تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

خلق السماوات وصفاتها

تتحدث الآيات عن خلق الله للسماوات السبع الطباق وإتقانها، وتدعو إلى التأمل في خلق السماء الدنيا المزينة بالمصابيح والنجوم. يشير المفسر إلى عظمة خلق السماوات وصفاتها.

تفسير الآيات المتعلقة بخلق السماوات وإتقانها

يفسر المقطع الآيات التي تتحدث عن خلق السماوات وإتقانها، ويبين أن الله خلق السماوات والأرض بإحكام، وأمر الناظرين بالتأمل فيها ليعلموا عظمة الخالق. كما يشرح معاني بعض الكلمات والقراءات المختلفة.

تفسير المصابيح والنجوم ورجم الشياطين

يفسر قوله تعالى: ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بأن النجوم تشع الضوء وتزين السماء، وتنقسم إلى شموس وكواكب وأقمار. كما يفسر قوله تعالى: ﴿رُجُومًا﴾ بأن النجوم تستخدم لترجم الشياطين عند استراق السمع.

عقوبة العصاة وتخويف الكفار

يتحدث المقطع عن عذاب الكفار والفجار في الدنيا والآخرة، ويبين أن من خرج عن طاعة الله متوعد بالعقوبة. الآيات تشير إلى عظمة الله وتفرده بالكمال، مما يستلزم إفراده بالعبودية.

التفريغ النصي الكامل

﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. قال المفسر رحمه الله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ بعضها فوق بعض من غير مماسة، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ لهن أو لغيرهن من تفاوت، تباين وعدم تناسب، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أعده إلى السماء، ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ صدوع وشقوق، ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ كرة بعد كرة، ﴿يَنْقَلِبْ﴾ يرجع، ﴿إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ ذليلا لعدم إدراك خلل، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ منقطع عن رؤية خلل. ولقد زينا السماء الدنيا، القربى إلى الأرض، بمصابيح، بنجوم، وجعلناها رجوما، مراجم للشياطين إذا استرقوا السمع، بأن ينفصل شهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار، فيقتل الجنين أو يخبله، لا أن الكوكب يزول عن مكانه، وأعتدنا لهم عذاب السعير، النار الموقدة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة العظيمة، سورة الملك، التي استفتحت بذكر عظمة الرب العظيم سبحانه وتعالى، ومن عظمته أنه خلق سبع سماوات طباقًا، كما قال المفسر رحمه الله: بعضها فوق بعض من غير مماسة، أي طبقات متتالية من غير أن تمس كل طبقة الأخرى، وبغير أعمدة، فإن الله عز وجل خلقها على سعتها وعظمتها على هذا الخلق العظيم العجيب، واسعة عظيمة، وعلى سعتها وعظمتها هي طبقات، كل طبقة عالم بأسره، فيه من عجائب مخلوقات الله الشيء العظيم. وكذلك بغير عمد، كما جاء في السور والآيات الأخرى، وكل هذا للدلالة والإشارة والتنبيه على عظمة الرب العظيم سبحانه وتعالى. ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، قرئ تفاوت، و﴿تَفَاوُتٍ﴾، قال رحمه الله: لهن أو لغيرهن، يعني لهذه السماوات، ما ترى في خلقها من تباين وعدم تناسب، تفاوت، من معانيه التباين والزيادة، لأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، وقرئ تفاوت، بمعنى خلل، وكذلك منافذ، وإنما هذه السماوات على عظمتها فإنها مطبقة كالطبق، وقرأ بتفاوت حمزة والكسائي، وقرأ البقية تفاوت، وكل المعنين متقاربين. وقوله: ﴿أَوْ لِغَيْرِهِنَّ﴾، أي لغير السماوات السبع، وكل المعنيين صحيح، فالسماوات السبع فيها من الإتقان والإحكام ما ليس فيه تفاوت ولا تفاوت، وكذلك سائر ما خلق الله سبحانه وتعالى، كله غاية في الإتقان والإحكام. وقوله سبحانه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾، قال: أعده إلى السماء، والمقصود مخاطبة المشركين، فالآيات مكية، أي ارجع البصر، وأمر من معك أن يرجع البصر، لأنه أمر أريد به إظهار عظمة الله سبحانه وتعالى، فالمتفرد بهذه العظمة والجلال في ربوبيته سبحانه وتعالى وخلقه وتدبيره وعظمته، فإنه وحده الذي يجب أن يفرد بمعاني العبودية جل وعلا. فكأنه يقول سبحانه: إذا علمتم عظم هذه المخلوقات، فالخالق لها أعظم منها، وهذا العظيم وحده الذي خلق، لم يشارفه في خلقه أحد، فيجب أن يعبد وحده لا يشرك معه غيره. وقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، تأكيد للأول، أي كرر، وهذا هو كرر النظر مرة بعد مرة، فإنك لن تجد إلا كمالا وجلالا وعظمة تدل على عظم من خلقها. ﴿هَلْ تَرَى فِيهَا﴾، قال: هل ترى من فطور، يعني هل ترى في هذه المخلوقات عموما، وهذه السماوات خصوصا، من أي خلل وفطور، فسره رحمه الله بأنها صدوع وشقوق، والفطور أوسع من ذلك، المراد أي خلل، سواء كان على صورة شق أو صدع أو خرق أو شقوق، كل ذلك منفي، بل مخلوقه بغاية من الإحكام والإتقان والكمال والجمال، كل ذلك يدل على عظمة من خلقها، كمالا وجمالا وعظمة سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، يعني بعد تكرار البصر سينقلب البصر خاسئا، وقرئ خاسيا، وخاسئا، خاسئا، قرأ بها أبو جعفر مطلقا، أي بالوقف وبالوسط، وقرأ بها حمزة وقفا، أي وقفا على خاسئا، ثم يقرأ ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، وقرأ بقية السبعة خاسئا. والخاسئ: أي الخاسر والنادم، والخاسئ: الذليل، والمعنى أنه لن يجد أي خلل، بل سيجد كمالا وجمالا وعظمة تدل على عظمة وكمال وجمال من خلقها، وهو حسير، قال: منقطع عن رؤية خلل، يعني سيجد فقط الكمال والجمال والإتقان والإحكام. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾، قال: القربة إلى الأرض، هذا هو معنى الدنيا، أي الدانية القريبة، مثل قوله سبحانه: ﴿قُطُوفٌ دَانِيَةٌ﴾، أي ما يقطف من الثمار القريب من الإنسان، أي من الأرض، وسميت السماء الأولى بالدنيا لأنها أدنى إلى الأرض وأقربها إلى الأرض. وقوله سبحانه: ﴿بِمَصَابِيحَ﴾، قال: بنجوم، والمصباح هو من يشع الضوء، وهذا معنى أن السماء الدنيا زينت بأنواع الزينات، فمن هذه الزينات النجوم، وهي تنقسم إلى قسمين: نجوم تشع الضوء، وهي الشموس وما كان بمعناها من الكواكب الملتهبة المضيئة أو المضيئة بغير النار، والله على كل شيء قدير، ومنها الأقمار، وهي التي تضيء بانعكاس الضوء إليها. فالله عز وجل جعل الشمس سراجا، أي كالمصباح يضيء بنفسه، وجعل القمر نورا، أي يضيء بغيره، والنجوم التي في هذه السماء الدنيا على هذين القسمين. ثم الله عز وجل، كذلك مع هذا الجمال، جعل لها مهمة أخرى، وهي أنها رجوم للشياطين، كما جاء عن قتادة رحمه الله تعالى، أنه قال: خلق الله عز وجل النجوم زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوما للشياطين. فالله عز وجل خلق هذه السماوات العظيمة، ومنها السماء الدنيا التي هي بعض ذلك العظيم الذي خلقه الله عز وجل، والذي من مكونات هذا الخلق العظيم هذه الأرض التي نحن فيها، وهي شيء يسير صغير، مع ما في هذه السماء الدنيا، فكيف بالسماوات السبع؟ فهو عالم غيب عظيم واسع، لا يعلم عظمته إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿رُجُومًا﴾، وجعلناها رجوما، قال: مراجم، يعني يرجم بها للشياطين، قال: إذا استرقوا السمع، بأن ينفصل شهاب عن الكوكب، كالقبس يؤخذ من النار، فيقتل الجني أو يخبله، يعني معناه ليس النجم مباشرة هو الذي يذهب فيزول من مكانه، ولكن يخرج منه كالقبس، يعني مثل ما تشعل عود الكبريت، فهي شرارة تخرج من هذه النجوم، ويجعل الله عز وجل لها أسبابا، فمن أسبابها، وجعل لها أسبابا حسية ومعنوية، حسية ومعنوية. فمن الحسية أنها تسير بنظام عظيم، فالله عز وجل جعل لها قدرة على رمي هذا الشرر متى شاء وكيف شاء، ومن ذلك أنه جعلها تصيب هؤلاء الشياطين الذين استرقوا السمع. وقوله: ﴿يَنْفَصِلْ شِهَابٌ عَنْ الْكَوْكَبِ﴾، لأن هذه الكواكب والنجوم باقية، فهي علامات ثابتة، معنى ثابتة، يعني في السماء، وإن كانت متحركة في يومها وشهرها وعامها، كما أخبرنا الله عز وجل عن ذلك في آيات أخرى، كل هذا يدل على عظمة الله خالقها سبحانه وتعالى. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، يعني ما يصيبهم من القبس والنار، هذا من العذاب العاجل، وهناك عذاب مؤجل، وهو عذاب النار التي لا تنقطع، وفي هذا كذلك تخويف للكفار والفجار، فإن الشياطين خرجوا عن طاعة الله وأمره، فكانت لهم العقوبة الدنيوية، وكذلك الأخروية، وكل من خرج عن طاعة الله عز وجل وشرعه ودينه، فإنه متوعد بالعقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية. وهذه الآيات كما نرى كلها تدل على عظمة الله وتفرده بهذا الكمال والجلال المقتضي والمستلزم لإفراده سبحانه وتعالى وحده بعبوديته ومعاني ربوبيته جل وعلا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه، وسلم.