الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 32، تابع : 57-حسن الخلق . 58-الإحسان إلى المماليك . 59-حق السادة على الماليك . 60-حقوق الأولاد والأهلين . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مفهوم حسن الخلق مع الله تعالى بفعل الأوامر وترك النواهي، ومع الناس بالسماحة في الحقوق والوفاء بها. يشدد على أهمية التسامح وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة.
يؤكد هذا الفصل على أهمية الإحسان إلى المماليك والخدم، ويستعرض حقوقهم وواجباتهم تجاه سادتهم والعكس مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يشدد هذا الفصل على أهمية أداء حقوق الأولاد والأهلين، ويشير إلى ضرورة تعليمهم وتأديبهم وتربيتهم على طاعة الله، مع التحذير من إهمال هذه المسؤولية.
يتناول هذا الفصل الوعد الإلهي للذين يجاهدون في سبيل الله، حيث سيهديهم الله سبل الخير، مشيراً إلى أهمية بذل الجهد في طاعة الله ومرضاته.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وبه أنبانا أبو بكر البيهقي قال: ومعنا حسن الخلق، سلامة النفس نحو الأرفق والأحمد من الأفعال. ومعنا توجه الإنسان إلى ما فيه الأرفق والأحمد من الأفعال. قال: وقد يكون ذلك في ذات الله، وقد يكون فيما بين الناس. وهو في ذات الله عز وجل أن يكون العبد من شرح الصدر بأوامر الله تعالى ونواهيه، بفعل ما فرض عليه، قريب النفس به، سلسًا نحوه، وينتهي عما حرم عليه راضيًا به، غير متضجر منه، ويرغب في نوافل الخير، ويترك كثيرًا من المباح بوجهه تعالى وتقدس، إذا رأى أن تركه أقرب إلى العبودية من فعله. يعني: المباح، فبعض المباح الإكثار منه يضعف العبودية، مثل التوسع بإضاعة الأوقات في الطعام والشراب واللباس وكثرة التنزه، فإن هذا يميت القلب ويضعف قوته الخضوع والدل والحب لله، حتى يقل تعبد الإنسان وتدخل عليه العبادة. فانظر مثلًا، إذا أكثر الإنسان من الطعام والشراب، يجد في جسده ثقلًا، يكون ثقيلًا، بخلاف ما اعتدل في طعامه وشرابه، يجد خفة، هذه الخفة تعينه على أمور دينه ودنياه. وهكذا كذلك كثرة التشاغل بالمباح من باب أولى. قال: مستبشرًا لذلك، غير ضجر منه ولا متعسر به. فعلم بهذا أن هذا من حسن الخلق في نفسه مع ربه جل وعلا. فينبغي أن يراعي إصلاح خلقه في عبادته لربه، بتوخي مثل هذه الأمور والحرص عليها. كونك تفعل الفرائض شيء، وكونك تفعلها بنفس طيبة سلسة فرحًا، هذا شيء أعظم. وهذا يحتاج منك إلى تربية. وهكذا كونك تترك الحرام شيء، وكونك تتركه راضيًا غير متضجر، هذا شيء آخر. وهكذا قل في سائر ما ذكره رحمه الله. قال: وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحًا لحقوقه، لا يطالب غيره بها، ويوفي بما يجب لغيره عليه منها. ولا يعني ذلك أن يكون الطرف الآخر شحيحًا، فالجميع مطالب بحسن الخلق. فأنت سمح لحقوقه، وتوفي حقوق الآخرين. والآخرون ينبغي أن يكونوا سمحًا في حقوقهم، ويحرصون على وفاء الحقوق لغيرهم. فمثلًا: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». يحرص الزوج على الخيرية مع أهله. ولا يعني ذلك أن أهله يفرطون في ذلك فيتقاعصون. فتبقى كالملكة تريد فقط زوجًا يحف ويلف. لا ينبغي أن تسابق في الكرم والخيرية كذلك. ليس إذا صارت الزوجة تحرص على الخيرية وحق الزوج أن يكون الزوج كالملك. بل ينبغي أن يسعى ويسابق في الخيرية. وهكذا قل في كل موضع يحصل فيه تعامل بين الناس. وكلما كان المقام أحق كان أولى، كالابن مع والديه، وهكذا كذلك الزوجة مع زوجها، والأخ الصغير مع الأكبر. مع أن الصغير يحترم الكبير، والكبير يرحم الصغير. فكل منهما يحرص على ما هو عليه، ويتسامح فيما هو له. فالمهم، لو حرصنا على تحقيق الأخلاق الحسنة لكمل المجتمع. قال رحمه الله تعالى: فإن مرض ولم يعد، أو قدم من سفر فلم يزر، أو سلم فلم يرد عليه، أو ضاف فلم يكرم، أو شفع فلم يجب، أو أحسن فلم يشكر، أو دخل على قوم فلم يمكن، أو تكلم فلم ينصت إليه، أو استأذن على صديق فلم يؤذن له، أو خطب فلم يزوج، أو استمهل الدين فلم يمهل، أو استنقص منه فلم ينقص. وما أشبه ذلك. يعني: يحاول أن يعفو ويصفح في مثل هذا، وأن يتنازل عن حقه فيه. قال: ولم يغضب، ولم يعاقب، ولم يتنكر من حاله. يعني: من حالته على أي حال، لعله هكذا المقصود على أي حال. قال: ولم يستشعر في نفسه أنه قد جفي وأوحش، وأنه لا يقابل كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله. بل يضمر أنه لا يعتدي بشيء من ذلك، بل يعفو ويصفح. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. وليعفوا وليصفحو. ويقابل كل إساءة بما هو أحسن وأفضل وأقرب إلى البر والتقوى. فلا يرد الخطأ بالخطأ، بل يرد الخطأ بالإحسان. قال: وأشبه بما يحمد ويرضى. ثم يكون في إيفاء ما يكون عليه. فهو في حفظ ما يكون له، مع عدم رد الإساءة بالإساءة، يحرص على إيفاء ما هو عليه. وهذا من كمال الخلق. قال: فإذا مرض أخوه المسلم عاده، وإن جاءه في شفاعة شفعه، وإن استمهله في قضاء دين أمهله. لا يقول: في ذاك اليوم مرضت ما زرتني، ولا شفعت فلم تشفعني أبدًا. قال: وإن احتاج منه إلى معونة عانه، وإن استسمحه في بيع سمح له. ولا ينظر إلى أن الذي يعامل كيف كانت معاملته إياه فيما خلى، يعني: فيما مضى. وكيف يعامل الناس؟ إنما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه، فينحو نحوه، ولا يخالفه. فيتخذ أحسن ما يمكن قدوة له. قال: والخلق الحسن قد يكون غريزة، وقد يكون مكتسبًا. وإنما يصح اكتسابه ممن كان في غريزته أمثل منه. فهو يضم باكتسابه إليه ما يتممه. ولهذا جاء الشرع بالحث عليه. يعني: لو كان كله غريزة ما كان هناك فائدة من الأمر به. لكن لما كان منه غريزة ومنه مكتسب أمر الشرع به وحث عليه. فلذلك يحرص المسلم مع اعترافه بنقص نفسه إكمال هذا النقص بالمكتسب. وكما قال رحمه الله: يكمل هذا المكتسب أن يؤخذ ممن وفق للأمرين جميعًا، من كانت غريزته حسن الخلق، وعنده من الأخلاق المكتسبة ما يكمل ذلك. وهذا كثيرًا ما يكون في أصحاب وأرباب الأخلاق الكريمة العالية من أهل العلم. فأهل العلم كثير، وقليل فيهم أرباب الأخلاق العالية. والغالب أنهم من جمع بين الأمرين: الغريزة والاكتساب. فعلى سبيل المثال: شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، نادرة عصره في حسن خلقه ولين جانبه. فقد وفق مع ما أوتي من غريزة سمحة، لين جانب وحسن خلق وتواضع جم، مع ثبات على الحق والعلم، زاده خلقًا حسنًا. فأمثال هؤلاء العلماء محل قدوة ومشاهدة، ينبغي أن يستفاد منهم، ويقتدى بهديهم وسمتهم. وهكذا لن يعدم زمان من أمثال هؤلاء العلماء الأجلاء رحمهم الله، يأتم بهم الناس ويقتدون بأخلاقهم، بما يكون به إصلاح الأخلاق. قال رحمه الله: ومعلوم في العادات أن ذا الرأي يزداد بمجالسة أولي الأحلام والنُّهى رأيًا، وأن العالم يزداد بمخالطة العلماء علمًا. وكذلك الصالح يعني: إذا خالط الصالحين ازداد صلاحًا. قال: والعاقل بمجالسة الصلحاء والعقلاء يعني: يزداد عقلًا. ويزداد صاحب الصلاح صلاحًا. فكذلك صاحب الخلق الحسن يخالط أصحاب الأخلاق الحسنة فيزداد بإذن الله خلقًا حسنًا. وهل أحد يزهد في هذا؟ الجواب: لا. حتى ولو وفقت لخير فلا تزهد في أفضل منه. ولو وفقت -كما لو وفقت لعلم- فلا تزهد بأفضل وأعلى منه. قال: فلا ينكر أن يكون ذو الخلق الجميل يزداد حسن الخلق بمجالسة أولي الأخلاق الحسنة. وبالله التوفيق. والأمر كما قال رحمه الله. قال: الإحسان إلى المماليك يعني: ومن شعب الإيمان الإحسان إلى المماليك، وهو يدخل في حسن الخلق. لكن لأن الأدلة الشرعية جاءت بالتنصيص على ذلك، فجاء التنصيص عليه. وهو كذلك موضع خاص يحصل فيه امتحان وابتلاء خاص. لأن المملوك لضعفه قد يتجاوز عليه سيده. فيكون محل ابتلاء كالنعمة مع الغني، كالنعمة مع الغني، فإنه مما يحتاج إلى تنبه في فتنة الشكر والامتحان به. وهكذا العكس المملوك مع سيده. قال: لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فكل هذه من الحقوق المطوبة، أولها وأعظمها حق الله بعبادته وعدم الشرك به، ثم أتبع بحق الوالدين، فهو أعظم حقوق المخلوقين، ثم بذي القربى إلى آخره، إلى أن ذكر ما ملكت الأيمان، فلهم حق. وتخصيصهم بذكر هذا الحق من شعب الإيمان أي: أداؤه. ولحديث، ولحديث المعرور بن سويد رضي الله عنه، بالصحيحين قال: «رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، وعليه حلة وعلى غلامه حلة مثلها». فسألناه عن ذلك، استغربوا كيف يكون السيد والغلام سواء. فقال: «إني ساببت رجلًا فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعيرته بأمه؟ إنكم قوم فيكم جاهلية». ثم قال: «إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم عليه». انظروا إلى هذا الصحابي الجليل، انتفع بهذه النصيحة وهذه الوصية، حتى ظهر ذلك بعد حين، مر زمن طويل، وهو على هذا العمل والانتفاع بهذه الوصية. فكان لبسه للحلة وإلباس غلامه حلة مثل حلته. والحلة: الشيء الزائد عن الثياب. يعني: تعدى الأمر ليس فقط في أصل الثياب، بل حتى بالحلة. يعني: الشيء الزائد عن الثياب مما قد ينسى الإنسان الإحسان فيه والعدل به. وهذا يدل على زيادة الحرص. ومن أين أخذ هذا؟ أخذه من الحديث: «فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس». هذا أكمل الخلق وأحسنه مع من تحت يدك، مما ملكت يمينك. ويدخل في هذا: إن كان لك خدم يخدمونك فأكرمهم. وفي نفس الوقت، من حسن الخلق أنك إذا بالغت في الإكرام، يتمنع هذا الإنسان بما يكون به الإحسان والتخفيف على سيده وعلى صاحبه. يعني: لا تفرح بهذا فتثقل عليه. من إحسانك أنت كذلك أن تخفف عليه. ليس تزاحمه في أهله وولده. فإن استطعت أن تخفف عليه فهذا من حسن خلقك. هذا حق لك، لكن ليس بحرام. ولا بما ينافي الفضل أن تتنازل عن هذا الحق. بل تنازلك هو من زيادة كرمك وحسن تواضعك. فالكل يتنافس في الفضل وفي الخير، والكل يحرص على أن يكون أسبق إليه. وفي قوله: «إخوانكم خولكم» أي: أنهم لكم كالقرابة. فليس هم خدم فقط، بل هم كخاصة أهلكم. فكما تكرمون أهاليكم أكرموا كذلك من يخدمكم. وفي قوله: «ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم» فيه الأمر بالإرفاق. فإن من الإكرام ومن حسن الخلق معهم ألا تكلفهم العمل الشاق. فإن كان هناك عمل فيه مشقة فخفف عليه بإعانته، إما بنفسك أو أحد يعينه على ذلك. ليس أن تكرمه بالظاهر وتقتله بالعمل. هذا ليس من الإكرام. بعض الناس ربما يقول: خلاص أنا أعطيته مال طيب، أعطيته مال وتكلف عمل ما يستطيعه عشرات الرجال. فهذا حرام. خفف عليه وأكرمه بالمستطاع. والإسلام أمر بالإحسان للمماليك. وكذلك من باب الضبط هذا الباب حتى لا يحصل اعتداء بتأذيب من يعتدي عليهم. فمن اعتدى عليهم تكون له عقوبة. فإن كان الاعتداء بكسر وجرح فالجروح قصاص. وإن كان بضرب فيعتق. فيعتق كما صح معناه من حديث ابن عمر وغيره. وهكذا كذلك ما كان بمعناه مما يعلن به أن الواجب ليس فقط الحرص على العدل والإكرام وحسن الخلق. بل إذا حصل اعتداء فهناك عقوبات حفظًا لحقوق ذوي الحقوق من الضعفة. قال رحمه الله تعالى: حق السادة على المماليك، وهو لزوم العبد سيده وإقامته حيث يراه له، ويأمره به، وطاعة له فيما يطيقه. وفي الصحيحة حيني من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجر مرتين». يعني: أجر عبادته لربه وأجر نصحه لسيده وإحسانه إليه. قال: وفي صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «أيما عبد أبقى فقد بريئت منه الذمة». وفي هذا التحذير من أن يأبق العبد يعني: يفر على سيده. وهذا على معنى العبودية الصحيح في الإسلام. والإسلام أقر العبودية إذا كان بمدخلها الشرعي الصحيح. ومع ذلك حتى على العتق، وجعل أسبابًا كثيرة للعتق. وهذا من عدل هذا الدين. وليس بالإسلام سبب للرق إلا الكفر أو ما كان قبل الإسلام. أما في الإسلام فما كان من الكفر. وهو من رحمة الله بهؤلاء الكفار أن يدخلوا إلى الجنة بالسلاسل. وهو من العدل إذ الكفار كذلك كانوا يعاملون المسلمين. قال: وفي سنن أبي داود من حديثه أيضًا: «العبد الآبق لا يقبل الله منه صلاته حتى يرجع إلى مواليه». والمعنى أن الصلاة لا تقبل منه مع وجوبها، لأجل معصيته هذه. وهذا على معنى العبودية الصحيح في الإسلام. وإذا أراد العتق، فقد جعل الله له أسبابًا شرعية للعتق، يستطيع أن يكاتب سيده، ويستطيع أن يطلب عانة على العتق. وكلها إن شاء الله متيسرة. والمقصود من هذا أن الإسلام يدعو إلى أداء هذا الحق، وهو من شعب الإيمان، وهو مما يبتل به المملوك، كما أن السيد يبتلى في حقوق المملوك. فكذلك المملوك يبتلى في حقوق السيد. وكل الناس في امتحان وابتلاء، هذا بشدة، وهذا برخاء، هذا بنعمة، وهذا بنقمة. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. قال رحمه الله: حقوق الأولاد والأهلين، وهي قيام الرجل على ولده وأهله، وتعليمه إياهم من أمور دينهم ما يحتاجون إليه. لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال الحسن: أي مروهم بطاعة الله وعلموهم الخير. وقال علي: علموهم أدبوهم. ولحديث أنس في صحيح مسلم: «عالجاريتين حتى تبلغا». جاء يوم القيامة «أنا وهو كهكذا». وضم أصبعيه. يعني: سواء. وصح عنه: أن من أحسن إلى جاريتين فأدبهن وأحسن تربيتهن كن سببًا في دخوله الجنة. وهذا موضع آخر من مواضع شعب الإيمان: أداء حقوق الأولاد والأهلين. والأدلة في هذا كثير، وقد أشار إلى بعضها. وهذا يدل على أهمية هذا الأمر في دين الإسلام. فهو من خصال الإيمان التي من أداها كمل إيمانه، ومن قصر فيها نقص إيمانه. فمن شعب الإيمان أداء حقوق الأولاد والأهل. ثم ذكر الآية: والوقاية تكتضي ما هو أعظم من وقوعهم في المنكر والحرام وترك الفرائض والواجبات. إذ المطلوب اتخاذ الوسائل الحسية والمعنوية العلمية والعملية في حصول هذه الوقاية. ومن ذلك التعليم كما جاء في تفسير هذه الآية عن علي والحسن وغيرهم: أن تعلمهم وأن تؤدبهم وأن تربيهم وأن تتابع أعمارهم حتى تصلحهم. فأنت تحتاج أن تغذيهم بالعلم والإيمان حتى يعينهم ذلك على صلاحهم. فهم كالشجرة تنميها شيئًا فشيئًا حتى تكبر على الخير. وقلوبهم أوعية فارغة تحتاج أن تملأها بالعلم النافع والعمل الصالح الذي يصلحهم. وأما إذا تركتهم جهالًا صارت هذه الأوعية تملأ بماذا؟ بالجهل وبالذنوب والمعاصي. فعند ذلك يعصونك ويخرجون عما تحب لهم من طاعة الله. فلا تترك هذه الأوعية فارغة. فالقلوب أوعية. فتملأها بما يعين على صلاحها. ومواضع ملء هذه الأوعية أين؟ السمع والبصر والفم يعني: الأكل والشرب والجوارح التي تبطش. فاشغل هذه الحواس بطاعة الله. فإذا شغلتها بطاعة الله فأنت قد سعيت إلى ملء هذه الأوعية بما ينفعها. وإذا تركتها فارغة كانت عرضة لشياطين الجن والإنس. وإذا تركتها -وهذا أشد- تأخذ من السوء والشر والمجهول والمجهول. فأنت قد أعنت على إفسادهم. وفي هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام: حديث أبي هريرة: «يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». بأحد أمرين: إما بوضع هذا الشر، الأب يهودي يهود الولد، نصراني ينصره، مجوسي يمجسه. أو يرسله إلى ما يفعل فيه هذا وهذا من بث هذا الشيء. أو إهماله بإهماله. فإذا أهملته دخل عليه مثل هذا الشر. وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام، حديث ابن عمر: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فذكر الرجل راع في أهل بيته مسؤول عن رعيته. والمرأة راعية في بيت زوجها مسؤولة عن رعيتها. وليس من الصواب أن الراعي ينام تحت الشجرة ويترك الغنم تأكل مما يضرها وينفعها وتعتدي بعضها على بعض. حتى تسقط هذه من الجبل وتأكل هذه من السم وتنطح هذه فتهلكها. فيقوم من النوم ما شاء الله وعنده قتلى وجرحى في معركة صارت لهذه الغنم. لو حصل مثل هذا هل هذا أدى الأمانة أو مفرط؟ مفرط مفرط مفرط في غنم. فكيف بأولادك وأهلك؟ هذا أعظم. لو ترك الغنم تأكل من الزبالة فأكلت شيء يضرها تارثًا تأكل قرطاس يمسك معدتها حتى تموت. أو تأكل حبل أو تأكل شيء آخر يضرها. فأنت تعتبر مفرط. يا أيها الراعي. فكيف تترك أولادك وهم يريدون إلى الزبالات زبالات أفكار القوم وأخلاقهم؟ تتركهم في الظهيرة في النهار في الليل. يخرجون مع رفقاء السوء فيرجعون إليك وقد ملئوا أخلاقًا سيئة وفعالًا شريرة. وبعد ذلك أنت تريد ولدًا صالحًا كيف سيكون صالح؟ هذه الشاة التي أكلت من النجاسات سترجع لك شاة جلالة. ما تستطيع تأكلها حتى تطهرها ثلاثة أيام. ويمكن أكثر من ثلاثة أيام حتى يطيب لحمها من ماذا؟ من النجاسات تأكل كل يوم من القذارات والنجاسات. كيف سيكون لحم هذه الشاة؟ سيكون لحم جلالة نجس ما يجوز أكله حتى يطهر. تنتظر فترة حتى يطيب اللحم ويطيب. فكذلك هذا الولد تركته فذهب في الأسواق وفي الشوارع يأخذ من يسمع من الكلام القبيح. ويأخذ من الأخلاق القبيحة. هذا مثل الجلالة يحتاج تدخله البيت وتحبسه حتى يطيب كما تطيب تلك الجلالة. الجلالة تحبسها إن كانت دجاجة ما تأكل بيضها حتى يطيب. وإن كان لحم ما تأكل لحم حتى يطيب. فكذلك هذا الولد يحتاج تحبسه حتى يطهر من تلك القذورات والنجاسات التي كان أخذها من الشوارع. فهذه أمانة عظيمة. ليس أنت تأتي بالأولاد لأجل غيرك يربيه. هذا الواقع الآن حال أكثر المسلمين على هذا الوصف. يجعل غيره يشاركه في تربية أولاده. ثم بعد ذلك يريد ولدًا صالحًا كيف سيكون صالح؟ وأنت معتنيت بتربيته ولا تعبت في إصلاحه. من جد وجد. لابد أن تتعب وتصلح. وهكذا كذلك حتى زوجتك تتزوج امرأة عندها تقصير. الله أعلم كيف كان أهلها؟ تحتاج أن تصبر وتربيها وتؤدبها وتهذبها حتى تصلح. ومن جد وجد. وإذا أهملتهم تعبت فيها وفي أولادك معها. والأمر يحتاج إلى صبر. والله سبحانه يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. إلى هنا إن شاء الله. والله تعالى أعلم.