شرح مختصر شعب الإيمان 38

شرح مختصر شعب الإيمان 38

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 38، 71-الزهد وقصر الأمل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الزهد وبيان مراتبه وأقسامه

الزهد هو أداء الفرائض وترك المحرمات والارتقاء بفعل المستحبات وترك المكروهات، ويصنف إلى ثلاثة أقسام: ترك الحرام، وترك الفضول من الحلال، وترك ما يشغل عن الله. يمثل هذا التعريف أساس فهم الزهد في الإسلام.

معنى الزهد وقصر الأمل في الإسلام وتطبيقات السلف الصالح

يتناول المقطع معنى الزهد في الإسلام ويوضحه من خلال أقوال وأفعال السلف الصالح، ويبين أهمية التخفف من الدنيا والاستعداد للآخرة واستغلال الصحة والفراغ في الأعمال الصالحة. يعكس هذا الجانب العملي للزهد في حياة المسلمين.

خطورة الدنيا وفتنتها ووجوب الاستعداد للموت وتحذيرات النبي

يُنبه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى خطورة الدنيا وضرورة عدم التعلق بها، ويشبهها بالغريب أو عابر السبيل، ويحذر من فتنتها خاصة فتنة النساء. يشدد على أهمية استغلال الصحة والفراغ في طاعة الله قبل فوات الأوان.

فتنة النساء وأثرها على الأمم وتأصيل النبي لها

المقطع يشير إلى أن فتنة النساء كانت أول فتنة لبني إسرائيل، ويبين أن فتنة النساء غالبًا ما تكون بداية لسلسلة من الفتن في الأمم. يوضح أن الأمم التي تصبر عليها تكون أكثر صمودًا أمام الفتن الأخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: الزهد وقصر الأمل، أي ومن شعب الإيمان الزهد في الدنيا وقصر الأمل فيها، إذ ذلك مما يزيد به الإيمان، وبالغفلة عنه والقدح فيه ينقص. والإيمان: وحقيقة الزهد في الدنيا هو بأداء الفرائض وترك المحرمات، والارتقاء بفعل المستحبات وترك المكروهات. وأعظم من ذلك الارتقاء بترك كل ما يشغل عن الله سبحانه وتعالى. ويروى عن الإمام أحمد -رحمه الله- وقد أشار إلى ذلك في التعليق، ونقله غير واحد عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال: الزهد في الدنيا هو عدم فرحه بإقبالها وعدم حزنه على إدبارها، يصير إقبال الدنيا وإدبارها عنده سواء. متى يكون ذلك؟ يكون ذلك -لا شك- إذا التفت إلى الله خالقه، ولم يلتفت إلى غيره، فعند ذلك لا يبالي بإقبال الدنيا وإدبارها، لعظيم ثقته بربه سبحانه وتعالى وخالقه، وكذلك لقوة إيمانه وعبوديته لله جل وعلا. ويروى عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قسم الزهد لثلاثة أقسام، فجعل الأول: بترك الحرام، قال: وهذا زهد العوام. الزاهد في مفهوم العوام هو الذي يترك المحرمات ويفعل الفرائض، فإذا رأوا رجلًا مقترفًا شيئًا من المحرمات أو تاركًا لشيء من الفرائض اعتبروا ذلك أنه قدح في زهده. هذا مفهوم الزهد عند العوام. أما في الشرع فكما تقدم أعلى من هذا، وذكر -رحمه الله- القسم الثاني: ترك الفضول من الحلال، يعني التوسع في الحلال من عدم الزهد في الدنيا، قال -رحمه الله-: هذا زهد الخواص. زهد الخواص، ويريد بالخواص: ليس على الصلاح المتصوفة، وإنما يريد -رحمه الله- من خصه الله بالمعرفة. وأما المرتبة الثالثة من مراتب الزهد، وهي أعلاها، ويدخل فيها ما سبق: ترك كل ما يشغل عن الله، ترك كل ما يشغل عن الله، وسمي هذا بزهد العارفين، وهو كذلك، ليس المراد به زهد المتصوفة، وإن كان عند المتصوفة عبارات نحو هذا، لكن يحمل أن المراد به هم أهل العلم الذين عرفوا ربهم سبحانه وتعالى، وما شرع لهم في دينه، وما جاءت به رسله -عليهم الصلاة والسلام-، فعند ذلك ارتقى بهم هذا العلم إلى هذه المرتبة من مراتب الزهد: ترك ما يشغل عن الله. ولهذا تجد الزاهد الحقيقي هو الذي لا يزال قلبه لله ذاكرًا، وهكذا لسانه وجوارحه، فهو يتقلب من عبادة إلى أخرى، يتقلب في أنواع العبادات، ليس بحسب هواه وشهوته، ولكن بحسب ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرتضيه. وكيف يمكنه الوصول إلى ذلك؟ الجواب: بالعلم، فبالعلم يعرف مراتب العبادات، وبالعلم يقدم الفاضل عن المفضول، بل الأفضل عن الفاضل والأهم عن المهم وهكذا، كذلك بالعلم يوسع على نفسه بما يعينه على طاعة ربه. وهذه هي طريقة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولهذا لم يمنعهم من حلال، ولو كان فيه شيء من لذات والشهوات. ويروى أن رجلًا جاء إلى الإمام أحمد -رحمه الله- في ترك النكاح وطلب التبتل زهدًا في الدنيا، فأشار إليه الإمام أحمد -رحمه الله- إلى أن ذلك ليس من سنة الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام-، وهم أزهد الناس وأطقَى الناس. فما جعل الله عز وجل نبيًا إلا وله أزواجًا وذرية، وبهذا يعلم أنهم -وهم أزهد الناس وأطقَى الناس- لم يتركوا مباحًا، بل ولا لذة أحلها الله يستعين بها المسلم في طاعة ربه جل وعلا. فقد أغنى الله عز وجل عباده بالحلال عن الحرام، وبكذلك المباح ما يعينهم على الطاعات والعبادات، وهذا هو تمام العدل وكمال الزهد، ليس زهد المتصوفة الذين سلكوا مسلك النصارى من ضل في عبادة ربه، فحرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، ولا كذلك زهد العوام الذين يكتر فيهم الفجار، فسلكوا مسلك اليهود المغضوب عليهم الذين يتحايلون على دين الله عز وجل وشرعه رغبة في الدنيا وطمعًا فيها وطولًا في الأمل. ولكن مسلكًا وسطًا، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وهذا هو حقيقة الزهد، فليس الزهد باللبس المرقع من الثياب، ولا ترك الحلال الطيب الذي أحله الله، ولكن الزهد بأن يأخذ من الدنيا ما لا يشغله عن طاعة الله. ولا مانع أن يظهر عليه أثر نعمة الله عليه، فإن الله جميل يحب الجمال، فليس مما ينافي الزهد لبس الجميل من الثياب إن تيسر لمن وسع الله عليه، كما كذلك ليس ينافيه أن يكون عليه ما قد ابتلاه الله عز وجل به من الفقر، فيلبس أحسن ما يجد ولو كان مرقعًا. وبهذا تجتمع المواقف التي رويت عن السلف، عمر -رضي الله عنه أرضاه- ثبت أنه لبس المرقع، لكنه لم يلبسه تكلفًا؛ لأن هذا خير ما وجد -رضي الله عنه أرضاه-. وهكذا كذلك صح عن بعضهم لبس الأفضل والأكمل، كالحلل اليمانية أو الشامية أو غيرها مما يتزين به، فهو عمر -أي عمر -رضي الله عنه- هو الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لو أنك اشتريت هذه -أي الحلة- فتزينت بها للوفود يا رسول الله، فاشتراها النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلم يكن الزهد هو زهد المتصوفة، ولا كذلك زهد العوام الجهال، ولكن الزهد بهذا المعنى الوسط الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. قال -رحمه الله تعالى- لقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، ولحديث أنس بن مالك وسهل بن سعد -رضي الله عنهما- في الصحيحين: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. وحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في صحيح البخاري: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». وبه أنبأنا البيهقي قال: أنشدني أبو عصمة محمد بن أحمد السجستاني بالبصرة لنفسه في هذا المعنى: خير بني آدم ما على أحمد إلا البلاغ الناس مغبونون في نعمتي صحة أبدانهم والفراغ قال: وحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- في صحيح مسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». أورد -رحمه الله- هذه الأدلة وما لحق بها، وهي قليل من كثير مما روي في هذا الباب، والمقصود من هذا توضيح ما سبق من معنى الزهد وقصر الأمل. فالآية الأولى فيها قرب الساعة، وأن مجيئها بغتة، والساعة ساعتان: ساعة كل إنسان في نفسه بموته؛ لما ثبت في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-: أن نفرًا سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القيامة، فقال: «إن يمت هذا وأشار إلى أصغرهم، قال: تقم قيامتكم»، فسر الحديث بمعنى قيامة كل إنسان بموته، وهذا معنى من معاني الساعة. والمعنى الآخر هو الساعة التي قصدت بأكثر الأدلة: البعث والنشور وما يلحق ذلك من قيام القيامة، وكل الأمرين يأتي بغتة، لا يدري الإنسان متى تقوم. وأتبع بحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- ونحوه من حديث سهل بن سعد، كما أشار، وكلاهما في الصحيحين، وفي هذين الحديثين تأكيد ما في الآية، فقوله -عليه الصلاة والسلام-: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى يعني هكذا. والمعنى: ما بين مبعثه إلى قيام الساعة بالنسبة إلى خلق آدم وخلق الخلق أقرب، يعني أنا قريب جدًا من الساعة، فما مضى من عمر الدنيا هو الكثير، وما بقي منها هو القليل. ولهذا كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- خاتم الأنبياء والمرسلين، ليس بعده نبي ولا رسول؛ لأنه ليس بعده إلا الساعة، ليس بعده -عليه الصلاة والسلام- إلا الساعة. وهذا قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، أي: ليس بعده وبعد الساعة شيء، ولا يستلزم ذلك أن يحد بسنة أو سنتين أو ثلاثة وعشر أو مئة أو أكثر؛ لأن المقصود هو قربه بالنسبة للساعة مع ما مضى من عمر الدنيا، فما مضى من عمر الدنيا كثير، وما بقي من عمر الدنيا قليل يسير. فهو آخر الأنبياء والمرسلين -عليه الصلاة والسلام-، وليس بعده إلا الساعة، وهذا هو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، فأشار إلى السبابة والوسطى. ثم أورد حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو في البخاري وغيره: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، وفيه بيان أعظم سببين يكون بهما غبن الكثير من الناس، ومعنى الغبن: أي الخسارة الداخل على الناس على غفلة. فأكثر خسارة الناس بغفلة منهم، عدم استغلال الصحة والفراغ، وهذا سببه طول الأمل، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في توضيح قصر أمل قصر الدنيا بالنسبة لطول أمل الإنسان: أن خط خطًا طويلًا وخطوطًا تعترضه، وبين -عليه الصلاة والسلام- أن ذاك الخط الطويل أمل الإنسان، ثم تقطعه ما يقدره الله عز وجل لهذا الإنسان، إن أفلت من واحد لم يفلت من الآخر حتى تكون منيته -أي على غفلة وغرة-. فما أكثر آمال الإنسان، آماله طويلة وبعيدة بالنسبة لعمره، وقليل من يعتبر ويتعظ بانقطاع هذه الآمال عن الناس، فهذا يدعونا إلى أن يحسن المرء في عمله ويصلح ويقتصد، وهذا هو الزهد، وهذا هو الزهد. وأعلى كما تقدم: أن يتخفف الإنسان في هذه الدنيا فيترك كل ما يشغل عن الله، ونتذكر قول النبي -عليه الصلاة والسلام- في تمثيله لهذه الدنيا: «أنه كرجل استضل تحت شجرة ثم تركها»، كم عسى الإنسان أن يستضل تحت شجرة؟ لا شك أنه ليس بوقت طويل. فكذلك عمر هذه الدنيا: كرجل استضل تحت شجرة ثم تركها، وما منا إلا لو استشعر في نفسه علم أنه في رحلة، وليست رحلة إلا ولها نهاية، فلا يخلق إنسان إلا وهو يبتدئ رحلته في السفر يسير في هذه الدنيا إلى أن يصل إلى ربه سبحانه وتعالى. ولكن الناس تغفل عن هذا المعنى العظيم، ولهذا مثل النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر هذه الدنيا في حديث ابن عمر: «كالغريب أو عابر السبيل»، كم عسى أن يكون الغريب مسافرًا وعابر السبيل ماشيًا؟ ولهذا أوصاه أن يكون في الدنيا كذلك، وأن يأخذ من صحته لمرضه، ومن فراغه لشغله بما يعينه على إعمار وقته واستغلال حياته في طاعة ربه سبحانه وتعالى. فإذا استشعر الإنسان ذلك أعانه هذا على إصلاح حال نفسه، وليتعظ بشيء آخر وهو أنه يسير في هذه الدنيا، ولا يتقدم يومًا في سنه إلا وهو يقطع من عمره، فمثل هذا الإنسان كشجرة بها أوراق، متى تسقط آخر ورقة تكون نهايته وتكون وفاته. فلو عددت أوراق كل إنسان بأيامه لكان ذلك مدعاه للعظة والعبرة، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يجاوز ذلك»، فلو عددت أيام حياتك كل يوم بورقة، وعلمت أنك لا تزداد تقدمًا في سنك إلا ازددت قربًا من ربك، دعاك ذلك للعظة والاعتبار. وأعظم من هذا أن تعلم كذلك أنه ليس كل إنسان يصل إلى ما قد قاله -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث، بل يعرض للناس من أقدار الله ما قد يجعل المرء يلحق بربه سبحانه وتعالى قبل ذلك. فكم نرى من موت صغار في طفولتهم، وآخرون في شبابهم، وآخرون لم يجاوزوا نصف أعمارهم، كل ذلك يدعو المرء ألا يطيل الأمل وأن يقصره وأن يجتهد في إصلاح حال نفسه. وذلك كما تقدم: بأن لا يلتفت لهذه الدنيا، فلا يفرح بإقبالها ولا يحزن على إدبارها، بل يشغل قلبه بطاعة الله سبحانه وتعالى، ولا ينافي ذلك التزود منها بالحلال بما يغنيه عن الحرام، وما يساعده على طاعة الله جل و الله. فليست الزهادة ولا الزهد كما ليس هو كذلك بفعل الحرام وإضاعة المال، ولكنه وسط بين هذا وهذا. ثم ذكر الأبيات عن أبي عصمة، والمقصود منها أن هذا من عظيم ما أوص به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لا يزال الكثير من الناس في هذه الغفلة، وفي هذا الغبن -أي في عدم استغلال الصحة والفراغ- صحة الأبدان وفراغ الأوقات. ولو تأمل الإنسان حال نفسه بمرضه لا دعاه ذلك الإصلاح حال نفسه في صحته، فكم يتأسف الإنسان في مرضه عن أوقات كانت عنده من القوة يستطيع يفعل فيها الكثير فاتت عليه. وبهذا يعلم أن ما يقضيه الله عز وجل للإنسان من مرض عسى أن يكون عونًا للإنسان على إصلاح حال نفسه بعده، ومن كان في عافية فليجتهد وليعتبر بغيره، وهكذا كذلك بالنسبة للشغل مع الفراغ. ثم ذكر حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- الذي رواه الإمام مسلم، وفيه: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». وفيه قليل من كثير مما روي في هذا الباب من التحذير من فتن الدنيا، فالدنيا مليئة بالفتن، وما سمي الدنيا إلا لدناءتها، كما قيل، وقيل: لدنوها بالنسبة لجنة الله عز وجل العالية، وكل ذلك صحيح. وهي مليئة بفتن الشهوات والشبهات، ومن أكثر ما حذرت منه هذه الأمة فتنة الشهوات، وهذا الحديث قليل من كثير مما روي في هذا الباب. فالدنيا حلوة خضرة، وهذا يفسره ما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في صحيح مسلم: حين خلق الله عز وجل الجنة والنار، جعل النار محفوفة بالشهوات، والجنة محفوفة بأنواع البلاء. فيكون في هذا مدعاء أن يصبر المسلم نفسه عن شهوات هذه الدنيا، فلا تغر الإنسان حلاوتها ولا خضرتها، ولا يعني ذلك أن يحرمها على نفسه، لكن معناه أن يحذر من أن تأخذها بزخارفها فيكون سببًا في فتنته، هذا هو المقصود. وقوله: «وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون»، يعني: اجتهدوا في إصلاح حالكم في هذه الدنيا؛ فهي أمانة ينبغي أن توضع على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. فتتقوا الدنيا: أي تتركوا ما حرم الله منها، وأخص ما يحذر منه من فتن الدنيا، وهي كثيرة: فتنة النساء، وفي ذلك تحذير الرجال من فتنة النساء، وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة في التحذير من فتنة النساء، وذلك لعظم أمرها وكثرة المفتتنين بها. وقوله: «بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت من نساء»، فيه: أن ذلك من أوائل ما يكون به فتن الأمم، وهو كذلك، فلا تجد أمة تنفتح عليها فتنة النساء إلا وتتتابع بعدها الفتن، وإذا عصمت -بإذن الله- لغيرها تكون أعصم. طيب، نقف لهنا، والله تعالى أعلم.