الدرس في كتاب الحدود 7، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التعزير هو عقوبة تطبق على المعاصي التي لا توجب حدًا، ويجوز أن يكون بالحبس أو الضرب أو نحوهما. التعزير ثابتٌ في الشرع ويرجع حكمه إلى الإمام.
ناقش آراء أهل العلم في التعزير وحدوده، والإمام أحمد يجيز الزيادة على عشرة أصوات في بعض الحالات. التعزير ينقسم إلى قسمين: قسم يرجع للإمام العام وقسم للولي الخاص.
التعزير يختلف بحسب المصلحة والمفسدة، ويجوز بالحبس والنفي وتغريب الزاني. يُخفف التعزير لمن له مكانة في المجتمع استنادًا إلى حديث "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم".
يفسر الحديث بتخفيف التعزير لمن له مكانة، وتعتبر التفاسير الثلاثة صحيحة. يُطبق التعزير بحسب حالة الفرد ليعينه على الطاعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: فصلٌ، والتعزير في المعاصي التي لا توجب حدًا ثابتٌ بحبسٍ أو ضربٍ أو نحوهما، ولا يجاوز عشرة أصوات. هذا الفصل جعله -رحمه الله- في الكلام على التعزير، والفصل كلفظه مأخوذٌ من معنى الفاصل، أي القاطع، فهو من حيث المعنى العام يلحق بما قبله، ومن حيث ما يختص به من حكم يختلف، فلهذا جعل في فصلٍ خاص. ووجه وضعه بعد حد الشرب؛ لأن تسمية عقوبة الشرب حدًا اختلف فيها، أو خالف فيها ذلك بعض أهل العلم، فمنهم من جعله بمثابة العقوبة أهل الحد؛ لأنه -كما تقدم- معنى في الأدلة لم يذكر نص صحيح صريح في تحديد حدٍ لا يزاد ولا ينقص. والتعزير من هذا الوجه يشبهه؛ لأنه يرجع إلى الإمام، فهي العقوبة التي تجعل في كل ما لم يكن له حد، فكل ما كان ليس فيه حد من معصية أو ترك واجب -من فعل معصية أو ترك واجب- ليس فيها حد ولا كفارة، يجوز فيها التعزير. ولهذا قالوا: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. فمن هذا الوجه ذكر الكلام على التعزير بعد الكلام على حد الشرب. وقوله: "التعزير في المعاصي التي لا توجب حدًا"؛ كما تقدم أن هذا واجب، ويرجع حكم هذا التعزير إلى الإمام، وسيأتي -إن شاء الله- شيء من التفصيل في ذلك. وزاد بعض أهل العلم: "ولا كفارة"، لا توجب حدًا ولا كفارة؛ لأن هناك من المعاصي ما يوجب الكفارة، فلا يحتاج معها إلى تعزير، تكفي الكفارة حكمًا في ذلك. وقوله -رحمه الله-: "ثابتٌ"، أي له أصل في الشرع، وهذا الأصل ثبت بمعنيين: بالمعنى العام، أي الإذن بوضع العقوبة من حبسٍ أو ضربٍ أو نحوه، وهكذا كذلك في مواضع خاصة، في مواضع خاصة بأعيانها، فثبوت ذلك ثبت بالمعنيين جميعًا: المعنى العام والمعنى الخاص. فمن المعنى العام ما ثبت في الصحيحين، وقد ذكره في الشرح، في حديث أبي برد بن نيار، قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجلد فوق عشرة أصوات إلا في حدٍ من حدود الله»، فهذا معنى عام في مشروعية التعزير، والتعزير بالضرب. وفي هذا الحديث إشارة أنه يجوز الضرب دون عشرة أصوات في كل معصية ليس فيها حد. وأما المعنى الخاص؛ فله مواضع كثيرة من ذلك، وهي تنقسم إلى قسمين: منها ما جاء فيه التعيين، ومنها ما لم يأتِ فيه التعيين. فمن ذلك من دليل القرآن ما ذكره الله عز وجل في تأديب الرجل لمرأته إذا لم ينفع معها النصح، وما كان بمعناه، فاضطر إلى الضرب، فقد أذن له في ذلك، كما قال سبحانه: ﴿فاضربوهن﴾، أذن بالضرب. وفي حديث عمر بن شعيب، عن نبيه، عن جده: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، وهذا فيه الإذن بالضرب. ومنه نعلم أن التعزير منه ما يجوز أن يقوم به ولي الأمر الخاص، كالأب مع ابنه، والزوج مع زوجته، والمدرس مع طالبه ونحوه. ومنه ما يقوم به ولي الأمر العام، مثل التعزير في السب، وفي سائر المعاصي التي ليس فيها حد ولا كفارة. وقوله -رحمه الله-: "ولا يجاوز عشرة أصوات"، في هذه المسألة خلاف، فمن أهل العلم من أخذ بظاهر هذا الحديث، ومن أهل العلم من ذهب إلى التفصيل في هذه المسألة، جمعًا بين الأدلة التي وردت في هذا الباب. فقالوا: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجلد فوق عشرة أصوات إلا في حد من حدود الله»، محمول على غير المعصية. وذهب بعضهم أنه فيما كان من أمر الولي الخاص، وما كان من باب التأديب. فقد نقل غير واحد من أهل العلم عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه كان يجيز الزيادة، ولكن لا يرى الزيادة على الأربعين؛ لأنه أقل حد. فقالوا: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجلد فوق عشرة أصوات إلا في حد من حدود الله»، قالوا: هذا حد أدنى، وحد أعلى، فأدنى حد من حدود الله -علماء- هو حد شارب الخمر أربعين، فإذن دون الأربعين يجوز. إلا في حد من حدود الله، وأما معنى "لا يجلد فوق عشرة أصوات"؛ معناه فيما كان في غير معصية، وما كان في معصية فيجوز عشرة أصوات إلى ما دون الحد من حدود الله. فإذن هي ثلاثة أقسام: قسم ليس معصية، من باب التأديب، فهذا لا يزاد على عشرة أصوات. وقسم معصية، يجوز الزيادة على العشرة، ولكن لا يصل إلى الأربعين. وقسم ثالث ما هو من قسم الحدود، فأقله أربعين، ومنتهاه ما جاء فيه الشرع، ومنه القتل. هذا قول لبعض أهل العلم، وهو المعنى المروي عن الإمام أحمد -رحمه الله-، وانتصر له الإمام بن القيم -رحمه الله- في مواضع من كتبه. فجعل العشر وما دون في الأب مع ابنه، والزوج مع امرأته، والمعلم مع تلميذه، فأمثال هؤلاء لا يزاد على عشرة؛ لأن هذا كله من باب التأديب. لكن إذا وقع شيء زائد عن التأديب، مثل أن يقع الابن في معصية كبيرة من الكبائر، يجوز أن يزيد، ولكن لا يصل إلى الأربعين. وذهب بعض أهل العلم إلى هذا التفصيل، وزاد عليه، وهو كذلك معنى كلام الإمام بن القيم في مواضع من كتبه: أن هذا فيما يتعلق بالولاية الخاصة، أما الولاية العامة؛ فيجوز ولو كان فوق الحد من حدود الله. واستدلوا بما روي من أدلة كثيرة، ومر معنا بعضها، في أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل شارب الخمر في الرابعة. وهكذا كذلك استدلوا على هذا ببعض القضايا، كقتل ناكح ذات المحرم، وسيأتي معنا -إن شاء الله-. فقالوا: هذا من باب التعزير، قالوا: هذا من باب التعزير، وزيادة العقوبة لزيادة المعصية. وتقدم معنا ما نقل عن بعض أهل العلم، كما نقل في مسائل أحمد وإسحاق، فيمن زنا بالميتة: أنه تضعف عليه العقوبة؛ لأجل حرمة الميتة، ولأجل فعل هذه الفاحشة، وهذا كذلك من باب التعزير. ومن أين أخذوا تضعيف العقوبة؟ أخذوه من اجتهاد الصحابة في تضعيف العقوبة في شارب الخمر. وهكذا كذلك قاس العلماء عليه أشياء أخرى. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وهذه الأقوال الأخيرة على هذا التفصيل هو أقرب الأقوال الذي تجتمع به الأدلة. فإذن الخلاصة: ينقسم التعزير إلى قسمين: قسم يرجع إلى الإمام العام، وهذا على الصحيح ليس فيه حد لأقله ولا لأكثره. وقسم يرجع للولي الخاص، وهذا فيه تفصيل، وحد لأقله وأكثره. فإذا كان في غير المعصية؛ فإلى عشرة لا يزيد. وإذا كان في المعصية والكبيرة مما ليس فيه حد؛ فيجوز أكثر من عشرة، ولكن لا يصل إلى الأربعين. وما كان في حد من حدود الله؛ فهذا لا يملكه الولي إلا فيما أذن له فيه، مثل زناء الأمة كما تقدم معنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لوليها أن يقوم هو بالحد. بخلاف ما إذا كان من ابنه أو امرأته؛ لا يجوز له ذلك، بل لابد أن يرفعه لمن لولي الأمر العام. ومن باب أولى ما هو فوق ذلك، مثل القتل، فلا يجوز القتل إقامة حد القتل للولي الخاص، إلا أن يؤذن له من الولي العام، لمن له شأن كالعالم الذي هو بمثابة القاضي، وكذلك شيخ القبيلة، والأمير الخاص للبلدة، ممن يؤذن لمثله -سواء بالإذن اللفظي أو الإذن العرفي المتفق عليه الذي ليس فيه اختلاف-. وأشار -رحمه الله- في الشرح إلى مسألة الحبس: أنه يجوز التعزير بالحبس، وذكر حديثًا في صحته اختلاف، ولكنه يرتقي إلى الحسن بما روي من شواهد ومتابعات فيه، في أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلًا في تهمة، ثم خلى عنه. وكذلك من التعزير ما ذكره العلماء من النفي، ومنه التغريب؛ لأن التغريب -كما تقدم معنا- ذكر في بعض الأدلة. ولم يذكر، فقال العلماء: هذا يرجع بحسب المصلحة والمفسدة، فإذا كانت المصلحة تقتضي التغريب؛ غرب، أو غربت الزاني أو الزانية البكر. وإذا كان هذا ليس هو الأصلح؛ فلا تغريب. ومثله في معصية؛ فإنه يغرب إذا كان هذا أصلح له. وهذا قد يكون على وجه الإرشاد، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فكمل به المئة العابد، حين قال له: «ليس لك توبة»، فقال: «أليس من توبة؟»، قال: «ليس لك توبة»، فكمل به المئة، فأتى العالم، فقال: «من يحول بينك وبين التوبة؟»، ولكن: «اذهب إلى الأرض الفلانية، إنك بأرض سوء، اذهب إلى الأرض الفلانية». فكذلك قد يكون على وجه الإلزام، يكون من التعزير النفي. وما ثبت في الحبس كذلك يثبت مثله في النفي. وأشار إلى ما تقدم كذلك مما ثبت عن بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وجاءت كذلك في بعض الأحاديث، في الضرب لمن أخذ شيء لا يوجب الحد، في أخذ الثمر من غير محله الذي يكون به القطع، ولكنه أخذ شيئًا كثيرًا يستحق به العقوبة؛ فهذا تعزير. لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «يضرب ضرب نكال، ويضعف عليه ما أخذ». وتقدم معنا. وكذلك ما ذكره في قصة عمر حين أمر أبو عبيدة أن يربط خالد بن الوليد بعمامته؛ لما عزله عن إمارة الجيش، يعني لما وقع منه ما وقع حين فعل شيئًا بغير إذن الأمير. المهم: هذا وغيره يدل على أن التعزير -على الصحيح- يجوز للإمام بما يرى فيه المصلحة. ومن دليل التعزير بالمال: مضاعفة قيمة الثمر لمن أخذه من غير حله، وهو لم يصل إلى حد السرقة؛ فقد ضعف النبي صلى الله عليه وسلم عليه العقوبة بأن يدفع قيمته أو ثمنه مرتين. وهذا الذي ذكره ليس على وجه الحصر، ولكن يجوز للإمام أن يجعل من العقوبات بحسب ما جرى به العرف مما لا يخالف الشرع، وهو يختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. ومما ينبه عليه العلماء في هذا الباب: أنه كما يقع التعزير للعاصي لأجل العقوبة، كذلك قد لا توقع العقوبة على من لم يعرف بمعصية إذا وقعت منه المعصية أول مرة. ومن كان بمعنى هؤلاء، واستدلوا بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، رواه أحمد، أبو داود، وجاء كذلك بلفظ: «تجاوزوا في عقوبة ذوي الهيئات». هذا الحديث المروي عن ابن مسعود له طرق يرتقي بها إلى الحسن. وقد فسر بثلاثة تفاسير: التفسير الأول: أن هذا في حق الصغائر، إذا وقعت الصغائر من ذوي الهيئات؛ فإنه يعفى عنهم، ويغضى الطرف عنهم، ويكتفى بماذا؟ بالنصح والزجر مع الستر. ومعنى ذوي الهيئات: أي من كانت له مكانة في المجتمع، ومن لم يعرف بسوء، هذان معنيان. وفسر كذلك الحديث بأن هذا في حق من وقعت منه المعصية، ولو كبيرة، لكن ليس فيها حد، إذا كان ذلك أول مرة. ورجح هذا الإمام بن القيم -رحمه الله-، مثل قاضٍ مثلًا، وقعت منه زلة في معصية أول مرة تقع منه، فهنا يستر مع زجره، والتشديد عليه؛ لأن هذا ليس فيه حد، أما إذا فيه حد؛ فهذا شيء آخر. والثالث من معاني «أقيلوا ذوي الهيئات» أو «تجاوزوا في عقوبة ذوي الهيئات»: تخفيف العقوبة في التعزير، تخفيف العقوبة في التعزير. كما أنه يجوز تضعيف العقوبة إذا ضعفت المعصية، كذلك يجوز تخفيف العقوبة إذا وقعت ممن يستحق التخفيف، ممن يستحق التخفيف. وهذا له أصل كما تقدم بالنسبة لعقوبة المريض. فكذلك هذا الحديث فسر بهذا التفسير، فإذا وقعت مثلًا معصية من إنسان له مكان في المجتمع، ولم يعرف بسوء، واستحق التعزير، وجب؛ فيخفف عنه التعزير حتى يعان على الطاعة. وهذه التفاسير الثلاثة كلها صحيحة، ويوضع كل واحد منها في موضعها الذي يكون به تمامه وصلاحه. هذه هي المسائل التي تذكر في هذا الباب. وإلى هنا -والله تعالى أعلم-.