الدرس في تفسير سورة الملك من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات التي تشير إلى خشية الله في الغيب وأثرها على المؤمنين، وبيان أن خشية الله سرًا وعلانية من صفات أهل الإيمان. يُظهر المقطع كيف أن خشية الله تؤثر على سلوك المؤمنين وتوجيههم للطريق الصحيح.
يُبيّن أن أهل الإيمان بالغيب والخشية من الله لهم مرتبة عالية وأجر كبير، ويُفسر الآية الكريمة التي تشير إلى علم الله تعالى بما في الصدور. يُظهر الأثر الإيجابي للإيمان والخشية على مكانة المؤمنين عند الله.
يتناول تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بعلم الله تعالى بما في صدور الناس وما يخفونه، ويبين أن الله عز وجل يعلم السر وأخفى. يشير إلى أن علم الله شامل بكل شيء ولا يخفى عليه شيء من أمر مخلوقاته.
الآيات تدل على عظمة الله وعدم خفاء شيء عليه من أمر خلقه، وتحث على الامتثال لأمر الله وتصديق معنى عبوديته وعظمته. يُظهر كيف أن الإيمان بعظمة الله يؤدي إلى الخشوع والامتثال لأوامره.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، قال المفسر رحمه الله تعالى: «إن الذين يخشون ربهم يخافونه بالغيب، في غيبتهم عن عين الناس، فيطيعونه سرًا، فيكونوا علانية أولى لهم مغفرة وأجر كبير، أي الجنة». وأسروا -أيها الناس- قولكم أو اجهروا به، إنه تعالى عليم بذات الصدور بما فيها، فكيف بما نطقتم به. وسبب نزول ذلك أن المشركين قال بعضهم لبعض: «أسروا قولكم لا يسمعكم إله محمد». ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ما تسرون، أي: أنتم في علمه بذلك، وهو اللطيف في علمه الخبير فيه. ما زلنا في هذه الآيات العظيمات في هذه السورة -سورة الملك-، وفي هذه السورة، كما مر معنا، بعد أن ذكر الله عز وجل عظمته وعظيم قدرته في خلقه سبحانه وتعالى، وذكر حال الكافرين الذين كفروا وكذبوا بدين الله عز وجل وشرعه وقضائه وقدره، ناسب أن يذكر بعدها حال المؤمنين الذين كان منهم الإيمان بدين الله عز وجل وشرعه والاستجابة لأمره ونهيه سبحانه وتعالى. وهكذا القرآن مثاني، إذا ذكر أهل الكفر ذكر أهل الإيمان، وإذا ذكر أهل التكذيب ذكر أهل التصديق. فلما ذكر الكافرين المكذبين قوله: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ الآيات، ناسب أن يذكر بعدها أهل الإيمان والتصديق. هنا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، قال المفسر رحمه الله: «خافونه بالغيب»، قال: «في غيبتهم عن أعين الناس، فيطيعونه سرًا، فيكونوا علانية أولى». وهذه من أعظم صفات أهل الإيمان أن يكون عندهم خشية لله عز وجل، والخشية هو الخوف المقترن بالعلم. فلعلمهم لعظمة الله سبحانه وتعالى في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله سبحانه وتعالى، وما جعل كذلك في آياته الكونية والشرعية، كله مما يدل على عظمة الله، فإن هذا العلم أورثهم الخشية -أي خوفه سبحانه وتعالى- بالسر، ومن باب أولى في العلن، وطاعة والاستجابة لأمره ونهيه بالسر وفي العلن من باب أولى. ولهذا ذكر الله عز وجل الغيب الذي يدل على كمال الإيمان. قد جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين في السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم النبي صلى الله عليه وسلم: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -وفي رواية: مال وجمال- فقال: إني أخشى الله». فأبى، وهو في السر ليس أحد يراه مع هذه المرأة أرادة تفتنه في السر، ولكنه تذكر عظمة الله وكان عنده العلم بالله عز وجل، فأكسبه الخشية والخوف منه سبحانه وتعالى في الغيب، فاستحق أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وهذا معناه أن أهل هذه المنزلة لهم مرتبة عالية، كما قال الله عز وجل ها هنا: ﴿وَلَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، مغفرة لأن الإنسان مهما كمل فلن يسلم من النقص، فالله عز وجل يجبر هذا النقص ويستره ويغفره بما كان من إيمانهم بالله عز وجل وحشيته بالغيب، وأجر كبير في الدنيا وفي الآخرة. قال رحمه الله: «أي الجنة»، وهذا من التفسير ببعض المعنى، فمن الأجر الكبير الجنة، وليس هو كل الأجر الكبير. ولذلك جاء في الحديث للسبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله أن صاحبه خشي الله في الغيب. وهكذا في قصة السبعة الذين آواهم المبيت إلى الغار عملوا أعمالًا صالحة خالصة، ولو تأملناها وجدناها أنها أعمال صالحة في الغيب، كل واحد منهم كان يستطيع أن يغلب شهوة نفسه وحظ الدنيا، ولكنه خشي الله سبحانه وتعالى وأخلص معه، فماذا كان؟ كان ثمرة هذا الإخلاص والصبر مع الله في الغيب أن أنجاهم الله عز وجل في الخروج من ذلكم الغار. وهذا من الجزاء الكبير أن الله عز وجل ينجي عباده الصالحين. وهكذا نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله عز وجل أن كان فيمن يرمى عند حصول الامتحان والابتلاء لأهل البحر، فما رأوا أن ينجيهم إلا أن يرموا بعضهم للتخفيف على السفينة، فكان من من رمي ابتلاء عظيم، ويبتلعه الحوت ابتلاء أعظم، فينجيه الله عز وجل من بطن الحوت. وهذا كذلك من المجازات لجنس العمل، لما كان من عباد الله المخلصين الصالحين أنجاه الله عز وجل. وهكذا في الآخرة أهل الإيمان بالغيب لهم الدرجات العالية، وأهل الطاعة في السر لهم كذلك الإكرام الأكبر والأكثر. ولا يزال المسلم والمؤمن يرتقي بإيمانه أعلى الدرجات حتى يصل إلى منزلته التي كتبها الله عز وجل. وأهل الخشية لهم المنازل العالية، كما صحت لذلك أدلة الكتاب والسنة. وقوله سبحانه: ﴿وَأَسِرُوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾، قال: «أيها الناس»، لأن الخطاب في أول السورة للمؤمن والكافر والبر والفاجر، والسورة سورة مكية، فهي تخاطب الناس جميعًا. وأكثر السور المكية ينادي الله عز وجل فيها الناس جميعًا: المؤمن والكافر والبر والفاجر، ومنها هذه السورة. ولهذا قال في تفسيري: «وأسر» أن الضمير يعود إلى الناس؛ لأنها تتناول الصنفين من الناس: المؤمن والكافر. ﴿قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾، أي: أن الله عز وجل لا يخفى عليه من أمركم شيء، سواء كان في الجهر أو كان في السر، وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم. ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، قال: «بما فيها، فكيف بما نطقتم به». بل الله عز وجل يعلم ما يكون في الصدر قبل أن يكون في الصدر كيف يكون، كما قال الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. فسر بعض أهل العلم أن السر ما كان مخفيًا مثل الذي يكون في الصدر، فإنه لا يعلمه إلا الله، حتى جوارح الإنسان الخارجية ما تعلم به؛ لأنه داخل صدره ما خرج، فلا تعرف جوارحه، فضلًا أن يعرفه الناس. ومع ذلك فالله عز وجل يعلمه، بل ويعلم ما هو أخفى من ذلك: ما لم تحدث به النفس وأرادت أن تحدث به، فإن الله عز وجل علمه قبل ذلك. وهو يعلم السر وأخفى، أي: ما هو أخفى من السر. فأخفى من السر هو ما لم يكن سرًا بعد. وهذا من عظمة الله سبحانه وتعالى وسعة علمه. وها هنا قال: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وعليم -كما مر معنا- تكرر صيغة تفيد ثبوت الصفة للموصوف، أي: أن هذه الصفة ثابتة. فالله عز وجل علمه ثابت بكل شيء، ومن ذلك ما كان خفيًا في ذات الصدور. والمقصود من هذا تحذير الناس جميعًا من معصيته ومخالفة أمره ونهيه في السر، ومن باب أولى في العلن. وقوله: «وسبب نزول ذلك أن المشركين قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم لا يسمعكم إله محمد»، سبب نزول هذه الآية بهذه القصة لم يصح. وقد أشار بالتعليق أنه جاء رواية عن ابن عباس ذكره الواحدي، لكن إسناده لم يصح. والآية عامة، والمشركون كان عندهم هذا المعنى وإن لم يرد فيه سبب النزول. وقوله سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، قال: «ما تسرون»، أي: أينتهي علمه بذلك؟ وهذا أحد التفسيرين. ففسر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، أي: ألا يعلم الخالق؟ الجواب: بلى، الخالق لا يخفى عليه شيء. وفسر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، أي: ألا يعلم حال المخلوق، كما فسره هاهنا المفسر رحمه الله. وكل المعنيين صحيح. فالله عز وجل الخالق لا يخفى عليه من أمر مخلوقاته شيء، فهو يعلم كل شيء، ومن ذلك السر والعلن. وعلى التفسير الثاني: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، أي: ألا يعلم الله العظيم حال مخلوقاته وأمرهم؟ والجواب كذلك: بلى، فإنه سبحانه لا يخفى عليه من أمر مخلوقاته شيء. وختمت بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، تأكيد لسعة علمه، ومن ذلك أنه علم ما تخفى وخفي، فمن باب أولى ما ظهر. وهذا هو اسمه اللطيف الذي يدل على لزوم هذه الصفة لذاته المقدسة سبحانه وتعالى، وهو لطيف في أسمائه وصفاته وأفعاله جل وعلا. ومن ذلك أنه لا يخفى عليه ما لطف ودق من أمر خلقه. الخبير كذلك، أي: في هذا العلم. ولهذا قال المفسر رحمه الله: «الخبير فيه». فالجواب: لا، لا يخفى عليه سبحانه وتعالى شيء، فهو سبحانه يعلم كل شيء: السر والعلن، والظاهر والباطن. واسم الخبير كما تقدم معنا يدل على اختصاص ذاته المقدسة بهذا الوصف، فهو خبير جل وعلا لم يزل ولا يزال بكل شيء، فاسع به خبير. ومن ذلك ما خفي من أمر خلقه وعباده: مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم. وهو الذي خلق الخلق لا يخفى عليه من أمر خلقه شيء. وهذه الآيات تدل على عظمة الله كذلك سبحانه، وتحث على الامتثال لأمره جل وعلا وشرعه ودينه، بما يكون به تصديق معنى عبوديته جل وعلا وعظمته سبحانه وتعالى.