كتاب الأشربة  2

كتاب الأشربة 2

الدرس في كتاب الأشربة 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب الشرب في الإسلام وتجنب الضرر

يتناول هذا الفصل آداب الشرب في الإسلام، مشيرًا إلى أهمية الشرب ثلاثًا خارج الإناء وتجنب التنفس داخل الإناء والنفخ في الطعام أو الشراب الحار. يُوضح أن هذه الآداب تهدف إلى تجنب الضرر والتقذر واتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

تفاصيل آداب الشرب وآراء أهل العلم

يناقش هذا الفصل آداب الشرب في الإسلام بتفصيل أكبر، حيث يشير إلى أهمية الشرب باليمين وكراهية الشرب قائمًا، مع توضيح آراء أهل العلم حول هذه المسائل والأدلة الشرعية ذات الصلة.

تطبيق آداب الشرب والأكل وتقديم الأيمن

يُفصّل هذا الفصل في تطبيق آداب الشرب والأكل، حيث يُوضح الراجح في مسألة الشرب قائمًا وأهمية تقديم الأيمن في الشرب والأكل، مع الإشارة إلى قواعد البدء بالأكبر أو الضيف.

ختام الدرس والإشارة إلى درس قادم

يختتم هذا الفصل الدرس بالإشارة إلى أن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام تدل على السنة، مع الإشارة إلى درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل في كتاب الأشربة، وكان مما مر معنا ما ذكره رحمه الله من تحريم شرب العصير والنبيد إذا بلغ إلى مرحلة أن ينشط، وعلمنا أن معنى ينشط أنه يغلي، وهي بداية دخوله في مرحلة السكر. قال رحمه الله تعالى: «وآداب الشرب أن يكون ثلاثة أنفاس، وباليمين، ومن قعود، وتقديم الأيمن فالأيمن». هذه مجموعة من الآداب من آداب الشرب. أول هذه الآداب التي ذكرها أن يكون الشرب فيه التنفس ثلاثًا، ومعنى التنفس أي خارج الإناء، لا يشرب ما يشربه دفعة واحدة، بل السنة الفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا يدل عليها قوله: «أن يتنفس خارج الإناء ثلاثًا». وأشار إلى حديث أنس في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثًا»، ومعناه في شربه للإناء، وليس تنفس داخل الإناء؛ لأنه نهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام كما سيأتي. وذكر لفظ الإمام مسلم رحمه الله: «أنه كان يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: إنه أروى وأمرأ». ومعناه أنه أرشد إلى ذلك بقوله وفعله. قال العلماء: لأن ذلك أولًا يعينه على أن لا يحصل له شيء أثناء شربه؛ لأنه قد ينتهي نفسه إذا كان الإناء كبيرًا، فيحصل له عند الشرب واحتياجه أخذ النفس شيء من الاشتراق الذي يكون معه التضرر. وهذا يقع إذا كان الإناء كبيرًا وأراد وحاول أن يشربه دفعة واحدة، فدفعًا للضرر الذي قد يلحقه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب ثلاثًا. ويعلم أن يشرب الإناء إذا شرب ثلاثًا، وكذلك لأجل أن يكون ذلك أدعى لحصول الري كما جاء في الحديث: «أروى». وهكذا كذلك أن يكون أدعى لإيجاد معنى الطعم الذي يتذوق به هذا الشراب، وهذا واضح. فإذا شربت الشراب دفعة واحدة، ليس مثل أن تشربه دفعات. وغير ذلك من المصالح، بل تدفع به مفاسد؛ لأنه قد يحتاج إلى النفس فيتنفس داخل الإناء فيقع في النهي. وأما قوله في عدم التنفس في الإناء، فلما جاء وأشار إليه في حديث أبي قتادة في الصحيحين، وجاء في الباب أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأشار إلى هذه الأحاديث منها حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد، وقد جاء معنا عن جماعة من الصحابة، وهي أحاديث صحيحة. ومعناها في أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ففي حديث أبي قتادة: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، فهذا نهي من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن حمله العلماء على الكراهة؛ لأجل أن لا يقع التقذر ولا الضرر. وما أكثر ما تنتقل بعض الأدواء بسبب النفس في الإناء إذا كان المشروب يشرب شربًا جماعيًا. وفي حديث ابن عباس زيادة: «النفخ»، نهى «أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه». وكل الأمرين منهي عنه، سواء كان النفخ بالأنف بإخراج هواء الأنف في المشروب، أو كان النفخ بالفم. ومنه يُعلم كذلك كراهية النفخ على الطعام أو الشراب الحار، فيكره أن ينفخ فيه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فإن قال قائل: كيف أفعل إذا كان حارًا وأحتاج أن أنفخ فيه؟ الجواب: اتركه حتى يبرد، اتركه حتى يبرد. أما أن تنفخ فيه فهو منافي لآداب الإسلام وسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد سمعت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وفي حديث أبي سعيد: «نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الشراب»، وسؤاله عن القذاة ترى في الشراب، فقال: «أرقها». يعني: لا تنفخها بما يكون من الهواء بفمك. يعني: مثلًا أحيانًا إذا شربت اللبن حديثًا من ضرع الناقة أو ضرع الشاة، يكون على الوعاء اللبن وفوقه رغوة الاحتلاب، يعرف هذا من جرب الحلب. فيكون فوق اللبن رغوة، ومثله لو شربت شيئًا فيه عود أو شيء مما لا تريد أن تشربه. فهنا بعض الناس حتى يختصر الوقت ينفخ ويواصل الشرب، ينفخ يعني يبعد يبعد الرغوة بهواء النفخ، ثم يكون ما أمامه خاليًا من الرغوة فيشرب. فإذا قربت الرغوة إلى فمه نفخها حتى رجعت إلى الوراء ثم شرب، هذا خلاف السنة وهو مكروه. ومثله العود أو أي شيء يكون في الشراب تنفخه. فهنا انظروا إلى هذا الحديث، فقال الرجل: «القذات أراها في الشراب»، فقال: «أرقها». يعني: أبعدها. إما أن ترقها بمعنى تكب الذي لا تريده، إن كانت رغوة أبعد الرغوة واشربه صافيا نقيا، كأن تصبه في وعاء آخر، وإما أن تبعدها بصبعك أو بملعقة أو أي شيء، ولا تنفخ فتخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وكما تقدم وتكرر معنا كثيرًا: لم يأمرنا الشرع ولم يؤدبنا بشيء إلا فيه الخير لنا في عاجل أمرنا وآجله، وفي ديننا ودنيانا. وكذلك العكس في النهي، فالنهي لما فيه من الخير لنا في عاجل أمرنا وآجله، وديننا ودنيانا. وأما الشرب باليمين، فأشار في الشرح لما تقدم في آداب الأكل، يعني من الأحاديث التي رويت في هذا الباب، كحديث ابن عمر الذي رواه الإمام مسلم: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». ومثل حديث: «يا غلام سمي الله وكل بيمينك». فكذلك الشراب، فكذلك الشراب. وهل هذا أدب على وجه الاستحباب أم الوجوب؟ الصحيح أنه على وجه الوجوب؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال للرجل: «كل بيمينك»، قال: «لا أستطيع»، قال: «لا أستطعت». دعا عليه، فشلت يده، أي اليسرى، الذي تكبر لما قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث، قال الراوي: «فما منعه إلا الكبر». يعني: فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يستجب ولم يمتثل أمره عليه الصلاة والسلام. فاستدل كثير من العلماء أن الشرب باليمين واجب، وخصوصًا أنه قرن بفعل الشيطان. وقد مر معنا أن من علامات معرفة المحرم، بل نص بعضهم أنه قد يصل إلى حد الكبيرة، أن يشبه بفعل الشيطان أو الكفار أو نحو ذلك. فعلى أقل الأحوال أنه محرم. ثم ذكر رحمه الله: «الشرب جالسًا» وهو من الآداب. قال: «ومن قعود»، يعني: أن يشرب قاعدًا جالسًا. وأشار إلى حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائمًا». ولما جاء كذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأشار إليه بالشرح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقئ». وأشار في الشرح أنه لا يعارض هذين الحديثين وما كان بمعناهما ما جاء من أحاديث ظاهرها مشروعية وإباحة الشرب قائمًا. ومنها ما أشار إليه حديث ابن عباس في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من ماء زمزم قائمًا». وهكذا كذلك حديث علي: «أنه شربه قائمًا»، ثم قال: «إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت». والحديث في البخاري وغيره. ورويت في الباب أحاديث كثيرة فيها بيان جواز الشرب قائمًا. وهذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال بما قاله المؤلف رحمه الله، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الأمر أعظم من ذلك، ليس مكروهًا بل محرمًا، أي الشرب قائمًا. واستدل بالأمر بالاستقاء وبما جاء وروي عن بعض الصحابة من تشديد في هذا الباب، عن أنس وأبي سعيد وجماعة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن أحاديث هذا الباب منسوخة بأحاديث جواز الشرب قائمًا. وذهب بعضهم لأن بعض هذه الأحاديث كانت في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فمنها ما كان في حجة الوداع، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين: «أنه كان في حجة الوداع». وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأحاديث المروية في هذا الباب من النهي عن الشرب قائمًا لم يصح منها شيء. فتارة يحكمون عليها بالاضطراب أو العلة، وتارة يحكمون عليها بالضعف وعدم الصحة. فيقولون في بعضها موقوف، كما قالوا بحديث أبي هريرة. وهكذا قال بعضهم في حديث أبي سعيد. وبعضهم قال: بل هو مضطرب، تارة يروى عن أبي سعيد، وتارة يروى عن أبي هريرة، وتارة يروى بزيادة، وتارة يروى بغير زيادة. والصحيح في هذه المسألة، جمعًا بين الأدلة: أن الشرب قائمًا يكره، ولكنه لا يصل إلى حد التحريم. وأن هذه الكراهة تزول إذا وجد سبب للشرب قائمًا. ففي حديث ابن عباس في الصحيحين في ذكر شرب النبي صلى الله عليه وسلم ماء زمزم قائمًا؛ لأنه شرب من قربة معلقة أو شنة معلقة، معناه: ما يستطيع يأخذها ويجلس وهي مربوطة معلقة. فإذا احتاج الإنسان أن يشرب قائمًا جاز له أن يشرب قائمًا. وإذا استطاع أن يجلس فالجلوس أفضل. هذا هو الصواب في هذه المسألة، جمعًا بين الأدلة. مع التنبيه أن زيادة لفظة «فليستقئ» الراجح ضعفها وعدم صحتها. فقد أشار الدارقطني رحمه الله إلى إعلال هذه اللفظة. فإن من أهل العلم من الرأى أن هذه اللفظة تفرد بها ابن إسحاق. فإن الحديث من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن أبي غطفان عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأن هذه اللفظة تفرد بها ابن إسحاق، فيكون قد شذ بها. ويؤيده أنه ليس لها ذكر في حديث أبي سعيد. وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الحديث، حديث أبي هريرة بهذا اللفظ معل؛ لأنه من طريق أبي غطفان، وليس بالرجل المعروف، بل هو آخر مجهول. ويؤيده ما نقله الدارقطني عن ابن أبي داود: «أن أبا غطفان المذكور في الحديث مجهول». فهذا معناه ترجيح حديث أبي سعيد الذي ليس فيه ذكر هذه الزيادة على حديث أبي هريرة الذي فيه هذه الزيادة. وكما تقدم معنا: بعضهم حكم عليه بالوقف، أي على أبي هريرة. فإذا هذه اللفظة على كل الأحوال الراجح أنها لا تصح. والإمام البخاري رحمه الله لما ذكر هذه المسألة في صحيحه لم يشر إلى مسألة القعود، فقال: «باب الشرب قائمًا»، ثم ذكر الأحاديث في جواز الشرب قائمًا. فالخلاصة الراجح في هذه المسألة ما سمعنا من جواز الشرب قائمًا، وأنه يكره، ولكن يجوز عند الحاجة، والأصل فيه الكراهة؛ لما روي في حديث أبي سعيد، وعلى قول في ترجيح حديث أبي هريرة بدون هذه الزيادة. فإن قيل: والأكل قائمًا؟ الجواب: كذلك يقال في الأكل قائمًا: يكره الأكل قائمًا، إلا أن يحتاج إلى ذلك فيجوز؛ لعموم ما روي في هذا الباب من أدلة. وقد رويت آثار كثيرة. وأما ما جاء عن بعض الصحابة أنه أشد أو أشد كراهة، فيحمل على ما سمعنا من الكراهة، فهو أشد كراهة من الشرب قائمًا؛ يعني إذا لم يكن هناك سبب للشرب أو الأكل قائمًا. وقد ذكر بعض أهل العلم أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الشرب قائمًا في أحاديث، والأكل قائمًا في حديث، فيما ذكر في مناولة العرق للنبي صلى الله عليه وسلم حين قام. ثم ذكر رحمه الله من الآداب: «تقديم الأيمن فالأيمن». وأشار إلى بعض الأحاديث التي تدل على هذه السنة، منها حديث أنس في الصحيحين: «حين أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلبن، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: الأيمن فالأيمن». وهكذا حديث سهل بن سعد في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا». فأعطاه، يعني أخذه. ولا ينافي هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كبر كبر». من عمومات الأدلة في هذا الباب، وما نص عليه العلماء في تقديم قاعدة التكبير على الأيمن. فإن الجمع بين هذه الأدلة أن يقال: إذا كان المعطى عن يمينه هو قاعد في الصف، فيبدأ بالإعطاء عن يمينه ولو كان عن شماله الأكبر، يبدأ بالإعطاء بمن عن يمينه ولو كان من عن شماله أكبر، إلا أن يستأذن بالابتداء من عند الأكبر. وأما من كان في وسط القوم ولم يكن له يمين، فهنا يبدأ بالأكبر، ثم من عن يمين الأكبر. هذان وجهان. ووجه ثالث: أن يكون الإذن عرفي. وقد نص العلماء أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي. ولهذه القاعدة أدلة كثيرة. مثاله: جرى العرف أن يبدأ بالضيف. المجلس مليء بالناس، فهنا تبدأ بمن؟ تبدأ بالضيف، ثم من عن يمينه. أو جرى العرف أن يبدأ بالأكبر، فتبدأ بالأكبر، ثم من عن يمينه. فالإذن العرفي كالإذن اللفظي؛ لأن الناس يأذنون. النبي صلى الله عليه وسلم استأذن إذنًا لفظيًا، فقال: «أتأذن يا غلام؟» فقال: «لا»، فقال: «لا». فإذا كان الإذن موجودًا بالعرف، عرف الناس أنهم بلا شك يأذنون، يقدمون الأكبر ويقدمون الضيف، فإذن لا يحتاج أن تستأذن. فإن كان في المجلس من لا يعرف العرف، مثلًا، أهل البلد ومعهم غرباء في الغرفة، فهنا من باب تطبيق السنة: يقول المضيف: «بارك الله فيكم، ما نبدأ إن شاء الله بالأكبر أو بالضيف». فيتحقق بهذا تطبيق هذه السنة. ثم قال رحمه الله: «ساق القوم أخرهم شربًا». ودليله ما أشار إليه في أحاديث. ومنها ما أشار إليه مما رواه الإمام مسلم. وكذلك يدل عليه حديث أبي هريرة في الصحيحين: «حين أمره أن يسقي القوم، وكان آخرهم شربًا». فهذا من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام مما يدل على هذه السنة. طيب نقف لهنا، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.