ بالحجزة باليدين، ومع ذلك، ومع ذلك الكثير من هذه الأمة يأبى إلا السقوط في النار. وهذا هو الواقع في حال المربين والمصلحين والآباء والأمهات الصالحين مع أبنائهم وبناتهم وذرياتهم. فإننا إذا غفلنا غفلة يسيرة، كانت العاقبة وخيمة. وهذا يوجب منا المراقبة المستمرة والرعاية الدائمة التي يكون بها -بإذن الله سبحانه وتعالى- حفظ الأبناء. مثلنا ومثلهم كالمثل الآخر الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يدعو إليه، ففي الحديث الآخر كذلك في الصحيح، قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجنادب والجراد يقعن فيها». أوقد النار في الليل، وانظر كيف الحشرات تترامى إلى هذه النار. فمن رفق هذا الرجل الجالس عند النار بهذه الحشرات، ألا تحرق نفسها؟ يذبها، يبعدها، حتى ما تسقط في النار، رحمة بها. طيب، إذا غفل، كم سيسقط في النار؟ كثير سيسقط في النار، كثير. وهذا كذلك حالنا في هذا المجتمع، أسباب السقوط في النار كثيرة، فتحتاج منا رعاية مستمرة ومراقبة دائمة. ومن أول ما يعين على ذلك اختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح. وهكذا إذا وفقك الله بالأسرة الصالحة، وينبغي أن نحرص على ذلك، كما حرص السلف الصالح. انظروا في قصصي وأخباري الصحابة رضي الله عنهم. زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه لرجل صالح، من هو؟ عثمان رضي الله عنه، الأولى ثم الثانية. وزوج ابنته لرجل صالح، وهو علي رضي الله عنه. وهكذا فعل أبو بكر رضي الله عنه، زوج ابنته بالنبي صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته الأخرى برجل صالح من صالح الصحابة، وهو أحد المبشرين بالجنة، أحد العشر المبشرين بالجنة. كيف حصل هذا؟ معناه: أن الآباء كانوا ينتقون، يحرصون على انتقاء الأزواج للبنات. وماذا فعل عمر رضي الله عنه لما أراد أن يزوج ابنته حفصة؟ عرضها على الصحابة خيار الصحابة، على أبي بكر، وهكذا غيره، ولكنهم اعتذروا، كأنهم رأوا أو علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب بها، حتى عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها. فينبغي أن نأخذ من هذا العظة والعبرة. وهناك قصص وأمور كثيرة في حال الصحابة، كيف كانوا يزوجون بناتهم بالصالحين. الرجل الصالح يشترى أعظم من المال والذهب، لأنه يحفظ لك ابنتك، ويحفظ لك ذريتك، ويعينك ويعينها على استمرار الذرية الصالحة التي تنتفع بها -بإذن الله- يوم القيامة. ومن هذه الأسباب الحرص على الصلاح، أن يحرص الآباء والأمهات على صلاح أنفسهم. فإن صلاح أنفسهم بمثال وبمثابة الرقابة المستمرة، كأنك وضعت كاميرات تراقبهم وتحفظهم. لماذا؟ لأنك إذا حفظت الله حفظك الله، وحفظ لك ذريتك. احفظ الله يحفظك، احفظ الله في نفسك، وسيحفظك الله في نفسك وفي ذريتك، حتى ولو غفلت، سيستر الله عليك، ويجبرك، ويكرمك بأن يحفظ لك ذريتك، لأنك حرصت على الصلاح. والله عز وجل لا يضيع أجر المحسنين. خذ بالأسباب، ولكن من أعظم الأسباب أن تحافظ على الصلاح، أن تحافظ على الصلاح. سئل بعض الصالحين: كيف أصلح الله عز وجل لك ذريتك، وأنت غائب عنهم؟ قال: «ما فعلت شيئًا لله إلا احتسبته أن يصلح الله عز وجل به أبنائي، وما أنفقت عليهم من نفقة إلا فتحت بها أن تكون حلالًا». فجعل هذين السببين سببًا لصلاح أبنائه. ومصداق هذا في قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾. جاء في تفسير هذه الآية: أن الله عز وجل يصلح الأبناء بصلاح الآباء، ويلحق الأبناء بالآباء، بما كان من صلاحهم، ولو قصرت أعمال الأبناء، إكرامًا من الله عز وجل للآباء. وانظروا إلى قصة أصحاب الكهف، كيف الله عز وجل حفظ للغلامين اليتيمين المال، بسبب ماذا؟ وكان أبوهما صالحًا. الله أكبر، صلاح الآباء كان سببًا في حفظ الأبناء، وحفظ مال الأبناء. فإذن لا تفرط يا أيها الأب، ويا أيها الأم، في قضية حفاظك لحدود الله، وحفظك لنفسك، فإن ذلك أثره على ذريتك. ومن ذلك أن تتأدب بالآداب الشرعية في يومك وليلتك، وفي أذكارك وصلاتك، وفي كل أمورك. واعلم أن ثمرة ذلك سيصل -إن شاء الله- إلى الأبناء. ومن ذلك أن الإنسان إذا أتى أهله، حتى في أصعب موقف، فإنه يذكر الله سبحانه وتعالى: «اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا». وبإذن الله سبحانه وتعالى يكون سببًا آخر في صلاح الذرية، إن كتب الله عز وجل بذلك ذرية. والغفلة تجعل الشيطان يشارك، كما جاء في الحديث: «إذا غفل عن ذكر الله في دخوله إلى بيته، شاركك الشيطان في المبيت، وغفل عن الأكل، شاركك في الأكل، وغفل عن ذكر الله عند إتيان أهله، شاركه في ذريته». بل أخبرنا الله عز وجل بذلك في كتابه. فإذن ينبغي أن نأخذ بالأسباب الحسية والمعنوية التي تعين على صلاح الأبناء. ومن ذلك كذلك، أيها الأحبة، المداومة على طريق الخير، داوم على طريق الخير في نفسك وأسرتك وأبنائك، كما تقدم بلزوم مجالس العلم، ودور العلم، والقرب من الصالحين. فإن القرب من الصالحين سبب للصلاح والإصلاح. وتأمل إلى حديث أبي هريرة في متفق عليه، في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وكمل بالرجل العابد الجاهل المئة. فلما سأل عن أعلم أهل الأرض، ودل على العالم، أرشده العالم -بعد أن أخبروا أن له توبة- أن يخرج من الأرض التي هو فيها، وأنها أرض سوء، قال له: «ولكن اذهب إلى الأرض الفلانية، فإن فيها قومًا صالحين يعبدون الله، فاعبد الله معهم». فانظر كيف جعل هذا العالم من أسباب نجاته -هذا المجرم القاتل- أن ينتقل من البيئة السيئة إلى البيئة الصالحة. وأنتم ترون الفرق اليوم، صارت دور العلم ومراكز العلم بمثابة الحصون المحصنة التي تحميك وأسرتك من هذه الفتن التي ملئت بها المجتمعات. لأنك تكون في بيئة صالحة، إن غفلت ذكرت، وإن نسيت أعنت، وإن جهلت علمت، بخلاف لو كنت في بيئة بعيدة عن العلم والإيمان، مليئة بأسباب الغفلة والوقوع في طرق الشيطان، فإن مثل هذا يكون سببًا للانحراف -والعياذ بالله- للآباء فضلًا عن الأبناء، لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والشهوات أشد. فلذلك نعين أنفسنا وأسرنا وأبناءنا بالقرب من أهل الخير والصلاح. وهذا من الأسباب التي تعين على إصلاح الأبناء، على إصلاحنا أولًا، وأسرنا، وإصلاح أبنائنا -بإذن الله-. ومن هذه الأسباب، أيها الأحبة، كذلك الحرص على انتقاء الصحبة لأبنائنا، تنتقي من يصاحب الولد، من تصاحب البنت. فأنت تنتقي، حتى وإن كنت بين أناس صالحين، فاختار أصلح الصالحين، وأصدق الصادقين، وأنقى المتقين. عسى أن تسلم بعد ذلك. كما أنك تنتقي في عباداتك، وفي أقوالك الأفضل. «قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن»، يعني: إذا في حسن وأحسن، ارتقي، خذ الأحسن. وهكذا كذلك إذا وجد صالح وأصلح، خذ الأصلح. فأنت تنتقي لأبنائك الصحبة الصالحة التي تعينهم على الأفضل. وإذا وجدت غير ذلك، بالحكمة وبالرفق، تصرفه عن من يصرفه عن الطريق الصحيح، لأنه قد يكون الانصراف من داخل المسجد. لا تظن أن الذين في المسجد ملائكة، ولا تظن أن أبناء جميع أصحاب المسجد ملائكة، بل الشيطان حريص. فلذلك كذلك تنتقي، حتى ولو كنت في المسجد، ولو كنت في حلقة القرآن، تنتقي الأفضل. ومن ذلك أن تحرص على ملء وقته بما ينفعه. اعمل له خطة دون إفراط ولا تفريط، خطة يسير عليها، وتستعين بإدارة المدرسة والمدرسين، أن يكون هذا الولد أو هذه البنت من المتفوقين. لا تهمله، أن تتابع. يجب على إدارة المدرسة أن تتابع الآباء، وتتابع الأبناء. لكن كذلك أن تتابع. اجعل لنفسك خطة ومراقبة ومتابعة. وانظر إلى النتيجة، النتيجة، النتيجة. بإذن الله ستكون مفرحة، وتقر عينك في الدنيا قبل الآخرة، بماذا؟ بهذه المتابعة الحريصة الدائمة. تجعل خطة لحفظ القرآن، وتعلم العلوم، وهكذا كذلك لتعلم المهارات الأخرى. يبدأ يصلي، يبدأ يخطب، تعلم الخطابة، وهكذا شيئًا فشيئًا، حتى بإذن الله سبحانه وتعالى تجده قدوة حسنة في المجتمع، وقرة عين لك. وهذا لن يكون إلا بتعب. وكما قلنا: البناء ليس بالسهل، والهدم سهل، والأخذ للعلو ليس بالسهل، والسقوط سهل. فإذا أردت العلو، فلا بد من الصبر والمصابرة. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، قدم الصبر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». الصبر على تحصيل العلم، الصبر على العمل بالعلم، الصبر على الدعوة إلى العلم والعمل. في هذه كلها -بإذن الله سبحانه وتعالى- تصل إلى ما تحبه وترجوه في نفسك وأسرتك وأبنائك. وبفضل الله عز وجل، هذه الدور المباركة قد أثمرت وأينعت، وبرهنت أنها تربي الأجيال وتخرج الرجال. فانظروا -بفضل الله عز وجل- كم من شبابنا أصلحهم الله، وكم من فتياتنا أصلحهن الله. وصلنا، وصاروا خير قدوة حسنة في المجتمع. الذي ينبغي أن يتعاون الجميع في إثراء هذه الدور المباركة، لأنها من أعظم الإصلاحيات. لو علم ولاة الأمر عظيم أثر هذه الدور، لبدلوا لها الميزانيات أعظم مما يبدلون للمدارس، لأن هذه الدور -حقيقة- هي الإصلاحيات الحقيقية. ولذلك لا تجد يخرج من هذه الدور أصحاب السجون، ولا أصحاب المخدرات، ولا أصحاب المشاكل والأفكار المنحرفة، وكذلك الدعوات الضالة من أهل التكفير والتفجير، أهل السياسات المنحرفة والحزبيات الضيقة. لماذا؟ لأنه -بفضل الله عز وجل- في هذه الدور نخبة مباركة من المشايخ والدعاة، وكذلك المعلمين والأساتذة، الذين عندهم من النضج والمعرفة ما يعين على إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع. وهذا من فضل الله عز وجل. ولذلك نحث أنفسنا على الاقتراب من هذه الدور، حتى ولو كنت في قرية، اقترب، اقترب من أقرب شيء. ما لا يدرك كله، لا يترك جله. ندفع المفسدة الكبرى بالصغرى، ما تستطيع تصل إلى المصلحة الأعلى، فلا تفوت الأدنى. حتى في الإسلام، هناك هجرتان، كانت الهجرة الأولى من بلاد كفر إلى بلاد كفر، لكن ما هو الفرق؟ الفرق أن بلاد الكفر الأخرى فيها أمان لأهل الإسلام، فخفف بدفع المفسدة الكبرى بالصغرى. حتى الذي يبتلي ببلاد كفر، ولم يستطع الهجرة إلى بلاد الإسلام، يقال له: انتقل في بلاد الكفر إلى مكان تستطيع أن تحافظ على إسلامك وعلى دينك وعلى أسرتك، إلى أن يسر الله لك الانتقال إلى بلاد الإسلام. وهكذا من لم يستطع أن ينتقل إلى الدور الكبيرة التي فيها الخير الكثير، فلأقل أن يقترب من الدور الصغيرة. وبفضل الله سبحانه وتعالى، في هذه البلاد الطيبة المباركة أكثر من مئة مركز من مراكز أهل السنة، منتشرة في هذه الجزر، ما من مدينة وقرية إلا وفيها أو قريب منها مركز ودار من مراكز ودور أهل السنة. هذه نعمة عظيمة، ما كان يحلم بها الآباء. ربما يدرك الكثير من الآباء اليوم، في زمان سابق، ما تجد مسجدًا سنيًا. كانت مساجد السنة قليلة جدًا. الموالد بكل مكان، وكذلك المساجد الحزبية والمساجد التي توجهت توجهات سياسية. مسجد سنة نادر جدًا أن تجد. واليوم -بفضل الله سبحانه وتعالى- انتشرت مساجد السنة ودور العلم. وهذه نعمة عظيمة. فينبغي على جميع الآباء والأمهات أن يحرصوا على الاقتراب من هذه الدور المباركة التي تعين على إصلاح أنفسنا وأسرنا وأبنائنا وبناتنا -بإذن الله سبحانه وتعالى-. ومن هذه الأمور التي تعين على إصلاح الأبناء وحسن تربيتهم كذلك، أن نحرص على الطرق والآداب الشرعية التي ذكرها العلماء في التربية. فالتربية أمرها عظيم، وهناك سياسة شرعية ذكرها العلماء في أمر تربية الأبناء. تربية الأبناء ينبغي أن يكون فيها حزم، وفيها شيء كذلك من الترفيه. فالذي قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في السنن بإسناد صحيح، هو الذي قال للصبي: «يا أبا نقير، ما فعل النقير؟» هذا يمزح معه عليه الصلاة والسلام، ويلاطفه ويلاعبه. وهناك يأمر بالتحزم في التعليم، وإذا ما استجاب، العصى جاهزة: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». وهناك يمازح ويلاعب ويلاطف، بل يحمل الصبية في الصلاة، كلما قام رفعها، وكلما سجد وركع وضعها. ويأتيه الحسن يتخطى وينزل من المنبر، ويتلقفه خطبة جمعة، ينزل من المنبر عليه الصلاة والسلام، ويتلقف الصبي، ويحمله، ويكمل الخطبة، رحمة وحكمة ورفقًا. يأتي أحد الصبيان إليه، فيقوم يقبله، حتى استغرب العرابي: «