الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 39، 72-الغيرة وترك المذاء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أسباب اجتناب فتنة النساء مثل تذكر التحذير من الفتنة والنظر في عاقبة الواقعين فيها. كما يذكر أسباب الزهد في الدنيا حسب الإمام ابن القيم.
يتناول هذا الفصل مفهوم الغيرة والمذاء في الإسلام، حيث يعتبر الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق. كما يحذر من الدياثة ورضا الرجل بفساد أهله.
يتناول هذا الفصل تحريم اختلاط الرجال بالنساء وخطورة الفتنة النسائية، حيث يمنع الرجال من الدخول على النساء حفظًا لفتنة النساء وغيرة على محارم الله وعلى أعراض المسلمين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكر من أمر الزهد في الدنيا، وقصر الأمل فيها. وآخر ما أخذناه حديث أبي سعيد رضي الله عنه في التحذير من فتنة الدنيا، واستخلاف الله عز وجل لهذا الإنسان فيها، وامتحانه وابتلاؤه بما فيها من شهوات، والتحذير من فتنة وشهوة النساء. فإن فتنة النساء من أعظم تلك الفتن، فهو من عطف الخاص على العام تنبيهًا على أهميته. ومما يتم به هذا المعنى، ويعين على الحذر من فتنة النساء، أن يتذكر أولًا ما روي في هذا الباب من تحذير الناس من فتنة النساء. فإن ذلك يعين المرء على تعظيم هذه الفتنة في نفسه، خصوصًا إذا تدبر وتأمل مع ما ورد من وعيد وتحذير فيمن يقع في هذه الفتنة. يتأمل معه الأدلة الكثيرة التي فيها سد الذرائع المفضية لفتنة النساء، حماية لهذا الإنسان ألا يقع فيها. فحرم نبينا صلى الله عليه وسلم، بما أوحى الله إليه، الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومصافحة المرأة الأجنبية، وسفرها من دون محرم، وأمرت بالحجاب الشرعي الكامل، فتستر جميع جسدها. كل ذلك حماية للمجتمع ألا يقع في هذه الفتنة. وغير ذلك كثير مما يؤكد المعنى المتقدم. ومما يزيد كذلك الأمر تجلية لمن أراد أن يجتنب هذه الفتنة، أن يتخذ سببًا آخر، وهو أن ينظر إلى حال الواقعين فيها، كيف وقع لهم الخزي في الدنيا، فضلًا عن عذاب الله في الآخرة. فإن هذا واعظ آخر، وسبب معين لاجتناب هذه الفتنة. وأمر ثالث، أن ينظر ويتأمل في الأدلة التي وردت في عاقبة هذه الفتنة في الآخرة. فمنتهى هذه الفتنة الوقوع في الزنا والفحش، والعياذ بالله. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر حال الزنا ما تقشعر منه الجلود. فإنهم يرمون في تنانير من نار، فلا يزالون يعذبون فيها. وغير ذلك مما ورد في هذا الباب. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له»، فكيف بما هو فوق ذلك؟ وأمر رابع، مما يعين المرء على اجتناب هذه الفتنة، أن يتذكر قصر هذه الدنيا. فإذا تذكر قصرها، هان عليه أمر الصبر عن هذه الفتنة، وغيرها من الفتن الأخرى. وأمر خامس، مما يعين كذلك على اجتناب هذه الفتنة، أن يعلم أن الله عز وجل قد أغناه بالحلال عن الحرام فيها. أغناه بالحلال عن الحرام، فأحل له النكاح الذي يغنيه عن السفاح. بل ومن فضل الله عز وجل ورحمته، أنه أجاز له أن ينكح الواحدة والاثنتين والثلاث والأربع، بشرط أن يتق الله عز وجل في العدل. فإذا نظر إلى هذا وتأمل فيه، وما ورد في هذا الباب، لم يكن له عذر، وكان هذا كذلك مدعاه لعظته والتذكيره. وأمر آخر، أن يعلم كذلك ما عده الله عز وجل للمحسنين في هذا الباب من عظيم فضله، وواسع عطائه في جنته سبحانه وتعالى، التي فيها ما لعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإنه إذا تفكر في ذلك، وعلم أنها دار الحيوان، دار البقاء، دار كل طيب، دعاه ذلك لأن يصبر عن هذه الفتنة. مع ما لا يخفى عليه من عدل الله عز وجل فيمن اقتحم شيئًا من حدود الله. فإن الجزاء من جنس العمل. فمن شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة. وهكذا كذلك، يخشى على من وقع في هذا الباب أن يحرمه الله عز وجل عظيم فضله، وواسع عطائه. فإذا تأمل هذه الأمور الستة، أعانه بإذن الله على اجتناب هذه الفتنة. ومما يناسب ذكرها هنا كذلك، على وجه الاختصار، ذكر الأسباب التي تعين على الزهد في الدنيا. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله ثلاثة أسباب تعين على الزهد في الدنيا. السبب الأول، أن يتفكر في قصر هذه الدنيا، وما ضرب الله عز وجل فيها من أمثال. فهذه الدنيا كماء نزل من السماء، فنبت به الأرض، وسريعًا ما صار هشيمًا تدره الرياح. وهكذا كذلك الأحاديث التي مرت معنا. فإذا تذكر قصر هذه الدنيا، أعانه ذلك على الزهد فيها. وعلمنا فيما سبق أن أكمل الزهد بأن يترك ما يشغل عن الله، أن يترك كل ما يشغل عن الله. ولا ينافيه الاستعانة بالحلال عن الحرام. والسبب الثاني، مما يعين على الزهد في الدنيا، أن يستحضر أن الله لم يحرم عليه كل الدنيا، بل أحل له منها ما ينتفع به. بل وفوق ذلك، مما لا ينافي الزهد، فضلًا عن طاعة الله ومرضاته، فيستعين بذلك الحلال الطيب عن الحرام. ويعينه ذلك على الزهد في الدنيا، إذا علم أن الزهد في الدنيا لا ينافيه استعمال الحلال بما يغنيه عن الحرام. والأمر الثالث، أن يتذكر عظيم فضل الله سبحانه وتعالى، واسع عطائه في الآخرة، بل وفي الدنيا لمن صبر عن هذه الدنيا وفتنها، وزهد فيها. مع ما لا يخفى عليه من حياة الآخرة، فهي من كل المعاني كاملة. ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهي دار البقاء، واليوم الواحد كخمسين ألف سنة. فكم عسى أن يكون عمر الإنسان، فضلًا أن يقاس في يوم من أيام الآخرة؟ وهذا كله يعين المرء على الزهد في هذه الدنيا. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله معنى هذا الكلام في مواضع من كتبه. قال رحمه الله تعالى: الغيرة من الإيمان، وترك المذاء من الإيمان. لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه بصحيح البخاري: «إن الله عز وجل يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عز وجل عليه». وحديث أم سلمة رضي الله عنها بالصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وفي البيت مخنث، فقال لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة: «يا عبد الله، إن فتح الله لكم الطائف غدًا، فإني أدلك على ابنتي غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلن هؤلاء عليكم». وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الغيرة من الإيمان، وإن المذاء من النفاق». قال الحليمي: المذاء هو أن يجمع بين الرجال والنساء، ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضًا. وأخذ من المذاء إرسال الرجال مع النساء. من قولهم: مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى. من شعب الإيمان الغيرة على حرمات الله، وعلى ما يتعلق بفتنة النساء خاصة. فإن ذلك من الإيمان، وترك المذاء. ومعنى كما هو واضح، هو ما ينافي الغيرة، ما ينافي الغيرة من كل قول وفعل ظاهر أو باطن ينافي الغيرة. فهذا هو معنى المذاء. فيدخل فيه أقوال كثيرة تكون سببًا لإذهاب الغيرة، ووقوع فتنة النساء. وهكذا كذلك أفعال أكثر. وما ذكره الحليمي هو معنى من معاني المذاء، وصورة من صوره الفاحشة مما كان عليه أهل الجاهلية. فيحصل بينهم بحسب قوة وضعف أيمانهم، وكذلك مرؤتهم. فإن الناس إذا لم يكن عندهم دين، كان عندهم من المرؤة والشهامة وخوف العار ما قد يمنعهم ويحجزهم عن الأمور الساقطة. وكلما كان الناس أبعد عن ذلك، كثر فيهم معاني السقوط. ومن ذلك حصول مثل هذه المجتمعات المختلطة، حتى يحصل ما ذكره رحمه الله. فهي صورة من صوره الفاحشة. ولا يزال في بعض المجتمعات مثل هذه المجامع. فهي من بواقي أفعال الجاهلية الخبيثة. ولكن لا شك أن بعض شياطين الإنس والجن يزين ذلك بصور ومعاني حتى يستهجنها بعض الناس. مثل احتفالات بعض الجامعات، فإنه يقع فيها من هذا المذاء الفاحش ما يكون به الفحش والعياذ بالله، إن لم يكن كله بعضه. وهكذا كذلك ما يكون في أيام الأعياد والأعراس، وغير ذلك مما يكون فيه هذا الفحش. ومنه كذلك ما ذكر: إرسال الرجال مع النساء. فإنه مدعاه لوقوع هذا المعنى الفاحش، سواء في عمل أو كان في عرس. رجال أجانب مع نساء أجانبيات، أو واحد مع أجنبيات، أو واحدة مع أجانب. ولهذا صح الوعيد الشديد، والنهي الأكيد في تحذير الخلوة بالمرأة الأجنبية. فما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم. فإن لم يكن كذلك، فلا يحل له. لا تقول: «هذه ابن عمتي، هذه قريبتي، هذه قريبة أبي»، أو غير ذلك. فهذا مما لا يجوز، فهو مدعاه للوقوع في هذه الفتنة. ولا يرتضي ذلك إنسان في قلبه إيمان كامل. ونقص الإيمان هو السبب في الوقوع في مثل هذه الأفعال. ولا يدافع عن ذلك ويصر عليه إلا منافق، في قلبه شيء من النفاق. لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد، وهو حديث حسن بمجموع طرقه: «الغيرة من الإيمان، والمذاء من النفاق». والمذاء من النفاق، أي: ما ينافي الغيرة، فهو من النفاق. فمن رضي لرجل أجنبي أن يبات في بيته مع نسائه، فهو فيه شعبة من شعب النفاق. ومن رضي لامرأته أن تسافر بدون محرم، فهو فيه شعبة من شعب النفاق. ومن رضي لابنته أو لأخته أو لامرأته أو لأمه أن تعمل في موضع فيه رجال، فهو فيه شعبة من شعب النفاق. وهذا كله من معاني المذاء. ومن رضي لامرأته أن تختلط بالرجال في الأسواق أو في غيرها، ففيه شعبة من شعب النفاق، إن احتجت إلى شيء فليكن معها محرم. ومن رضي لامرأته أو لأخته أو لبنته أن تدخل على طبيب وتخلو به، وهو كذلك، ففيه شعبة من شعب النفاق. ومن رضي لامرأته أن تكلم الرجال الأجانب من دون حاجة، وبغير الضبط الشرعي، فهو فيه شعبة من شعب النفاق. لأن الغيرة من الإيمان، والمذاء من النفاق. وهذا يتناول كل قول وفعل فيه ما ينافي الغيرة المطلوبة في هذا الباب. حتى في البادية، ليس الفساد يقتصر على الحاضرة. فالحضر كذلك فيهم الفساد، والبدو كذلك فيهم من الفساد. فدخول بعض الرجال على النساء بتضييفهم إياهم، كما يفعل في بعض النواحي من باب حفظ إكرام الضيف، هذا من النفاق، وهو من المذاء المحرم، لا يجوز. المرأة الأجنبية أن تضيف الرجال، ليس ذلك ينافي إكرام الضيف. الضيف يكرمه الرجل، ليس تكرمه المرأة. فإذا لم يكن في البيت رجل، يرسل له الصبي. فيقال: «أبو البيت غير موجود، توكل على الله، يمشي أرض الله واسعة، وما سيضيعه الله». كأن هذا البيت غير موجود، حتى ولو كانوا في بادية. إن كان يريد ماء يتزود به، أو طعامًا ضروريًا، يرسلوه مع صغير، أو يضعوه لو عند الباب، ويأخذه يمشي. أما أن يجلس بين النساء، ويقهوى كما يقال، ويعطى له الطعام، ويضاف. فهذا ليس من الإكرام، بل هذا من الإهانة. إهانة له لو كان رجلًا شهما أن يقعد بين النساء، وإهانة لصاحب البيت أن يأتي رجل أجنبي ويجلس مع نسائه. تتعجب لبعض الفطر كيف انحرفت، فيرضون مثل هذه الأخلاقيات الساقطة. وبمثل هذا التساهل وقع الشر في البوادي. ما يدرى إلا ووقع حمل الزنا، وكثر هذا بسبب تساهل الناس بهذه الأخلاقيات الساقطة، حتى استهجن بعض هؤلاء أفعالًا شنيعة، وأخلاق منحرفة. يأتي الرجل فيسمر عنده بنات فلان، ماذا يفعل؟ قال: يسمر عندهم، ربما يخطب منهن. ومن أحل له أن يفعل مثل ذلك؟ هل أحل له الشرع شيء من هذا؟ هذا حرام، لا يجوز. إن لم يكن هناك دين، فأين الغيرة؟ أين الشهامة؟ أين الرجولة؟ تتعجب من بعض الناس حين وقعت فيهم مثل هذه الأخلاقيات. وهكذا كذلك أعظم من هذا: المبيت، أن يأتي الغريب فيبات عند أناس، ورجلهم غير موجود. وهذا من أعظم الخبث، فإنه قد شدد فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك المرأة ترعى الغنم، فتختلط بالرجال، أو تجالس الرجال، أو يأتي الرجال فيجلسون عندها، ونحوه من الأفعال الخبيثة الساقطة التي هي من المذاء، وهو من النفاق، وهو من النفاق. ثم أورد رحمه الله تعالى هاتين الآيتين: الآية الأولى عامة، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. والمعنى: ليس تقي نفسك فقط، بل وكذلك أهلك. ومن الأهل النساء. فأنت تبعد عنهن أسباب النار، بل وعنك كذلك. ففي الآية أن سلامة الإنسان ليس بتسليم نفسه من عذاب الله وغضبه، بل وكذلك تسليم أهله. فإذا لم يفعل ذلك بحق أهله، وهو الراعي عليهم، فيلحقه العذاب. فإذا كان أب مستقيم، لا تعرف له مخالفة، لا يعرف إلا بالخير، ولكنه ضعيف في أهله، ضعيف. فانفلتت نساؤه، فهذا يخشى عليه من هذه الآية، لأنه راعي ومسؤول عن هذه الرعية. ومن أعظم الفتنة: النساء، فتنة النساء. وإذن من أعظم العذاب ما يكون في هذه الفتنة. ولهذا صار منافقًا إن رضي بذلك، وهو الديوث. إن رضي بالفحش بأي معنى من معانيه، سواء كان فحشًا حسيًا أو كان معنويًا، فهو الديوث الذي يرضى بالفاحشة لأهله. وهذه الفاحشة قد تكون فاحشة حقيقية كحال بعض الساقطين، وقد تكون دون ذلك. ومعاني الدياثة درجات ومراتب. ثم ذكر الآية الثانية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية في سورة النور. والمقصود أن الآية فيها التحذير من فتنة النساء، ومن ذلك غض البصر بالنسبة للرجل، وبالنسبة للمرأة. وكذلك كل وسيلة تفضي إلى هذه الفتنة. فمن لا يغض بصره، ليس عنده غيرة، وعنده شيء من النفاق. ومن لا تغض بصرها، ليس عندها غيرة، وعندها شعبة من النفاق. ومن يرضى لأهله بعدم غض بصره، فكذلك ليس عنده غيرة، وعنده شعبة من النفاق. وهكذا قل في كل معنى يفضي إلى هذه الفتنة. في البصر، في السمع، في اليد، في كل شيء. فمن يرضى لأهله بسماع الأغاني الماجنة، والمناظر القبيحة. وللأسف كحال أكثر البيوت اليوم: مسلسلات وأفلام العشق والغرام، وتلك الصور القبيحة التي ترى بمجمع الرجال والنساء، تراها الشابة ويراها الشاب. من يرضى لمثل هذه الأجهزة في بيته، فهو ليس عنده غيرة، وعنده شعبة من شعب النفاق. لأن الغيرة من الإيمان، والمذاء من النفاق. وهذا من المذاء. لأن المؤمن لا يرضى بفتنة النساء في أهله، لا لأبنائه، ولا لبناته. بالله عليكم، لو أن هذا المنظر منظرًا حقيقيًا، هل يرضى أحد لابنته أو لزوجته، بل لأمه أن ينظر لرجل يفترش امرأة أو يقبلها؟ لو رأى أحد أحد محارمه، ربما صفعها في وجهها: «كيف تنظرين لمثل هذا؟» بل لو رأى ابنه لصفعه: «كيف تنظر مثل هذا؟» أما تستحي؟ طيب ما الفرق؟ وهذه الصورة تؤثر، تخلق أخلاقيات سيئة، وتبني كذلك مشاعر فاسدة. حتى صارت عواطف الكثير من النساء طائشة، فسقطنا في فتن كثيرة. يعيش الكثير من النساء بسبب وسائل الإعلام المنحرفة في عواطف جامحة خيالية، بعيد كل البعد عن الواقع، بما أخذنه من هذه الأفلام والمسلسلات والأغاني وغيرها. فإذا وقعنا في الواقع، وجدنا ذئابًا شرسة يعبثون بأعراضهن. فعند ذلك تقع هذه الفتنة العظيمة. وهذا الذي ابتليت به المجتمعات من أعظم أسباب وقوع المجتمعات في هذه الفتن: وسائل الإعلام الخبيثة التي أفسدت الكثير من البيوت. ربما تجد كما يقال: أسره لا تعرف إلا بخير، فتفضحها امرأة أو يفضحها شاب بسبب ماذا؟ بسبب هذا الداء الذي دخل في حال غفلة أهله. فهذا قليل من كثير من معاني المذاء الذي جاء تحريمه في هذه الأدلة المذكورة. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله عز وجل يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عز وجل». وفي هذا تأكيد ما سبق من أن من لا يغار، فلا إيمان له أي كامل. وأن المنافق هو الذي لا يغار. فإن الغيرة من الإيمان، والمذاء من النفاق. ثم ذكر حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها. وفي قصة ذلكم المخنث. والمقصود به الرجل الذي فيه أنوثة. بعض الرجال يخلقون وفيهم شيء من الأنوثة في طباعهم. وقد يكون مخنثًا حقيقيًا، وهو من فيه عضو المرأة وعضو الرجل، تشويه خلقي ابتلاء وامتحان من الله سبحانه وتعالى. ولله حكمة في ذلك. فأمثال هؤلاء قد يتساهل بعض الناس في التعامل معهم. وكان هذا في الجاهلية. فلما جاء الله بالإسلام، أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره بأن لا يدخلوا أمثالهم على النساء. ليس كونه فيه أنوثة، وليس فيه رجولة، ولو كان شكله شكل الرجل. معنى أن يتساهل معه بالدخول على النساء. بل يحرم دخوله على النساء بنص هذا الحديث وغيره مما ورد في هذا الباب. وهذا يدل على أن بعض الأحكام جاء التشريع بها متأخرًا. ولله حكمة في ذلك. فلا يجوز دخول المخنثين على النساء، ولا يجوز كذلك دخول النساء عليهم. وهذا الحديث فيه أن هذا الرجل وصف هذه المرأة، ويذكر هذه الصفات. يعني أنها عندها من الجمال الذي كان يتواصف به العرب. والمراد: تقبل بأربع وتدبر بثمان. أي: عندها لحم، ليست بالنحيفة الهزيلة. وكان هذا مما يتفاخر به العرب في الجمال. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يصف هذا الوصف منعه. واستدل العلماء بهذا ونحوه أن الولد الصغير إذا صار يميز فيصف النساء، فكذلك يحجب عن النساء. يجوز للصغير أن يدخل على النساء، فإذا ميز الصغير فصار يميز الجميل من القبيح، ويعرف مفاتن المرأة، فمثل هذا يحجب، ولو كان صغيرًا. حتى ولو كان ابن سبع سنوات، حتى ولو كان دون سبع سنوات، إذا كان يصف: «فلان عندها كذا، وهلان ليس عندها كذا». فمثل هذا حفظًا لفتنة النساء ألا تخدش، وغيرة على محارم الله وعلى أعراض المسلمين، يمنع أمثال هؤلاء من الدخول على النساء، ولو كان الأصل أنه يجوز له الدخول. نقف لهنا، والله تعالى أعلم.