الدرس في كتاب الطهارة 62، الدرس الثاني والستون:من( ما يؤخذ من الحديث ... لأنه لم يكن بينه وبين من أظهر العدواة له أكثر من ذلك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بتوضيح الحديث النبوي الذي يذكر الخصائص الخمس التي أعطيت للنبي صلى الله عليه وسلم، وتفضيله على سائر الأنبياء. يشير إلى نعم الله عليه وعلى أمته.
يتطرق الشرح إلى معاني الخصائص المذكورة في الحديث، مثل إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم أعدادًا مختلفة من الأقلام، ويفسر عدم التناقض في ورود أحاديث مختلفة حول هذا الموضوع.
يشرح الشروط اللازمة للتيمم، مثل وجود تراب أو غبار، ويبرز صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان لما فيها من أحكام دقيقة وتفاصيل شرائع تصلح أحوال العباد.
يستعرض بعض الفوائد المستنبطة من الحديث، مثل إلقاء الرعب في قلوب الأعداء عند سماعهم لذكر الله، ويشير إلى فوائد أخرى مذكورة في الحديث.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح -رحمه الله تعالى-: ما يؤخذ من الحديث، قال: هذا حديث عظيم، وفيه فوائد جمة، ونقتصر على البارزة منها -يعني من هذه الفوائد-. قال: أولًا: تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وتفضيل أمته على سائر الأمم، وهذا ظاهر في قول: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي»، وهذا له ولأمته عليه الصلاة والسلام، وهو لحكم من الله سبحانه وتعالى، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. قال: ثانيًا: تعديد نعم الله على العبد، وإن ذكرها على وجه الشكر، وإن ذكرها يعد عبادة -يعني يقول: ذكرها على وجه الشكر لله، وذكر آلائه-، ومعنى أن الإنسان ينبغي أن يذكرها حث على الذكر. قال -رحمه الله-: تعديد نعم الله على العبد، وإن ذكرها يعد عبادة وشكرًا لله، وهذه جملة معترضة، على وجه الشكر لله وذكر آلائه، والمعنى أن العبد يحرص على ذكر الله عز وجل، ومن ذلك أن يذكر نعم الله عليه، فيشكر الله عز وجل على هذه النعم بلسان الحال وبلسان المقال. قال: ثالثًا: كونه صلى الله عليه وسلم نصر بالرعب، وأحلت له الغنائم، وبعث إلى الناس عام، وأعطي الشفاعة، وجعلت الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، كل هذا من خصائصه، وقد عدت خصائصه، فكانت سبع عشرة خصلة، وهي عند الصنعاني إحدى وعشرون، ومن تتبع الجامعين الصغير والكبير وجد زيادة على هذا العدد -يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في أحاديث كثيرة أشياء أعطيت له، وهي خصائص لم تكن في الأمم السابقة-. وهذا يؤكد ما سبق ذكره أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، مفهوم العدد لا يفيد الحصر، وإنما يفيد التخصيص وزيادة تأكيد ثبوت الحكم -يعني المحصور بالعدد لا يثبت المذكور وينفي ما سواه-. أنت لو قلت: عندي ثلاثة أقلام، هل معناه أنه ليس عندك غيرها؟ هل يفهم هذا؟ أنه ليس عندك غيرها؟ الجواب: لا، بل في الجملة إثبات وجود ثلاثة أقلام، قد يكون فيها زيادة وصف، إما أنك تحبها أكثر أو آخر ما عندك أو غير ذلك مما هو من قرائن الكلام يفهم أنه فيه زيادة اختصاص، لكن لا يعني نفي ما سواه. وعلى هذا فلا معارضة بينما جاء في رواية حديث جابر هنا، وما جاء أنها ست: «أعطيت ستًا»، وما جاء في حديث حليفة: «أعطيت ثلاثًا»، وما جاء كذلك في أحاديث أخرى من ذكر أعداد ليست ما في حديث جابر الذي بين أيدينا، لا منافاة، لماذا؟ لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر. فهنا أعطي خمس، وهناك أعطي ست، معناه أنه ناسب في هذا المقام أن يذكر الخمس، وهذه أوكد، وهناك أعطي ست -يعني بزيادة واحدة وإن ذكرت هناك ولم تذكر هنا- يدل على زيادة تأكيد الخمس التي هنا عن التي هناك، وهكذا يقال، لكن لا ينبغي أن يضرب هذا بهذا، فيقال: أحدهما راجح والآخر مرجوح، لا. قال -رحمه الله تعالى-: رابعًا: أن صحة الصلاة لا تختص ببقعة دون الأخرى -يعني الصحة شيء والفضل شيء آخر-، الصحة في كل مكان تصح الصلاة، لكن قد يكون هنا صحيح وهنا صحيح، ولكن هنا واجب، مثل صلاة الجماعة في المساجد للرجال، ما دام أنه ليس بمسافر ولا مريض، فإنه -وليس له عذر- يجب أن يصلي في المسجد، وإن صلى في البيت صح، لكنه آثم إن كان مفرطًا وليس له عذر. وأما كذلك الفضل يعرف بالدليل، الصلاة في المسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام فيه زيادة فضل، فالفضل يتفاوت، أما الجميع فكل بقعة من بقاع الأرض تصح الصلاة فيها، إلا ما دل الدليل الشرعي على المنع، كالمقبرة والحمام وما كان بمعناه مما يمنع الصلاة فيه، إما بالنجاسة كما سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه، أو للمضرة أو سدًا لذريعة الوقوع في شرك أو محرم. قال: خامسًا: أن الأصل في الأرض الطهارة للصلاة والتيمم، هذا هو الأصل، فإذا شككت: هل هذا طاهر المكان أم ليس بطاهر؟ فالأصل ماذا؟ الأصل الطهارة، الأصل الطهارة، ولا يجوز أن يرفع هذا الحكم إلا بدليل، وهذا مفيد جدًا عند وجود بعض الإشكالات، أي معرفة أصول الأشياء. قال: سادسًا: أن كل أرض صالحة للتيمم -أو ليتيمم منها- هكذا نعم، إيش عندكم مثلها؟ طيب. قال: أن كل أرض صالحة للتيمم أو ليتيمم منها، ومعنى أن التيمم يصلح بكل أرض، لكن كما مر معنا شرعًا أن يكون الأرض فيه معنى التراب، لأنه جاء ببعض الروايات: «تربتها» كما مر معنا، وهكذا كذلك قوله: «اضرب» يدل على مسألة التغبير. فإذا ليست كل أرض يصلح التيمم بها، إلا أرضًا فيها معنى الغبار الذي يصلح التيمم به، فالأرض التي فيها ثلج هي أرض -أليس كذلك؟ وهل يصح التيمم بها؟ لا، ما يصلح التيمم بها، الثلج ما يتيمم به، وإنما يتطهر به لأنه من جنس الماء، هو من جنس الماء. وهكذا كذلك الشيء الأملس الذي ليس به غبار لا يتيمم به، وإنما يتيمم بما فيه معنى التراب -الغبار الذي يصلح للتيمم-. قال: سابعًا: ساعة هذه الشريعة وعظمتها، لذا جعلت لتنظيم العالم كله في عباداته ومعاملاته -يعني الشريعة على اختلاف أمصاره وتباعد أقطاره، بل واختلاف أزمنته-، الشريعة التي كانت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام هي نفسها تصلح لهذا الزمن أكثر من 1400 سنة، لا يحتاج إلى تغيير ولا تبديل؛ لأنه من عند الله عز وجل العزيز الحكيم، فهو يعلم ما يصلح الخلق سبحانه وتعالى. بل لا يزداد المنصفون لهذه الشريعة تأملًا إلا ويزدادون إعظامًا وإجلالًا لها؛ لما فيها من الدقائق الأحكام وتفاصيل كذلك الشرائع، ما يصلح الله عز وجل به أحوال العباد في الدين والدنيا. قال: قوله: «أيما رجل» لا يراد به جنس الرجال وحده، وإنما يراد أمثاله من النساء أيضًا؛ لأن النساء شقائق الرجال. وقال بعضهم: خرج هذا مخرج الغالب؛ لأن هذا يبتل به الرجال أكثر من النساء، والنساء شقائق الرجال؛ لأن المرأة في الغالب لن تسافر إلا مع رجل، لما سبق، فإن المرأة لم يؤذن لها بالسفر إلا مع محرم، منها وغير ذلك، أن ذكر الرجل هو الأصل، والنساء شقائق الرجال كما قال المؤلف -رحمه الله-، وهو يشير إلى حديث عائشة. قال: تاسعًا، قال الصنعاني: وإنما خص مسافة الشهر دون مسافة أبعد منه؛ لأنه لم يكن بينه وبين من أظهر العداوة له أكبر من ذلك، كما ذكره في العدة، وأشار المعلق إلى ذلك. وهل معنى هذا أن هذا منحصر به؟ الجواب الصحيح: لا، وهذا فائدة هذا التعليل، أي أن المقصود هو كل من يسمع به يلقي الله عز وجل في قلبه الرعب، وعموم أدلة القرآن والسنة تدل عليه. هذه بعض الفوائد، وفي الحديث فوائد كثيرة كما أشار المؤلف -رحمه الله-، ولكن هذا أهمها. إلى هنا والله تعالى أعلم.