الدرس في حلية طالب العلم 26، الدرس السادس والعشرون:من( 17-تلقي العلم عن الأشياخ ... وتلتبس الأمور عليك حتى ***تصير أضل من توما الحكيم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية أخذ العلم عن المشايخ وليس من الكتب فقط، لتلافي الأخطاء والشذوذات العلمية. القراءة على المشايخ تحفظ الطالب من الأخطاء في القراءة والنطق وتفسير العبارات الغامضة.
الاعتماد على الكتب دون المشايخ يؤدي إلى أخطاء وخلل في فهم العلم، كما أن الأخطاء قد تنتقل من كتاب إلى آخر إذا لم يتم تصحيحها من قبل المشايخ. يُقدم الشيخ أمثلة على ذلك من الواقع المعاصر وكتب العلماء الكبار.
تم اختتام الدرس بنهاية مبينة على علم الله تعالى، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر هذا الختام تأكيدًا على أهمية العلم والصلاة على النبي في ختام الدروس العلمية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق معنا في درسنا الماضي، ما ذكره المؤلف رحمه الله من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه. الأدب السابع عشر: التلقي عن الأشياخ، تلقي العلم عن الأشياخ. وقد ذكر رحمه الله في هذا الأصل أن الأصل في طلب العلم هو أن يكون عن الأساتيد والمشافنة للأشياخ. ومعنى الأساتيد: جمع أستاذ، وقيل أنها لفظة عجمية، ولكن قد جرى تداول أهل العلم بها، وصارت كلمة تطلق لمن برز في العلم وأخذ فيه درجة. ومعنى المثافنة: أي المجالسة. قلنا: ذكر رحمه الله تعالى أن هذا هو الأصل، وأن الأخذ من أفواه الرجال والمشايخ لا من الصحف وبطون الكتب فيه فوائد كثيرة. ومنها، كما تقدم: اتصال النسب. وعرّفنا أماما عن اتصال النسب، حتى أن بعض أهل العلم جعل يتتبع أنساب العلماء العلمية، يعني بتتبع مشائخهم ومشايخ مشائخهم، وهكذا. قال بعد ذلك، أو في ثناء ذلك: وقد قيل: «من دخل في العلم وحده خرج وحده». ومعناه: أن من دخل في هذا العلم بغير شيخ، فإنه يخرج كذلك بغير علم. وإن كان هناك علم، فستكون فيه أخطاء كثيرة، وكذلك شذوذات وانفرادات لا يوافقه عليها أهل العلم. وهذا يكثر عند من قل مشائخه. فالشذوذات العلمية والتخبطات والغرائب تصدر كثيرا عن من لم يعرف له مشايخ. وقد ذكروا لذلك أمثلة، فمثلوا مثلا ببعض أهل الظاهر من الظاهرية، فإن بعضهم كانت له شذوذات كثيرة، وسبب ذلك هو أنه كان له القليل من المشايخ، وأكثر طلبه كان على الكتب. ثم شرع رحمه الله تعالى في رد عبارة نقلت، أو نقلها بعض من ينتسب للعلم، وهو المسمى بعلي بن رضوان المصري الطبيب. وأجاب رحمه الله عن ذلك بنقولات عن أهل العلم، منها ما هو رد عليه مباشرة، ومنها ما هو ليس رد عليه مباشرة. فذكر كلام الذهب رحمه الله عنه، أنه لم يكن له شيخ، وأنه اشتغل بالأخذ عن الكتب إلى ما ذكر، وتنبيه أن ذلك من الغلط، أي عدم الحرص على المشايخ والاكتفاء بالكتب. ثم ذكر عبارة الصفدي أو أحال إليها، وهكذا الزبيدي. وذكر العبارة التي كنا وقفنا عندها، مما يستدل به على أهمية القراءة على المشايخ، وأن عدم القراءة على المشايخ لا تسلم من أخطاء كثيرة، منها ما يكون بالتصحيف، ومنها ما يكون بخطأ القراءة وخطأ النظر، وكذلك قراءة ما لا يكتب أو كتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب. وبعض العبارات والألفاظ والاستعمالات التي تحتاج إلى إعانة بمعرفة العارفين في فكها. وهكذا كذلك ذكر في الأخير عبارة الصفدي المنقول عن أهل العلم: «لا تأخذ العلم من صحفي ولا من مصحفي». وفسرها: أي لا تأخذ القرآن على من قرأ من المصحف، ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف. والسبب في ذلك أن رسم المصحف رسم لا يعتمد عليه في النطق، فهو رسم اعتمده الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليوافق أوجه القراءات. فمن أراد أن يأخذ القرآن من المصحف فإنه سيخطئ كثيرا. ولكن القرآن يأخذ من أفواه العلماء العارفين به، الذين أخذوه عما قبلهم. فإذا كان كذلك، فقراءة هذا المتعلم ستكون صحيحة. وأما إذا أخذه عما لم يعرف إلا من المصحف، فستكون قراءته مليئة بالأخطاء، إذ أنه سيقرأ سينطق ما لا ينطق، أو سيقرأ ما لا ينطق ويحذف ما ينطق، ويبدل بالأحرف، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي ستفوته بسبب جهله بقراءة القرآن لأنه لم يأخذها عن شيخ. وكذلك أخذ العلم من الصحفي، أي ممن يعطي العلم من الصحيفة. فكان العلم يكتب في صحف لم تكن عندهم كراريس ودفاتر في الغالب. فمن أخذ العلم من الصحف، أي من هذه الأوراق سواء الجلد أو غيرها، فأخطاؤه ستكون كثيرة، خصوصا علم الحديث الذي يكتب ويكون فيه شيء مما لا يستغني عنه الطالب من أن يسمعه من الشيخ، كأسماء الرجال وأسماء البقاع والتعريف بالروايات ونحو ذلك. وأنتم تسمعون ربما إذا قرأ من لا معرفة له بعلم الحديث بعض الأسانيد، يكاد يضحك منه ويتعجب. ويتعجب صغار طلبة العلم لماذا؟ لأنه لم يأخذ الحديث عن أهله، فهو لا يحسن حتى يقرأ أسماء الرجال، بل لا يحسن حتى قراءة الأسانيد. فربما بعضهم إذا قرأ الإسناد يقول بدلا من أن يقول: «قال حدثنا مالك قال حدثنا نافع عن ابن عمر»، يقول: «حدثنا مالك حدثنا نافع حدثنا ابن عمر» بحذف «قال». أو يمر عليه مثلا لفظة «ح»، فلا يدري هل ينطقها «ح» أو ينطقها «حدثنا» أو ينطقها ماذا؟ لأنها كلمة غريبة حرف واحد يوضع في وسط الإسناد. وغير ذلك أشياء يسيرة لا يستغني طالب العلم أن يسمعها من المشايخ كيف تقرأ وكيف تنطق وماذا يراد بها. وكذلك أمور أعظم من هذا تتعلق بالأحكام. فإن الكثير من الأحكام والمسائل الفقهية والاجتهادية والخلافية يحتاج طالب العلم أن يهذب هذه المعلومات بعرضها على المشايخ. فإذا عرضها على المشايخ اختلطت هذه المعلومات وتهذبت، فخرجت له خلاصة علمية هي زبدة اجتهادات العلماء. ولهذا كل ما استكثر طالب العلم من المشايخ، صار عنده من الإدراك والعلم والمعرفة وحسن الفهم، وكذلك حسن التصرف مما أخذه من هدي وسمت مشايخه وعلمائه، ما يعينه على التفوق في طريقه العلمي. ثم قال رحمه الله: والدليل المادي القائم على بطلان نظرة ابن رضوان، أنك ترى آلاف التراجم والسير على اختلاف الأزمان ومر العصور وتنوع المعارف، مشحونة بتسمية الشيوخ والتلاميذ، ومستقل من ذلك ومستكثر. وانظر شذرة من المكثرين عن الشيوخ حتى بلغ بعضهم الألوف، كما في العزاب من الإسفار لراقمه. وكان أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة 745هـ إذا ذكر عنده ابن مالك يقول: «أين شيوخه؟». وقال الوليد: «كان الأوزاعي يقول: كان هذا العلم كريما يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل في غير أهله». وهذه العبارات معناها أن العلماء كانوا يهتمون ويعتنون بالأخذ عن المشايخ حتى صاروا يذكرون ذلك بالتراجم، ويعيبون على من قل مشايخه، يرون أن ذلك قصور ونقص العلم. وكذلك قوله: «وقال الوليد: كان الأوزاعي يقول»، معناه أن العلم أهين حين دخل فيه من لم يأخذه عن المشايخ، وإنما أخذه من الكتب. وصدق الأوزاعي رحمه الله. فنرى اليوم بعض الفساق ومن لدينا عنده ولا خلق، قد دخلوا في طريق العلم لأن العلم صار يؤخذ من المدارس والجامعات ومن بطون الكتب، ولا يحرص فيه أن يهذب ويزكى بأخذه عن أهله ومشايخه. فلهذا لم يكرم العلم، بل أهين العلم، وصار يدخل في صفوف حملته من ليس له بأهل. وإذا كان كذلك، فتوقع ماذا سيصدر من أمثال هؤلاء من شذوذات وغرائب. وهاهم نحن نرى من بعض المتعالمين في هذا الزمان من يخرج غرائب الفتاوى وشذوذات الأقوال والمواقف، ما أضر بالمسلمين ضررا عظيما. وهؤلاء ينتسبون إلى العلم وحملته، فتجد بعضهم من غرائب الفتاوى أنه يجيز زواج المسلمة بالنصراني أو اليهودي، فتتعجب كيف مسلم يقول هذا، فضلا عن من ينتسب إلى العلم. وآخر يجيز للمسلم بيع الخمر، وغير ذلك من الشذوذات والغرائب التي ثمرتها أن أمثال هؤلاء أخذوا العلم من غير أهله. فأهين العلم على أيدي أمثال هؤلاء. قال رحمه الله: وروى مثلها ابن المبارك عن الأوزاعي. ولا ريب أن الأخذ من الصحف وبالإجازة يقع فيه خلل، ولا سيما في ذلك العصر حيث لم يكن بعد نقط ولا شكل، فتتصحف الكلمة بما يحيل المعنى. ولا يقع مثل ذلك في الأخذ من أفواه الرجال. وكذلك التحديث من الحفظ يقع فيه الوهم لخلاف الرواية من كتاب محرر. انتهى. ومعنى تأكيد لما سبق أن أخذ العلم من الصحف، أي من الكتب، وبالإجازة. والإجازة صورة من صور التحمل كما هو معروف في علم المصطلح، يذكرون صور تحمل الحديث، ومن صور تحمله الإجازة، وهي طريقة جائزة في نقل العلم وحفظه وروايته، لكن لها شروط عند أهل العلم. فالشاهد يقول أن هذه الطريقة لا تسلم من أخطاء، منها أن الكتابة خصوصا في ذاك الزمان ليس فيها نقط ولا شكل، يعني كانت تكتب الكلمات بدون نقط ولا حركات، فيحصل التصحيف في معرفة هذه الكلمة. لكن إذا سمع الحديث أو الكتاب على الشيخ، صحح الطالب هذا المقروء. فإذا حصل التصحيف تغير المعنى، بينما لو قرأ على وأخذ من المشايخ سلم له هذا العلم من الخطأ. وهذا في الحقيقة ليس ينحصر في ذاك الزمان، بل حتى بهذا الزمان. كما ذكرت لكم أن الكتب في هذا الزمان يحقها خطأ من وجه آخر، وذلك أنه قد يقع خطأ في أسماء الرجال خصوصا إذا تشابهت. فتحدث بعض الحروف أو بعض النقطة تغير الكلمة وتغير المعنى. وبعضها ليس هناك ضابط وقاعدة تستطيع أن تصل إلى الصواب فيه، بل وبعضها قد يلتبس بغيره حتى ولو كان فيه ما له قاعدة وشيء يقاس عليه. فضلا على أن بعض الطبعات قد يكون فيها سقط سطر أو سطرين أو نحو ذلك. ومن هذا ما نبهت عليه سابقا من أمر الاعتماد على بعض البرامج الحاسوبية، فإن هذا كذلك خطأ الاعتماد الكلي على هذه البرامج خطأ عظيم، إذ تتحمل أخطاء علمية كثيرة بسبب ما في تلك البرامج من خلل وأخطاء. فمثلا المكتبة الشاملة هي من أحسن البرامج الحاسوبية، فهي تحوي مكتبة ضخمة ومحرك بحث لا يضاهى ولا يناظر. ومع ذلك لا يخلو أمر هذه يخلو من خلل، فيه من تصحيف في الكتابة، وكذلك سقوط بعض الأسطر، وغير ذلك. ولذلك كما ذكر: الأفضل لمن ينظر في المكتبة الشاملة أن ينظر معها إلى الكتب الأصول إذا كان عنده الأصول. إذا لم يكن فلا أقل أن يبحث عن المكتبة الشاملة المصورة التي تأتي بنظام ما يسمى بالـ PDF، لأنها أقل خطأ. على أن أصل الكتاب المصور قد كذلك لا يسلم من الخطأ، لكن هذا أفضل من لا شيء. فالخطأ في مثل هذه البرامج يكثر. ومن الخلل الذي يقع فيها بالتجربة: أن هذه البرامج أحيانا يحصل لها خلل في نظامها، فيختل أمر محرك البحث فيها. ربما تعمل بحث لحديث في الصحيحين فيظهر لك أن الحديث ليس في الصحيحين، والحقيقة أن الحديث في الصحيحين. والسبب في ذلك خلل إما في جهاز الحاسوب، أو بسبب طول وقت فتح هذه المكتبة، أو تراكم الصفحات المفتوحة فيها، أو غير ذلك. فتغلق المكتبة وتفتحها من جديد فيظهر لك الحديث موجود في الصحيحين. فكيف بحال إنسان مثلا يبحث عن حديث فيجده غير موجود، فيقول: «حديث ليس بالصحيحين». اعتمد على المكتبة الشاملة، لم يعتمد على حفظه، ولا كذلك على بحثه في الكتب الموجودة، فيحصل بهذا الخلل. وكذلك بعض الكتب مثلا قد يكون فيها خطأ، فيتتابع الناس على هذا الخطأ. يعني إذا كان الاعتماد على الكتاب، حتى أن كبار أهل العلم على علو قدرهم، وكذلك واسع علمهم، لا يسلمون من مثل هذا الخطأ. والكمال لله سبحانه. وأضرب لكم في هذا مثالا: جاء حديث في «الجمع بين الصحيحين» للحميدي. وهذا الكتاب كتاب «الجمع بين الصحيحين» من أحسن الكتب التي جمعت بين أحاديث الصحيحين، بذكر المتفق عليه، ومن فرد به كل صاحب كل كتاب. مثلا يذكر أفراد البخاري، وأفراد مسلم، ونحو ذلك. لكن هذا الكتاب تحصل له أحيانا أخطاء، أي المؤلف يذكر أحيانا بعض الأحاديث من مستخرجات الصحيحين. المستخرجات على الصحيحين، يعني ما أخرجه أصحاب المستخرج موضوع المستخرج، موضوع يتعلق بإخراج أحاديث على الصحيحين، على ما هو معروف وموضح في كتب المصطلح. فالشاهد أن بعض الأحاديث يذكرها وينسبها أنها للبخاري أو للمسلم، وهي ليست كذلك، يخطئ في ذلك. فربما يتتابع الخطأ بسبب خطأ مثل هذا الكتاب. فمن ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر حديثا في كتابه «السياسة الشرعية»، ونسبه إلى الإمام البخاري رحمه الله تعالى، تابعا لما ذكره الحميدي في «الجمع بين الصحيحين»، لأنه نسبه إلى الإمام البخاري. والحديث إنما هو عند البيهقي وأبي داود وبعض أهل السنن، وليس هو في صحيح البخاري. وقبل شيخ الإسلام كذلك ابن الأثير، فإنه ذكر الحديث ونسبه إلى البخاري، تبعا للحميدي، لأنه ينقل من الحميدي كذلك كثيرا. فشيخ الإسلام كما قيل: كان أول حفظه في بداية الطلب في كتاب «الجمع بين الصحيحين»، فرسخت عنده هذه المعلومة. هذا كمثال، فذكر ذلك في بعض كتبه ينسبها إلى الصحيحين، والحديث عند البحث ليس في الصحيحين، أو ليس في البخاري على وجه الخصوص، نسبها في صحيح البخاري، والحديث ليس في صحيح البخاري. فانظر: شيخ الإسلام من كبار أهل العلم، بل أحد المجددين رحمه الله. وكما قال بعض أهل العلم: «لم يرى العالم قبله ولا بعده مثله في العلم». ومع ذلك انظروا: وقع الخطأ بسبب خطأ هذا المؤلف، وهو الحميدي. فكذلك الإنسان إذا أخذ العلم من الكتاب فقط، قد لا يسلم من الخطأ. فإذا كان هذا مثل شيخ الإسلام في مثل هذا الحديث، فما بالكم بمن هو دونه؟ وإذا كان الاعتماد كليا على الكتب، فانظروا إلى الذي يقرأ على المشايخ، مثلا المشايخ ينبه بعضهم بعضا. فتجدهم ينبهون مثلا. فمن حفظ «الجمع بين الصحيحين» على يد المشايخ، ربما نبهوه وبينوا له، وقالوا له: «هذا الحديث ليس في الصحيحين»، «وهذا اللفظ ليس في الصحيحين». ومثله كذلك مثلا صاحب «عمدة الأحكام»، الحافظ عبد الغني المقدسي، ذكر بعض الألفاظ في كتابه «العمدة»، وهي ليست في الصحيحين. مثل ما ذكره في أول «العمدة» في كتاب الطهارة: «من توضأ فليستنشر»، «إذا توضأ أحدكم فليستنشر بمنخريه الماء». أصل الحديث حديث أبي هريرة في الصحيحين، لكن لفظة «بمنخريه» إنما جاءت من حديث عائشة مرسلا منقطعا، وجاء مرسلا عند الدارقطني وغيره. وذكره ونسبه إلى الصحيحين. فالشاهد: قراءة العلم على المشايخ يختصر على طالب العلم الطريق، وكذلك ينبه على الأخطاء التي قد تقع أو التي وقعت. والإنسان إذا اعتمد على نفسه اجتمعت له أخطاء كثيرة. وكذلك كما قلنا: أهم من هذا قضية الاعتناء بالمعلومات التي تهذب أثناء القراءة على المشايخ. قال رحمه الله: وقال ابن خلدون: مبحث نفيس في هذا، كما في المقدمة له. ولبعضهم: «من لم يشافه عالما بأصوله، فيقينه في المشكلات ظنون». ومعناه: إذا لم تأخذ العلم مشافهة عن العلماء، أي أصول العلم، فيقينك في الأمور المشكلة تصير ظنون. لكن إذا قرأت على المشايخ المسائل المشكلة، يرجحها لك ويوضحها، فتزول عنك الإشكالات. قال: وكان أبو حيان كثيرا ما ينشد: يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلوم وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أظل من توم الحكيم. ومعناه: أن بعض الناس يغتر بالكتب وما فيها من علم، وما يدري أن بعض ما فيها حير العلماء. قد يكون هذا التحيير حصل بسبب خطأ في هذا الكتاب، أو بسبب نقل ناقص، أو غير ذلك. أو مسألة تحتاج لتهذيب وترجيح، تهذيب وترجيحها في كتب أخرى. علمها من أخذ العلم على المشايخ، فيقولون: «ما قاله فلان خلاف الصواب، والصواب ما رجحه فلان». وقد أجاب عن هذه الشبهة. ولهذا تجد الكثير ممن يعتمد على الكتب عقله أسير ما سبق من الكتب. فمن قرأ في كتب الظاهرية أولا صار ظاهريا، ومن قرأ بكتب أهل الرأي صار من أهل الرأي. ومن تنوعت قراءاته تشتتت آراءه. بينما الذي يقرأ على المشايخ تهذب له هذه المعلومات، فلا يكون أسير ما يلقاه أمامه من رأي، وما يمر به من علم في الكتب. لأنه قد وقف على أيدي المشايخ الذين جمعوا ما في هذه الكتب، فهدبوها لك وأعطوك إياها جاهزة مصفاة. ويوضح هذا بمثال آخر: العلم كثير، والكتب أكثر. يعني العلم الذي عند المشايخ كثير، والكتب أكثر من ذلك. لكن المشايخ بأخذ العلم بعضهم عن بعض ينتقون من الكتب ماذا؟ أنفعها وأحسنها. فلذلك هم يختصرون طريق الطلب. وأنت تختصر منهم كذلك الوصول إلى المعلومات. فلو أردت مثلا أن تبحث في مسألة، لو أردت أن تبحث مسألة في البيوع أو في الطهارة أو في الطلاق، ربما تتعب وأنت تبحث. مثلا: كم عدة المختلعة صاحبة الخلع؟ كم عدتها؟ ربما تتعب وأنت تبحث، ربما تمر على كتب فقه كثيرة لم يذكروا هذه المسألة، وكتب حديث لم يذكروا هذه المسألة. بينما الشيخ يختصر لك، يقول: «هذه المسألة بحث فيها فلان في الكتاب الفلاني، ورجح فلان كذا، ورجح فلان كذا، وقول فلان الذي قال فيه كذا غير مرجوح لأن الدليل غير صحيح، وهذا دليله صحيح». إلى آخره. وهكذا مباحث كثيرة في العقيدة، في الفقه، في المعاملات، في أشياء كثيرة تختصرها بالقراءة على المشايخ. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى علم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.