القواعد والأصول الجامعة 91

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 91، الدرس الحادي والتسعون : من ( ومن ذلك هدايا العمال ... وكل قرض جر منفعة فهو ربا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم قبول الهدايا للعمال وأثرها

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قبول هدايا العمال لأنها قد تكون رشوة أو غلولا، ويعتبر الشرع الأسباب والدواعي للتبرعات والعقود. يفسد قبول الهدايا العمال ويجعلهم يتقاعصون عن عملهم.

تحريم إعطاء العمال هدايا بسبب عملهم

لا يجوز إعطاء العمال هدايا أثناء أو بسبب عملهم لأن ذلك يفسدهم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قبول هدايا العمال لأنها غالبًا ما تكون بسبب العمل. يعتبر ذلك من سد الذرائع الفاسدة.

ضوابط قبول الهدية من المقترض والعمل لأجل الدين

لا يجوز قبول الهدية من المقترض إذا كانت مقابل القرض لأنها تعتبر ربا، أما العمل لأجل الدين فله ضوابطه الخاصة. إذا كانت الهدية لعلاقة أخرى غير القرض فلا بأس بقبولها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ومن ذلك هدايا العمال، فإنها لا تحل لهم؛ لأن السبب معروف. ولهذا قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قضية ابن اللتبية الذي أرسله عاملًا على الصدقة، وحصل له من الناس هدايا، فقال صلى الله عليه وسلم منكرًا عليه: «هل لا جلس في بيته فينظر أيهدى إليه أم لا؟» فاعتبر السبب الحامل لهم على الإهداء. هذا كذلك من القاعدة، وهي التي هي فرع من قاعدة الأمور بمقاصدها، واعتبار الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات. وإنما الأعمال بالنيات، فسدًا لذريعة فساد العمال، أمر الشرع بسد قبول الهدية للعمال، فلا تجوز هدايا العمال. وقد صح معنى هدايا العمال غلول، وإن كان روي بهذا اللفظ بإسناد ضعيف، لكن معناه صحيح. هدايا العمال غلول؛ من كان عاملًا عند ولي أمر المسلمين في أي جهة من الجهات، لا يجوز له أن يقبل هدية لأجل عمل عمله، بخلاف إذا كانت الهدية في عمل آخر خارج الدوام، وفي غير ما يتعلق بوظيفته. أما إذا كان لأجل وظيفته يعطى هدية، فإنه لا يجوز له أن يقبلها. يدل عليه حديث أبي حميد الذي في الصحيحين في قصة ابن اللتبية، فإنه أرسل لجمع الصدقة، فقال: «هذا لكم، وهذا أهدي لي». فغضب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال كما ذكر المؤلف رحمه الله: «هل جلس في بيتي فينظر أيهد إليه أم لا؟». وقد روي بألفاظ كثيرة، وهذا معناه أنه لا يجوز للعمال أن يقبلوا الهدايا، ولا يجوز للناس أن يعطوا العمال الهدايا. فإن قال قائل: هذا العامل عمل عملًا فوق جهده، وأنا أردت أن أكرمه، فهل يجوز لي أن أعطيه؟ الجواب: لا، لا تعطه لأجل أن لا تفسده؛ لأن إعطاءه إفساد له. فإن أردت أن تكرمه، فلتكرمه في غير هذا العمل. أما في هذا العمل، وفي هذا الوقت، ووقت الدوام، ومباشرة بعد العمل، فهذا إفساد له؛ لأن العامل ربما يتقاعص عن عمله، ويصير ما يعمل إلا إذا فيه شيء. مثل أكثر العمال اليوم، إذا دهنت السير -كما يقولون- سار العمل على أحسن ما يكون، وإذا ما دهن السير ما تجد العمل المطلوب. تأتي أول يوم: أين المعاملة؟ يقول: أمس عيد العمال. أين المعاملة؟ غدًا عيد الأم، وبعدها غدًا عيد الطفل، وهكذا كل يوم عذر وورق ضائع، والختم نسيناه، وهكذا؛ لماذا؟ لأنهم تعودوا أن يعطوا من قبل بعض الناس فأفسدوهم. وهذا لهذا ولغيره حرم الشرع إعطاء العمال الهدايا. لا تجوز هدايا العمال غلول. قال رحمه الله تعالى: «فاعتبر السبب الحامل لهم على الإهداء». السبب الحامل على الإهداء هو هذا العمل، فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وكل عمل له معنى خاص يفسد العامل في ذلك العمل. قال: ومن أهدي إليه خوفًا أو حياءً وجب عليه الرد. قد يهدى إلى إنسان خوفًا منه، كالسلطان أو كذلك بعض العمال يهدى إليه خوفًا، كإنسان يعمل في منطقة حارس أو نحو ذلك، ففي الدخول والخروج يعطى هدايا، فلا يجوز له أن يقبل؛ لأن ذلك معلوم أنه أعطي خوفًا من عدم أو من دفع شره عليهم حتى لا يؤذيهم ولا يؤخرهم، يعطونه، فهذا لا يجوز أن يقبل؛ لأنه ليس هناك معنى للهدية في هذا الموضع إلا هذا. وهكذا كذلك من أعطي حياء لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». كما مر معنا وتكرر. مثل تأتي إلى إنسان: ما شاء الله، ما هذا القلم الطيب؟ من أين اشتريت؟ وبكم اشتريت؟ ومتى اشتريت؟ يخجل الرجل، يقول: خلاص، فذه لك هدية. فأنت لا تقول: ما شاء الله، الرجل كريم، جزاك الله خير، هدية مقبولة، وتحطه في الجيب. لا، بل ينبغي أن تكون متعففًا. أنت لم تهد هذا القلم إلا بعد كثرة الأسئلة التي تساقطت عليه كالمطر، فعند ذلك قال الرجل: خذ هذا القلم هدية. فمثل هذا لا تأخذه؛ لأنه لم يخرج بطيب نفس منه. قال: وكذلك لا يقبل المقرض من المقترض هدية قبل الوفاء، إلا أن يحتسبها من دينه أو يكافئه عنها؛ لأن الحامل له على ذلك القرض، وكل قرض جر منفعة فهو ربا. وهذا كذلك قد رويت في هذا الباب آثار، خصوصًا إذا كان البلد مشهورًا بهذا المعنى. وقد رويت عن أبي بن كعب أنه نهى رجلًا أن يقبل هدية إن أقرض قرضًا في أرض العراق؛ قال: «فإنهم يتعاملون بالربا». يعني: ومن الربا أن المقترض إذا اقترض فعليه أن يهدي لمن اقترض منهم، هذه عادة أهل العراق في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فنهى أبي ذلك أن يقبل هدية من أحد أقرضه؛ لأن الهدية عندهم معناها اصبر على الدين، ومعناها اصبر على الدين. وكل قرض جرى نفعًا فهو ربا. وهكذا روي عن عبد الله بن سلام أنه نهى رجلًا ذهب إلى المدينة أن يقبل هدية من مقترض لهذا المعنى. فإذا كان هذا المعنى موجودًا، فلا يجوز لأحد اقترض منه أن يقبل هدية من المقترض؛ لأن الهدية في هذا الموضع هي معنى من معاني الربا، وهذا لا يجوز. وأما إذا كانت الهدية لغير معنى هذا الدين، مثل بينك وبين إنسان صحبة، وأنت وإياه بينكم هدايا من قبل، من قبل ما يكون الدين، واستمر أمر التهادي بينكما، هو يهديك وأنت تهديه، وهكذا، فهذا لا بأس. وأما إذا كان على هذا المعنى -أي لأجل الدين- فهذا لا يجوز. والله تعالى أعلم.