شرح مختصر شعب الإيمان 22

شرح مختصر شعب الإيمان 22

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 22، تابع : 39-وجوب التورع في المطاعم والمشارب والاجتناب عما لا يحل منها . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب أكل الحلال والتحذير من الحرام

يتناول هذا الفصل أهمية أكل الحلال الطيب والتحذير من أكل الحرام والمشتبهات، مستندًا إلى أحاديث نبوية شريفة. يُظهر أن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء ويُعرّض للعقوبة.

ورع السلف الصالح وتحرّيهم الحلال

يذكر هذا الفصل أمثلة على ورع السلف الصالح وتحرّيهم الحلال في مطعمهم، مثل أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم. يؤكد على أهمية الحرص على المال الحلال والأكل الحلال.

التورع والزهد في الحلال والمشتبهات

يتناول هذا الفصل موضوع التورع والزهد في الحلال، حيث يروي عن زهاد وعباد يتورعون عن أكل ما يشكون في حله. يبين أن الزهد في الحلال مطلوب ولكن المبالغة قد تصل إلى حد غير مطلوب.

ختام الخطبة وتأكيد على العمل الصالح

يختتم هذا الفصل الخطبة بالتأكيد على أهمية أكل الطيب والحرص على العمل الصالح. يشير إلى اكتفاء القدر المذكور ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال فصل في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب له؟!». كذلك في هذا الفصل ذكر شيء مما ذكره من وجوب التورع في المطاعم والمشارب، والاجتناب لكل ما لا يحل. فهذا الحديث فيه التحذير من أكل الخبيث، والأمر بأكل الطيب. فهذا مما أمر الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أمر لأممهم من بعدهم. وهكذا كذلك أمر المؤمنين خاصة، وربنا جل وعلا لا يمر عباده إلا ما فيه الخير لهم في الدنيا وفي الآخرة. فأكل الطيب والحرص على ذلك مما أمرت به الشريعة، بل الشرائع جميعًا. وفيه أن الرجل قد تكون أسباب إجابة الدعاء عنده مجتمعة، لكنه، إذا وجد عنده هذا الأمر أبطل عليه تلك الأسباب. فكون الرجل في سفر، وأشعث، وأغبر، ويمد يديه إلى السماء، ويقول: يا رب يا رب، هذه كلها من أسباب الإجابة، من أسباب إجابة الدعاء. ومع ذلك لم يجب الله عز وجل له، لماذا؟ لكونه قد طعم الحرام، ولبس الحرام، وشرب الحرام، وغذي بالحرام. مطعمه من حرام، وملبسه من حرام، ومشربه من حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب له؟! وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في «المرء ينبت من حرام، وما نبت من حرام فالنار أولى به». وهذا تحذير شديد، ووعيد أكيد في خطر من تساهل في أكل الحرام. قال في الصحيحين، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبين ذلك مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، وحمى الله في الأرض محارمه». وهذا كذلك فيه التحذير من أكل الخبيث، والأمر بأكل الطيب الحلال، وزيادة الحذر من الأمور المشتبهة. وأن من وقع فيها وقع في الحرام، لما يفضي إليه. ومن اتقاها فقد استبرأ لعرضه ودينه. عرضه في الدنيا ألا يتهم، ودينه بسلامة ذلك في الدنيا والآخرة. ومثل بهذا المثل لمن يتساهل في تناول الأمور المشتبهة: «كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه». يعني لو أن رجلًا عنده غنم، فرعاها في مكان بقرب جار الذي يشح عليه بشيء من أرضه. فكونه يرعى في هذا المكان هذا خطر عليه، لأن الغنم لو تعدت، تعدت فرعت في تلك الأرض، لحقته العقوبة. وقد تكون العقوبة وخيمة، قد يكون بقتل الغنم، قد يكون بالفدية، قد يكون بالسجن، قد يكون بالقتل، وغير ذلك مما قد يحصل مع الجهل، وقلة الدين. «وحمى الله في الأرض محارمه». ومعناه: احذر أن تقرب من الحرام، فيكون بذلك غضب الله عز وجل عليك، وعذابه، وسخطه. ففيه التحذير من الوقوع في الأمور المشتبهة. وهذا باب واسع تدخله مسائل كثيرة، فعلى المسلم أن يحذر كل أمر مشتبه. قالوا في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إني لأنقرب إلى أهلي فأجد التمر ساقطًا على فراشي أو في بيتي، فأرفعه لآكل، ثم أخشى أن تكون من الصدقة، فألقيها». وهذا من ورعهم، وشدة حرصهم أن لا يقعوا في الحرام، وأن لا يقعوا في المشتبه، فضلًا عن الحرام. قالوا في صحيح البخاري، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه». يعني يدخل عليه دخل مما يكسب. قال: «فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟» قال: «وما هو؟» قال: «كنت تكهنت لإنسان بالجاهلية، وما أحسن الكهان إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك». يعني في الإسلام، الكهان في الجاهلية، والعطاء في الإسلام. «فأتى به إلى أبي بكر، فأكل منه أبو بكر». قالت: «فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه» رضي الله عنهم. قالوا عن زيد بن أسلم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه: «من أين لك هذا اللبن؟» فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه، فإذا نعم من نعم الصدقة، وهم يسقون، فحلبوه لي من ألبانها، فجعلته في سقائي، وهو هذا. فأدخل عمر يده فاستقاء». وهذا كذلك من ورعه رضي الله عنه وأرضاه. والأثر رواه الإمام مالك، وصححه في «البدر المنير» وغيره. وذلك لأن اللبن من لبن إبل الصدقة، فتورع عنه عمر رضي الله عنه وأرضاه. فهذا في تورعهم فيما هو فيه رخصة، فكيف بالأمور المشتبهة؟ فكيف ما هو أعظم منه الأمور المحرمة؟ وبه تعرف فضل السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله، أنهم لم يكن عندهم ما سبقوا به من بعدهم، إلا ما كان عندهم من الصدق، والحرص على الخير. ومن ذلك هذا الورع العظيم الذي كانوا عليه. قال: وعن علي رضي الله عنه في طيب مطعمه، أنه كان يجاء بخبزه في جراب من المدينة، من شدة ورعه، ما يحب أن يأكل من مال أحد، يحب أن يأكل من خالص ماله، تورعًا أن يدخل في بطنه شيئًا مما لا يحل له. رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: وأنبان البيهقي أبا سِنادَةَ عن بشر بن الحارث قال: قال يوسف بن أسباط: «إذا تعبد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه، فإن كان مطعمه مطعم سوء، قال: دعوه لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نفسه». يعني لأنه مردود الدعاء، مردود الدعاء. وقد لحقه من الإثم ما لحقه، كحال ذاك الرجل في حديث أبي هريرة، هو في سفر، وأشعث، وأغبر، ويرفع يديه في السماء، يقول: يا رب يا رب، ولكن لا يستجاب له، لأن مطعمه من حرام، وملبسه من حرام، وغذي بالحرام، فأنا يستجاب له؟! قال: وعن حديث المرعشي، أنه نظر إلى الناس يتبادرون إلى الصف الأول، فقال: «ينبغي أن يتبادروا إلى أكل خبز الحلال». ومعناه: احرص يا مسلم على الحلال، أكثر من حرصك على نوافل الطاعات. فكونك تحرص على المال الحلال، والأكل الحلال، خير لك من أن تكون من أهل الصف الأول. لأن تكون من أهل الصف الآخر في آخر الصفوف، وأنت تأكل الحلال، خير لك من أن تكون من أهل الصف الأول، وأنت تأكل الحرام، أو تقع في المشتبه من المال. قال رحمه الله: وعن الفضيل بن عياض قال: سئل سفيان الثوري عن فضل الصف الأول، فقال: «انظر كسرتك التي تأكل، من أين تأكلها؟ وصل في الصف الأخير». وهذا بمعنى ما سبق. قال: وعن سري السقطي، وهو أحد كبار مشايخ الصوفية، تلميذ معروف الكرخي، حدث عن الفضيل بن عياض وغيره، قال: «أنه كان لا يأكل من بقل السواد، ولا من ثمره، ولا من شيء يعلم أنه منه، ويشدد في ذلك. وكان غاية في الورع». والسواد أرض مشهورة معروفة في جهة العراق، أوقفها عمر رضي الله عنه وأرضاه للمسلمين، فكانت أرض وقف. وفي زمن أتباع التابعين ومن بعدهم حصل فيها شيء من الاعتداء، فصار بعض أهل الفضل يتورع من ثمار تلك الأرض، لأنه حصل فيها شيء من البغي والغصب، ونحو ذلك. قال: ومع ذلك قال: «وكنت بطرسوس، وكان معي في الدار فتيان يتعبدون، وكان في الدار تنور يخبزون فيه، فانكسر التنور، فعملت بدله من مالي، فتورعوا أن يخبزوا فيه». يعني وجد بترسوس من هو أورع منه. قال: وعنه قال: «كان أبو يوسف الغسول يلزم الثغر ويغزو، فكان إذا غزى مع الناس ودخلوا بلاد الروم، أكل أصحابه من دبائحهم وفواكههم، وهو لا يأكل. فيقال له: يا أبا يوسف، أتشك أنه حلال؟ فيقول: لا. فيقال له: فكل. فيقول: إنما الزهد في الحلال». ومعناه أنه كان يترك الأكل لا تحريمًا، وإنما زهدًا في الحلال. وهكذا الزهد، الناس فيه طرفان ووسط، والوسط هو الذي يحبه الله، وهو العدل. فكونك تزهد في شيء يعينك على طاعة الله، فنعم. وأما تزهد في شيء لا يعينك على طاعة الله، بل يقصر أمرك في طاعة الله، فهذا ليس بصواب. قال: وعن السري قال: «رجعت من بعض المغازي، فرأيت في طريق ماء صافيا، وحوله عشب من حشيش قد نبت، فقلت في نفسي: يا سري، إن كنت يومًا أكلت أكلة حلال، وشربت شربة حلال، فاليوم». يعني شيء من صنع الله، لا دخل له لإنسان. ما يجري من الله، وعشب من عشب أرض الله، فهو من الحلال الطيب الخالص. قال: «أكلت أكلة حلال، وشربت شربة حلال، فاليوم فنزلت عن دابتي، فأكلت من ذلك الحشيش، وشربت من ذلك الماء، فهتف بي هاتف سمعت الصوت، ولم أر الشخص: يا سري بن المغلس، فالنفقة التي بلغتك إلى هنا من أين هي؟». قال: وروي عن بعضهم أنه كان يطلب الحلال، فاستدل عليه، فدل على الحسن البصري بالبصرة. يعني سأل من يدلني على أحد يعينني على الوصول إلى شيء حلال. قال: فسافر إليه من بلاده البعيدة، فقال له الحسن: «إني رجل واعظ، آكل من هدايا الناس وضيافاتهم، لكنني أدلك على رجل ببلاد سجستان». فقال: فوجه الرجل إليه، فوجده كذلك، فسلم عليه، وقص عليه حاله، فبكى الرجل، وقال: «قد صدقك الإمام أبو سعيد». قال: «لكن زال ذلك عني بسبب أن البقرة عبرت ذات يوم إلى أرض جاري، وقد اشتغلت عنها بصلاة، فعادت إلى أرضي، وقوائمها ملطخة بطينها، واختلط ذلك بطين أرضي، فصارت شبهة». فعد إليه ليدلك على غيري، وبكى. يعني اختلاط طين الجار بطينه صار شبهة. قال: ومعناه ليس فيه ذاك المعنى المستقيم، ولكن مقصودهم هو الدلالة على معنى التورع، لكن ليس بهذه المبالغة. فاختلاط الطين بالطين هذا من المشقة التي لا يمكن الاحتراز عنها، لا يمكن احترازها. فهو من الشيء اليسير الذي يعفى عنه. قالوا: عن عبد الله بن الجلّاق: «أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة، لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوة ورشائه، ولم يتناول من طعام جلب من مصر شيئًا». يعني من شدة تورعه أن تكون أوعية الناس مغصوبة، أو من كسب حرام. قال: وعن بشر بن الحارث الحافي بن علي بن عبد الرحمن، قال: سمعت المعافي بن عمران يقول: «كان عشرة فيمن مضى من أهل العلم ينظرون الحلال الشديد، لا يدخلون بطونهم إلا ما يعرفون أنه من الحلال، وإلا استفوا التراب». ثم عد بشر: إبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، وعلي بن فضيل بن عياض، وأبا معاوية الأسود، ويوسف بن إسباط، ووهيب بن الورد، وحديفة شيخًا من أهل حران، وداود الطائي، وعد بشر عشرة. يعني أن هؤلاء كانوا يشددون على أنفسهم في آخر الحلال، فإذا لم يجدوا سف التراب. يعني لم يأكلوا شيئًا. قال علي بن معين المحدث: المال يذهب حله وحرامه يومًا ... ويبقى في غد آثامه ليست تقي بمتق لإلهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما تحوي وتكسب كفه ... ويكون بحسن الحديث كلامه نطق النبي لنا به عن ربي فعلى ... النبي صلاته وسلامه قال: وسئل سفيان الثوري عن الورع، فأنشد: إني وجدت فلا تظنوا غيره ... هذا التورع عند أهل الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركته ... فاعلم بأن هناك تقوى المسلم قال: وعن محمد بن عبد الكريم المروزي: «لما ولي يحيى بن أكتم القضاء، كتب إليه أخو عبد الله بن أكتم من مرو، وكان من الزهاد: لقمة بجريش الملح تأكلها ... ألذ من تمرة تحشى بزنبور وأكلة قربت للهلك صاحبها ... كحبة الفخ دقت عنق عصفوري قال: وعن إبراهيم النوشي، أنه استوصاه صاحب له عند وداعه، فقال: «أوصيك أن يكون عملك صالحًا وتأكل طيبًا». وهذا فيه ما تقدم من الأمر بأكل الطيب، والحرص على العمل الصالح. قال: وبهذا القدر نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.