شرح مختصر شعب الإيمان  7

شرح مختصر شعب الإيمان 7

تتمة .. 5-الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله عز وجل . 6-الإيمان باليوم الآخر . 7-الإيمان بالبعث والنشور بعد الموت . 8-الإيمان بحشر الناس بعد ما يبعثون من قبورهم إلى الموقف .

مفهوم الإيمان باليوم الآخر

الإيمان باليوم الآخر هو ركن من أركان الإيمان، ويعني التصديق بأن للدنيا نهاية وبما يحدث فيها من أهوال. هذا الإيمان يستلزم التصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله عن هذا اليوم.

أدلة الإيمان باليوم الآخر من الكتاب والسنة

هناك العديد من الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية التي تثبت الإيمان باليوم الآخر، وتفصيل ما يحدث فيه من بعث وحشر وأهوال. هذه الأدلة تشمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن علامات الساعة والبعث بعد الموت.

تفاصيل الإيمان بالبعث والحشر وأهوال يوم القيامة

يؤمن المسلمون بقدرة الله على بعث الناس من قبورهم وإحيائهم يوم القيامة، مستندين إلى أدلة من القرآن والسنة. كما يؤمنون بتفاصيل الحشر وأهوال يوم القيامة ونفخ الصور، مما يستوجب الاستعداد لهذا اليوم بالعمل الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكر في الشعبة الخامسة من شعب الإيمان، الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله عز وجل. وقد علمنا فيما سبق أن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، فهو من أركان الإيمان، فضلا أنه من شعب الإيمان، فهو من باب أولى أن يكون كذلك. وأدلة هذا الباب كثيرة، وأشار المؤلف رحمه الله إلى بعضها، وأخذنا كذلك بعضا منها. وعلمنا أن الإيمان بالقدر يستلزم الإيمان بأربع مراتب، وأخذنا ذلك على وجه الاختصار فيما يناسب هذا المقام. ومر معنا كذلك ما أشار إليه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعلمنا كذلك فيه أن الحديث يستدل به العلماء على إثبات القدر، وأنه يستدل بالقدر على الآلام والمصائب لا الآثام والمعايب. ومعناه أنه لا يستدل بالقدر على المعاصي، ولكن يستدل به على ما يبتل به الإنسان من مصيبة. فما وقع لآدم عليه الصلاة والسلام شيء نبتلي به، وقد غفر الله له، فهو بهذا الاعتبار من المصائب والآلام. فذكر آدم لذلك هو من باب الاستدلال بالقدر على الآلام والمصائب لا الاستدلال به على الآثام والمعايب. فلا يجوز لمسلم أن يستدل بالقدر على تقصيره وعلى تفريطه، بل ينبغي أن يلوم نفسه ويوبخها، ويأمرها بما فيه كمال عبادة ربه والاستقامة على دينه وشرعه. ولهذا كان الظلال في باب القدر وهم الجبرية والقدرية النفاة للقدر، والقائلين بالجبر فيه على طرفي نقيض. وأهل السنة والجماعة الذين وفقهم الله للدين الحق الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فليس مذهبهم مذهب القدرية الذين نفوا القدر، ولا مذهب الجبرية الذين غلوا في القدر حتى زعموا أن ما يفعلونه من معاصي هو مما لا اختيار لهم فيه، فهذا عين الضلال. ومرت معنا في دروس ماضية حكاية ذكرها العلماء، فيها شيء من الطرفة، مع ما فيها من ضرب المثل المناسب لمثل هذا المقام، والمجلي للكثير من العوام ما قد يلتبس عليهم في هذا الباب. قيل أن رجلا سنيا كان له صاحب عنده ضلال في القدر، فكلما نصحه قال: إنما هو بقدر الله، مصر على الذنوب والمعاصي. فإذا نصحه استدل بالقدر. ففكر كما قيل، فجاءه فنصحه وزجره فلم يستجب، واستدل كعادته بالقدر، فضربه ولطمه، فقال: لماذا ضربتني؟ قال: قدر الله علي. يعني كما أنت تقول: فعلك للمعصية قدر الله علي، فكذلك ضربي إياك بقدر الله وقدر الله علي. فكانت هذه كالتنبيه لذلكم الظالم. فكما أنه لا يرضى بهذا، فكذلك لا يرضى لنفسه بما هو عليه. فالقدر السابق هو مما يجب الإيمان به، وهو لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال، لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال، بل لابد من الجد والاجتهاد والحرص على العلم والعمل الذي يعين على صلاح الدنيا والدين. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحوال أهل القبور، وأنه ما من نفس إلا وقد علم مكانها من جنة أو نار، فقالوا: لما العمل يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. ثم قرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فإذن لا يستدل بالقدر ولا يستند عليه في ترك العمل، فإن علم الله السابق وقدره النافذ لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال. فلهذا أمر أهل الإسلام بالعمل. وكل هذا لا ينافي ما سبق من الإيمان بالقدر، كما أخبر الله عز وجل به، وما جاءت به نصوص الشرع، سواء العلم السابق أو القدرة النافذة والمشيئة أو التقدير أو المشيئة أو كذلك الخلق. وقد قال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾، ﴿إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وغيرها من الآيات والأدلة في هذا الباب. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس». فالفطنة والذكاء، وكذلك الخمول والغباء، كل هذا بقدر الله سبحانه وتعالى. وهل هذا يقتضي منع وترك العمل والاتكال على القدر؟ الجواب: لا، بل الجميع مأمور بالعمل. ولهذا جاءت النصوص في الكتاب والسنة تحث الناس أجمعين على العمل: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. قال رحمه الله تعالى: السادس من شعب الإيمان، الإيمان باليوم الآخر، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال الحليم: ومعناه التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا. ولهذا سمي اليوم الآخر لأنه آخر أيام الدنيا، ليس بعده يوم من أيام الدنيا. قال: وأنها منقضية، وهذا العالم منقض يوما ما، ففي الاعتراف بانتهائه اعتراف بابتدائه، إذ القديم لا يفنى ولا يتغير. ومعناه أنه يستلزم ذلك، لأن المؤمن إذا آمن باليوم الآخر، فهو من باب أولى أن يؤمن بما كان من خلق هذه الدنيا، وأن الله جل وعلا خلقها وأوجدها من العدم، خلافا لقول الدهريين الذين على غير هذا من الباطل، وهم يزعمون أن هذه الدنيا ليس لها أول ولا آخر، وهذا باطل مخالف ليس فقط للشرع بل حتى للحس. قالوا: في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «والذي نفس محمد بيده، لتقومن الساعة، وثوبهما بينهما لا يتبايعانه ولا يطويانه». ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته من تحتها، وقد رفع أكلته إلى فيه لا يطعمها. الحديث والحديث كما أشار المعلق في الصحيحين، وهو من حديث أبي هريرة، وذكرها هنا معنى لفظه في الصحيحين. والمقصود من هذا أن الساعة تقوم على غفلة وبغتة للناس، حتى إنهم لا ينتهون من أعمالهم إلا وقد قامت قيامتهم، وحصل ما يفاجئهم. وعند ذلك كما جاء في حديث أبي هريرة كذلك يؤمن الناس كلهم، ولكن إذا طلعت الشمس من مغربها، ذلك يوم لا ينفع نفسا إيمانها، لأن الله عز وجل قد قضى بذلك. وهذا كذلك ركن آخر من أركان الإيمان، وهو من شعب الإيمان، وهو من شعب الإيمان. وانظروا جعله السادس، كما أنه كذلك أحد الأركان الستة من أركان الإيمان. وأدلة إثبات الإيمان باليوم الآخر كثيرة من الكتاب والسنة، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِينَ لَوَاقِعٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، وغير ذلك من الآيات والأدلة الكثيرة التي فيها ذكر ما يجب الإيمان به من الإيمان باليوم الآخر. والإيمان باليوم الآخر يستلزم الإيمان بكل ما أخبر الله عز وجل به بكتابه، أو أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته من تفاصيل كثيرة يجب الإيمان بها. فيجب على المسلم أن يصدق تصديقا جازما بأن ذلك كله جملة وتفصيلا آتيا لا محالة. ومن معاني التصديق أن يعمل بموجب هذا العلم، فيعمل بموجب هذا العلم ما تقتضيه معاني الإيمان والإسلام. ومن ذلك الإيمان بأشراطها وعلاماتها، والموت وما يكون معه وبعده من أخبار جاءت بها أدلة الكتاب والسنة، كالبعث والنشور، وكذلك علامات الساعة الصغرى والكبرى، وغير ذلك مما أخبرنا به وجاءت به النصوص من الكتاب والسنة. فمن ذلك الإيمان كذلك بالحياة البرزخية وما أخبر الله عز وجل به. فالحياة البرزخية كذلك مما يجب الإيمان به. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الساعة، قال وقد نظر إلى القوم: «إن يمت هذا تقم قيامتكم -أو قال: ساعتكم-». قال العلماء: في هذا دليل على أن قيامة الإنسان تكون من بعد موته. فكل هذا يدخل في الإيمان باليوم الآخر. وبعضهم فصل كما سيأتي إن شاء الله ذكره بعد هذا. فنؤمن بكل ما أخبر الله عز وجل به من الإيمان بالحياة البرزخية، من إتيان ملك الموت، وكذلك أخذ الأرواح، وما يكون من أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، كما جاء في حديث البراء بن عازب الذي رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث طويل فيه ذكر ما تمر به النفس المؤمنة والكافرة أو الفاجرة من مراحل، من حين قبض الروح إلى حين أن توضع في القبر، فتفتح لها إما إلى الجنة وإما إلى النار. وهكذا كذلك تفاصيل كثيرة صحت به الأحاديث، كحديث الأرواح في السؤال، وسمع قرع النعال، وهو بالصحيح. وحديث أسماء في سؤال الملك بالأسئلة الثلاثة عن الدين وعن الرب وعن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا حديث ابن عباس في ذكر بعض أحوال أهل القبور: «إنهم ليعدبان، وما يعدبان في كبير». الحديث. وكذلك ما يقتضيه هذا من الدعاء، كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: «كان يكثر من التعوذ من ثلاث في صلاته عليه الصلاة والسلام». وغير ذلك مما أمرنا الإيمان به، وأن نحقق ذلك علما وعملا. ومما يناسب ذكره في هذا المقام كذلك أن نعلم مراحل هذا الإنسان، فقد مر ويمر كل إنسان بمراحل. فمراحل الإنسان خمسة: مرحلة العدم، ومرحلة الحمل، ومرحلة حياة الدنيا، ومرحلة الحياة البرزخية، وبعدها ما يكون بعد اليوم الآخر، إما إلى جنة وإما إلى نار. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته ورضوانه. قال رحمه الله: السابع من شعب الإيمان، الإيمان بالبعث بعد الموت، لقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، ولقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ولحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالصحيح، قال في حديث الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث من بعد الموت، وبالقدر كله». ففي رواية: «وبالبعث من بعد الموت». والإيمان بالبعث بعد الموت من شعب الإيمان، هكذا ذكره جماعة من أهل العلم. وبعضهم أدخله في الإيمان باليوم الآخر، لكن فصل بعض أهل العلم لما جاءت به النصوص مفصلة، ولأن قوما من. فصار من الإيمان الإيمان بالبعث بعد الموت. وأدلة ذلك كثيرة، أشار إلى بعضها. وغيرها كثير، كقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وغيرها من الآيات والأدلة في هذا الباب. وهكذا كذلك في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أدل كثيرة. وأشار إلى حديث عمر، ومعناه حديث أبي هريرة في الصحيحين. وهكذا كذلك حديث أبي هريرة في البخاري وغيره، الآخر الذي هو حديث قدسي، يقول الله عز وجل: «كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يبعثني الله. قال الله عز وجل مجيبا: فالذي بدأ الخلق أهون عليه أن يعيده». الحديث. وهكذا كذلك مما جاء من أدلة البعث، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمر بعث الناس وقيامهم ونشورهم. وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك في الذي بعده في ذكر الحشر. وقد صح في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب ذنبه، ومنه يركب». ومعنى أن الناس يبعثون من عجب أذنابهم، فإنه مما لا يفنى في التراب، بل يحييهم الله عز وجل منه. فإن قال قائل: فإن أحرق الإنسان أو نثر بعضه في البر وبعضه في الماء والبحر، فهل هذا معنى أنه لا يركب؟ الجواب: لا. فالله على كل شيء قدير. وقد صح في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا ممن كان قبلنا قد عمل عملا، فخاف على نفسه من عمله، فأوصى أولاده: إن هو مات أن يحرقوه، ثم ينثر بعضه في يوم ريح في البر، وبعضه في البحر. فلما فعلوا ذلك جمعه الله، فقال له: ما حملك على أن تصنع ذلك؟ قال: مخافتك يا رب. فغفر الله له. ولذلك يؤمن أهل الإيمان والإسلام أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وهو قادر على جمع هذا الإنسان، ولو أكلته الحيتان أو أحرقته النيران أو رمي بالبحار وماذا أعماق القيعان، وغير ذلك. فالله عز وجل على كل شيء قدير، قادر على جمع هذا الإنسان ودخوله في الحياة البرزخية، كما صحت به الأدلة. قال رحمه الله تعالى: الثامن من شعب الإيمان، الإيمان بحشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف. أي كذلك من شعب الإيمان الإيمان بالحشر. وهذا كذلك بعضهم فصل كما ذكرها هنا، وهو تبع في هذا لما ذكره البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان. وبعضهم جعل ذلك مما يدخل في معنى الإيمان باليوم الآخر. قال رحمه الله: لقوله تعالى: ﴿لِيَظُنَّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صحيح مسلم: «يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». وأدلة هذا الباب كثيرة في إثبات الحشر والنشور، وما يكون من معاني ذلك يوم القيامة. فذكر رحمه الله هنا هذه الآية وهذا الحديث. والآيات في هذا الباب كثيرة، فمن ذلك آيات النفخ، وما أخبر الله عز وجل تبعا لذلك بما يكون من أمر حشر الناس، وأهوال مصاحبة لذلك، كما جاء في سورة التكوير وسورة الانفطار، وكذلك غيرها من السور التي فيها ذكر هذا المعنى. ومما يناسب ذكره في هذا المقام ما ذكره العلماء في أمر النفخ، فإنه صح في أدلة الكتاب أن النفخ يكون للفزع، كما قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. ويكون كذلك للصعق، فيصعق الناس، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. وكذلك نفخ القيام والبعث، وهذا هو المقصود. ومنه قول جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. هذه ثلاث نفخات. وبعضهم قال: هناك نفخة رابعة، وهي نفخة القيامة. واختلفوا: هل هي نفخة البعث أم هي رابعة على ما جاءت به الأدلة؟ واختلاف فهم أهل العلم لها. ومنه ما جاء في الصحيح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حين أخبر أنه يبعث، وموسى عليه الصلاة والسلام آخذ بقائمة العرش -أو بقوائم العرش- قال: «فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أم بعث قبلي». والحديث في صحيح مسلم. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا المقام ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من نفخة إسرافيل للنفخة الأولى، فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، فتصير الأرض صعيدا جرزا، والجبال كثيبا مهيلا، فيتحقق ما أخبر الله عز وجل به في آيات وسور كثيرة، كسورة التكوير والانفطار وغيرها من الآيات. ومن ذلك ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أن ما بين النفختين أربعون». قيل لأبي هريرة: أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: سنة؟ قال: أبيت. يعني لا يدري، سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، فيرويه كذلك. فالله أعلم كم هي المدة بين النفختين، لكننا نؤمن أنها على أربعين، كما صح به الحديث. ومن ذلك أننا نؤمن كذلك أن نبينا عليه الصلاة والسلام أول من يبعث، كما قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر. وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر. وأنا أول من يحرك حلق الجنة فأدخلها». ويدخلها معي الفقراء. والحديث بهذا اللفظ فيه ضعف، لكن بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن، فقد جاء من حديث أنس وغيره. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيح، الجزء الرابع. إلى هنا والله تعالى أعلم.